ثورات المصريين قبل الميلاد

19/01/2016 - 8:53:51

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد العزيز جمال الدين - كاتب مصري

ما كادت مصر تسترد استقلالها ـ الذى انتزعه منها الأشوريون ـ على يد بسماتيك الأول مؤسس الأسرة الفرعونية السادسة والعشرين حتى بدا فى الأفق شبح الخطر الفارسى على مصر، عندما غزاها قمبيز عام 525 قبل الميلاد (فى عهد بسماتيك السادس)، وبذلك ذهبت الأسرة السادسة والعشرون، وفقدت مصر استقلالها وخضعت لعهد استعمارى شديد الوطأة، هو العهد الفارسى الذى سلب المصريين حريتهم، واستباح حرمة ديانتهم، وأثقل كاهلهم بشتى التكاليف.
لم يرضخ المصريون لما حاق بهم من عسف وظلم، فهبوا فى وجه الغزاة ثائرين، وتعددت ثوراتهم، ولم تنج مصر من الحكم الفارسى البغيض إلا على يد غزوة الإسكندر المقدوني عام 332 قبل الميلاد، ثم غادرها فى ربيع عام 331 قبل الميلاد، متجها صوب الشرق مقتفيا أثر عدوه. وما لبث أن توفى فى الثالث عشر من يونيو 323 قبل الميلاد.
وغداة موت الإسكندر، اجتمع قواده فى بابل ليقضوا فى أمر الإمبراطورية الواسعة التى تركها صاحبها دون وريث، فقسموها إلى ولايات وزعت بينهم. وكانت مصر ـ طبقا لاتفاقية بابل ـ من نصيب بطلميوس بن لاجوس، وهكذا تحققت لذلك القائد المقدونى أمنيته التى كان يحلم بها منذ وفد إلى مصر فى صحبة الإسكندر الأكبر. هكذا بدأ حكم البطالمة فى مصر، أقام فيها بطلميوس بن لاجوس واليا أول الأمر، ثم استقل بها واتخذ لنفسه لقب "ملك"، ورسم لنفسه سياسة داخلية وخارجية خاصة، استلهم وحيها من المصلحة الخاصة.
وإذا كنا نريد أن ندرس هنا ثورات المصريين فى تلك الفترة، فينبغى أن نبدأ أولا بكلمة عن سياسة البطالمة الداخلية، لنلمس فيها دوافع هذه الثورات وأسبابها.
اتبع البطالمة ـ لاستغلال مرافق البلاد الاقتصادية ـ سبلا تنطوى على بالغ العسف والإرهاق للمصريين، ففرضوا عليهم ضرائب باهظة وتكاليف شتى، وسلبوهم حريتهم الاقتصادية، وعاملوهم معاملة شعب مهزوم، فبسطوا رقابتهم على كل شيء حتى باتت المعابد نفسها خاضعة لهذه الرقابة الثقيلة، فقد كانت مصدرا للمقاومة والتمردات.
الثورة الأولى
أولى حركات التمرد التى شهدتها مصر البطلمية في عهد بطلميوس الثالث "إيوارجتيس الأول". وتعيننا وثيقة بردية ترجع إلـــى النصف الثانى من القرن الثالث على تفهم طبيعة هذه التمردات، فهى تحدثنا عن مساوئ رجال الإدارة، وتبرم المصريين وعزوفهم عن العمل، الأمر الذى يحمل على الظـن بأن التمردات كانت ذات طابع قومى، دفعت إليها عوامل اقتصادية واجتماعية.
عندما انتهى عهد إيوارجتيس الأول وتربع على العرش ابنه الصغير بطلميوس الرابع " فيلوباتور" اضطر فى بداية عهده إلى خوض غمار الحروب السورية، وقام فيلوباتور هو ووزيره سوسيبيوس، بإدخال تعديلات على النظم المالية والإدارية لمواجهة نفقات هذه الحرب، فزيدت بعض الضرائب وفرضت ضرائب جديدة، وارتفعت إيجارات بعض الأراضى. ويبدو أن نقص موارد الحكومة نتيجة لسوء الحالة الاقتصادية منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، قد دفعها إلى التشدد فى جمع الإيجارات وجباية الضرائب، والإكثار من الأعباء والالتزامات غير العادية، الأمر الذى تمخض عن مصادرة كثير من أملاك صغار الفلاحين المصريين.
