أوزيريس ويسوع يلخصان فكرة الخلاص

19/01/2016 - 8:52:32

يسوع ومريم يسوع ومريم

سيمسون نايوفتس - ترجمة: أحمد محمود - مترجم مصري

دمج المسيحيون الرؤى العبرانية واليونانية والمصرية معا. فقد خفف المسيحيون المفاهيم التوحيدية العبرانية وضخموا المفاهيم الأخلاقية العبرانية. والتأثير الميتافيزيقي اليوناني قوي جدا، وخاصة من خلال ﭙلوتينوس Plotinus (205 ـ 270 قبل الميلاد) المولود في مصر وأسس الأفلاطونية الجديدة وافترض فكرة أن الأرض والبشرية ملوثتان، وأن الإله وحده الكامل والصالح؛ وهو مفهوم أصبح عقيدة مسيحية محورية.
والجذور اليونانية والمصرية في الشعائر والعادات واللاهوت عديدة. ومن المحتم أن تؤدي المقارنة بين الديانتين المصرية والمسيحية إلى التكهن بأن مصر كان لها دور محوري في تطوير المسيحية، من خلال اليهودية وبشكل مستقل، بالرغم من الغياب التام تقريبا للدليل الرسمي. وربما كان الكثير من المعتقدات والشعائر المسيحية الرئيسية قد وضع باستخدام توليفة غريبة من التأثير المصري وموقف الرفض القوي للممارسات المصرية وتطوير المفاهيم اللاهوتية التي نشأت في مصر. وكان للتقاليد المصرية والمسيحية المبكرة في القرون الأولى تأثير مباشر على المسيحية في مجالات كثيرة، بدءا من طبيعة يسوع حتى عبادة تماثيل يسوع ومريم والقديسين حتى حياة الرهبنة.
عارضت المسيحية المبكرة ـ مثلها مثل اليهودية في اتجاهها العام وبالأخص مضمونها الأخلاقي ـ الرؤية المصرية معارضة قوية. والواقع أن الكنيسة المسيحية المبكرة كانت معارضة للممارسات المصرية التقليدية ومركزية السحر من الناحية الأخلاقية مثل معارضتها حرفيّا لطريقة التفكير المصرية، مثلما كان اليهود معارضين لها. ومع ذلك فما جرى على نحو كبير وينطوي على المفارقة هو الرفض المسيحي لمصر مع الحفاظ على الكثير من المعتقدات والطقوس السحرية المحوَّلة. ولم يُدرس التأثير المصري على المسيحية الدراسة الكافية وعادة ما يقدَّر بأقل من حجمه بكثير.
الأثر المصري واضح فيما يتعلق بالصلة السحرية تقريبا بين الإيمان والخلاص، وبين يسوع المخلِّص ونعيم الحياة الآخرة المستقبلية، وكذلك بين الثنائي يسوع ومريم والثنائي حورس وإيزيس. ويبدو من المستحيل ألا يُمنح دور لأوزيريس المخلِّص والخلاص ولاهوت الحياة الآخرة في اللاهوت المسيحي. ويبدو أمرا محتملا إلى حد كبير أن أوزيريس ومعه مفهوم الفرعون الإله كانا صورتين سابقتين لكل من الملك/المخلِّص المنتظر العبراني وتحوله المسيحي إلى مفهوم يسوع ابن الله الذي يموت ويُبعث. وفي نقطة ما كان أوزيريس ويسوع يقدمان الشيء ذاته؛ وهو الخلاص السحري في الحياة الآخرة. بل إن"الميتة الثانية" المُفزعة في الحياة الآخرة المصرية ربما يكون لها صدى عند يوحنا في "رؤيا يوحنا اللاهوتي" الآية 21: 8.*
والاختلاف الأساسي بين المسيحية والنسق المصري هو الأخلاق والأعمال، حتى وإن لم يحل اللاهوت المسيحي خليط الإيمان والأعمال والقضاء والقدر الذي ينطوي عليه الفوز بالحياة الآخرة المسيحية.
ومع ذلك فهناك اختلافات كبيرة أخرى بين أوزيريس ويسوع، بالإضافة إلى الاختلاف الضخم في المفاهيم الأخلاقية بينهما. فقد كان أوزيريس صورة للأب، بينما كان يسوع صورة للابن. وتجسد يسوع كإله بلا رغبة جنسية، في حين كانت لأوزيريس رغبة جنسية هائلة. فالإله أو الإلهة التي بلا رغبة جنسية هائلة أمر لم يُسمع به في مصر أو أي مجتمع قديم آخر قبل الاختراع العبراني ليَهْوِه اللاتزواجي وظهور صورة مصغرة منه مع مجيء يسوع.
ربما كان التأثير اللاهوتي المصري الرئيسي الآخر على المسيحية هو لاهوت "منف" الخاص بخلق العالم من خلال قلب (عقل) الإله ﭙتاح وذكائه ولسانه/كلمته. ويحمل هذا اللاهوت تشابها مذهلا مع الرسول يوحنا المسيحي في نهاية القرن الأول الميلادي: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله... والكلمة صار جسدا [تجسد يسوع] وحل بيننا... ويدعى اسمه كلمة الله".
وبالرغم من الشكوك التي لا تزال قائمة، فمن غير المحتمل أن يعود لاهوت ﭙتاح/منف إلى الدولة القديمة المصرية (نحو 2686-2181 قبل الميلاد)، إلا أنه رغم ذلك فمن الممكن إلى حد كبير افتراض أنه كان له تأثير عالمي اعتبارا من القرن الثامن قبل الميلاد. ويدخل في مجال الاحتمال أن يكون لاهوت ﭙتاح/منف قد أثر على العبرانيين، وخاصة في أسطورة الخلق ("وقال الله فليكن نور فكان نور") وعلى إشعياء ("هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي... تعمل ما سررت به...") وعلى فكرة اللوجوس، الكلمة، أو "العقل" الذي يحكم الكون، وتسرب إلى اللاهوت المسيحي.
ربما تأثر التحويل المسيحي لنسق الإله الخفي الواحد العبراني إلى توحيد ثالوثي متعدد الأشكال يقوم فيه ابن الإله الحال المرئي مؤقتا دورا رئيسيّا بالنسق الثالوثي المصري، وبشكل أخص ثالوث آمون/رع/ ﭙتاح العضوي المتكامل. وربما يفسر هذا إلى حد ما النجاح السريع للمسيحية في مصر اعتبارا من القرن الثالث الميلادي، وإن كانت في النهاية نسخة مصرية؛ أي المفهوم المونوفيزي المسيحي المصري القائل بأن يسوع، الابن، له طبيعة واحدة، إلهية، تستوعب البشري (كالفراعنة القدامى!). وعلى أية حال فقد كان الثالوث وأهميته أمرا جعل المصريين، بما لديهم من ثواليث كثيرة وآلهة مدمجة وآلهة تعد أوجها لآلهة أخرى، يشعرون بالألفة. بل إن عالم مصريات بارز مثل ﭽون أ. ويلسون (1899-1976) ادعى أن المصريين القدماء كانوا مونوفيزيين منذ