ولاحت بوادر الهزيمة التى تنتظر قوات بطلميوس الرابع عندما تمكن أنتيوخوس من الاستيلاء على سليوكيا على نهر العاصى عام 219 قبل الميلاد، عندما خان ثيودوتوس مولاه البطلمى وانضم إلى عدوه، وسلمه صور وعكا وأربعين سفينة حربية.
وحدث تطور خطير فى نظام الجيش البطلمى: ذلك أن المصريين* أدمجوا فى صلب الجيش، وسلحوا بالأسلحة المقدونية التى أتقنوها بمهارة ساعدتهم على انتزاع نصر مؤزر فى رفح عام 217 قبل الميلاد.
الثورة الثانية
يحدثنا بوليبيوس بأن نصر المصريين فى رفح ملأهم زهوا وفخارا، فأصبحوا لا يطيقون الخضوع لسادتهم، خاصة وأنهم أتقنوا حمل السلاح، وبدءوا يبحثون عن زعيم يقودهم، وسرعان ماعثروا على ضالتهم.
ويحسن لكى نقف على الأسباب الحقيقية لهذه التمردات أن ندرس أحداثها أولا: لقد شبت نيران هذه التمردات فى الدلتا ومصر الوسطى أولا، كما يرجح، ثم امتد لهيبها إلى مصر العليا عام 206 قبل الميلاد. فتوقفت أعمال البناء فى معبد إدفو العظيم لاحتماء المتمردين داخله. ولدينا وثيقة بردية، لا يعرف تاريخها بالضبط، ولكنها ترجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد، تعطينا ترجمة إغريقية لنبوءة ديموطيقية قديمة تعرف بنبوءة صانع الفخار، وتكشف هذه النبوءة عن بغض عظيم لمدينة إسكندريا ومقت شديد للأجانب عامة، وتحدثنا أن أحد رجال مدينة هيراكليوبوليس سيحكم مصر بعد الأجانب، فيحرر البلاد من مغتصبيها ويعيد العاصمة إلى منف.
تركزت التمردات فى منطقة طيبة التى عثر فيها على وثائق ديموطيقية مؤرخة باسم ملك يدعى "أرماخيس"، وأخرى باسم ملك يدعى "أنخماخيس". فهل استقلت طيبة تماما عن السيادة البطلمية؟ ومتى تربع هذان الملكان على عرشها؟
تدل الوثائق المؤرخة بسنى حكم الملكين سالفى الذكر على أنهما حكما منطقة طيبة. كما لا نعثر فى الوثائق على ما يثبت أن الحكومة البطلمية كانت تجبى الضرائب من منطقة طيبة بعد العام السادس عشر من عهد فيلوباتور (206 قبل الميلاد).
بطلميوس الخامس ومساوئ الوصاية
توفى بطلميوس الرابع تاركا على العرش ابنه بطلميوس الخامس "ابيفانس" وكان طفلا صغيرا، فتولى الوصاية عليه أجاثوكليس، فازداد الحال سوءا، وظل أوار التمردات والقلاقل مشتعلا فى جميع أنحاء البلاد، فى إسكندريا وفى مصر السفلى فقد ضاق الناس ذرعا بألوان العسف والاضطهاد التى تعرضوا لها حتى لقد أخذوا يقومون بهجماتهم على كل ما يمثل الثروة والقوة، وأما فى مصر العليا فقد كان أنخماخيس لا يزال مسيطرا على طيبة. ويبدو أن خطورة حال البلاد آنذاك اقتضت إصدار قرار عفو من جانب الملك لسائر سكان البلاد أملا فى وضع حد للاضطرابات.
الثورة الثالثة
غير أن هذه المحاولة الملكية لم تجد فتيلا: ويعتقد بعض المؤرخين أن القوات الحكومية حاصرت أبيدوس ـ التى احتدمت بها التمردات ـ فى العام السادس من حكم إبيفانس، وذلك استنادا إلى عبارة خطها أحد الجنود على حائط معبد "ممنون" جاء فيها: "أنا فيلوكليس بن هيروكليس، من ترويزين، أتيت لأتعبد للإله سرابيس أثناء حصار أبيدوس فى العام السادس، اليوم الثامن والعشرين من شهر بئونة".
وعلى أية حال فنحن نخرج من ذلك كله بأن التمردات كانت مشتعلة فى مصر العليا فى أوائل عهد إبيفانس. أما فى مصر السفلى فإننا نجد الأدلة على احتدام التمردات هناك فى مصدرين: أولهما ما ذكره بوليبيوس، عن حصار مدينة ليكوبوليس فى العام الثامن من عهد إبيفانس، وثانيهما ما جاء فى حجر رشيد، عن حصار هذه المدينة نفسها.
ولم يكن للعقاب الصارم الذى أنزله إبيفانس بالثوار، ولا للمنح والهبات التى جاد بها على المصريين بعد الثورة، أثر فى إخماد جذوتها، فقد استمرت الثورة فى مصر العليا ـ على الأقل ـ حتى العام التاسع عشر من عهده (186 قبل الميلاد) أى بعد صدور القرار الكهنوتى المسجل على حجر رشيد بعشرة أعوام كاملة.
الثورة الرابعة
بدأت فى مصر فترة الحكم المشترك بين إخوة البيت البطلمى، وهو حكم لم يكن يبشر بالاستقرار، وكان فرصة ذهبية رأى المصريون أن ينتهزوها للتخلص من الحكم البطلمى كلية، لشدة ما أنزله بهم من صنوف العسف والإرهاق، ولهذا سرعان ما لبوا نداء الثورة الذى هتف به رجل منهم كان يحتل فى نفوسهم منزلة رفيعة، ويشغل فى القصر الملكى منصبا ممتازا، ذلك هو ديونيسيوس بيتوسرابيس "Dionisius Petosarapis".
وقد ساعدت الظروف هذا الزعيم الوطنى على القيام بحركته الثورية معاونة طيبة، فإن الثورة القومية التى اندلع لهيبها على عهد إبيفانس واضطراب شئون البلاد أثناء اضطلاع إيولاوس وليناوس بالوصاية، وما ترتب على غزوتى أنتيوخوس الرابع من تخريب وتدمير، هذا كله مجتمعا أنزل بالأراضى الزراعية أبلغ الأضرار، وزاد من فقر وحرمان شعب كان يرهقه نظام مالى غاشم، فاستفحل عداء المصريين للبطالمة، واستعدوا لتجديد ثوراتهم.
تجمهر الناس فى ميدان السباق العام بإسكندريا، وقرروا وهم فى أشد حالات الغضب والسخط أن يقتلوا فيلوميتور ليمكنوا أخاه الصغير من الحكم، وكان طبيعيا أن تترامى أنباء هذه الفتنة إلى القصر الملكى، فاستدعى فيلوميتور أخاه الأصغر بطلميوس، وأفهمه أن ديونيسيوس المصرى الوطنى إنما يبغى التخلص منهما معا ليصل هو إلى العرش، وكانت هذه النغمة كفيلة بتهدئة روع بطلميوس، فاستمع إلى النصيحة وخرجا معا إلى شرفة القصر الملكى، وأطلا على الجماهير المحتشدة تعلوهما شارات الملك ليثبتا للناس أنهما على أتم وفاق. وهكذا انهارت آمال ديونيسيوس وفر إلى إليوسس (ضاحية بإسكندريا) ومضى فيلوميتور فى أثر الثوار وأوقع بالزعيم ديونيسيوس هزيمة منكرة، أكرهته على الفرار، وانتهت بقتل عدد كبير من الثوار.
التمردات فى الصعيد
وينتهى المؤرخ ديودوروس من حديثه عن هذه الثورة بأن ديونيسيوس فر إلى مصر العليا حيث استطاع أن يستغل مركزه بين الوطنيين لإشعال نار ثورة أخرى. وكانت ثورة الصعيد جامحة عنيفة، فاضطر فيلوميتور إلى الزحف بقوات كبيرة للقضاء عليها. وعن المجهودات التى بذلها الملك للقضاء على الثورة والثائرين يقول ديودوروس: "حمل الملك فيلوميتور على الثائرين بقوات كبيرة واستطاع أن يبسط سلطانه فى منطقة طيبة، ولكن مدينة بانوبوليس "إخميم" وقفت فى سبيله بفضل اتخاذها معقلا للثوار تحصنوا فيها، غير أن فيلوميتور حاصرها حصارا محكما طويلا، واستطاع آخر الأمر أن يسقطها بعد كثير من المشاق، ثم عاد بعد ذلك إلى إسكندريا".
وكان فيلوميتور يتوقع أن تستقبله إسكندريا هاتفة باسمه بعد أن سحق الثورة فى الصعيد وأن يبسط له أخوه الأصغر ذراعيه وقد أنقذ العرش من تدبير وطنى محكم كاد يودى بحكم الأسرة كلها. ولكن بطلميوس الصغير كان تواقا للانفراد بالحكم فاستغل حب الإسكندريين له وهيأهم للثورة ضد أخيه الأكبر عند عودته. فالتجأ فيلوميتور إلى روما يشكو لشيوخها وشعبها أخاه الأصغر. ولما كانت آخر وثيقة بردية وصلت إلينا من فترة الحكم المشترك مؤرخة فى اليوم الثالث والعشرين من أكتوبر 164 قبل الميلاد فلابد إذن من أن خروج فيلوميتور من مصر حدث فى أواخر ذلك العام.
أما الآثار التى تمخضت عنها هذه التمردات فكانت عنيفة جد خطيرة: اشترك فيها عدد كبير جدا من الأهالى، مات بعضهم فى المعارك وأعدم بعضهم عقب إخمادها، واختفى البعض الآخر فى الأحراش حيث عاشوا عيشة اللصوص وقطاع الطرق خاصة فى برارى الدلتا حيث تحولوا من الزراعة إلى صيد الأسماك فصاروا بعيدا عن سطوة البطالمة اقتصاديا وسياسيا، وظلت هذه المنطقة موطنا للثورة حتى العصر الحديث والمعاصر. ولقد ترتب على ذلك ـ كما حدث فى التمردات السابقة ـ أن تركت الأرض الزراعية مهجورة لا تجد من يفلحها.
توفى فيلوميتور فجأة خلال الحرب السورية السابعة، فتولى أخوه الأصغر العرش باسم بطلميوس ايوارجتيس الثانى، واستهل حكمه بسلسلة من الجرائم المنكرة محاولا تطهير الجو من أعدائه وإبعاد كل خطر قد يطيح به من فوق ذلك العرش. وليس من العجيب بعد ذلك، أن نرى كراهية يوارجتيس الثانى تتأصل فى نفوس الشعب، وأن نرى السكندريين يطلقون عليه لقب "الطالح" بدلا من اللقب الإلهى الذى أراده هو لنفسه ، وهو "الصالح".
الثورة الخامسة
وأخيرا التهبت نيران الثورة، وعمل الملك على أن يقضى على حركة الثوار فى مهدها، فأوعـز بقتل عدد كبير من الشبان كانوا مجتمعين فى جمنازيوم إسكندريا، واختار لذلك وسيلة تدل على الإسراف فى الوحشية، إذ أمر بمحاصرتهم داخل الجمنازيوم وإضرام النار فيهم، وعندما أفلح عدد منهم فى الفرار، قبض عليهم وأعدمهم.
تجمع السكندريون حول قصر الملك يحاولون إحراقه هو وزوجته الصغيرة كليوباترا الثالثة. ولكن يوراجتيس الثانى فرّ هاربا إلى قبرص مصطحبا هذه الزوجة وابنه (ممفيتس) من زوجته الأولى كليوبترا الثانية، لكى يحول دون استفادة أمه منه فى هذه الظروف. واعتلت كليوباترا الثانية عرش مصر منفردة، واتخذت لنفسها لقب "المحبة لأمها المنقذة ".
وفى عامي 121 و122 قبل الميلاد، عمت الفوضى أنحاء مدينة طيبة. ولدينا وثيقة تحدثنا عن هجوم قام به سكانها على إحدى التحصينات الحكومية التى أقيمت بها قمعا للثورات. وامتد لهيب الثورة من طيبة إلى بانوبوليس، ويبدو أنها كانت من الخطورة بمكان عظيم، وأن الآثار التى ترتبت عليها كانت من الفداحة بحيث حرم إيوارجتيس الثانى أهل هذه المدينة من قرار العفو الكبير الذى أصدره عام 118 قبل الميلاد.
الثورة السادسة وتخريب طيبة
حدثنا باوزانياس عن الثورة التى قضى عليها سوتر الثانى فى الفترة الثانية من حكمه فقال إن هذا الملك ـ بعد أن استرد عرشه ثانية ـ حارب أهل طيبة الثائرين، وأخضعهم بعد ثلاث سنوات من بدء الثورة.
ونحن لا نعرف ـ على وجه الدقة ـ متى بدأت هذه الثورة ومتى انتهت بتخريب طيبة معقلها الأكبر: فلدينا وثيقة ديموطيقية من عام 90 قبل الميلاد (وهو العام السابق لخروج بطلميوس إسكندر من إسكندريا) تحدثنا عن هجوم الثوار على الأراضى الملكية فى مدينتى "لاتوبوليس" و"باثيريس". وتدل الوثيقة الديموطيقية على أن الثورة كانت مشتعلة قبل أن يسترد سوتر الثانى عرش مصر بعام واحد.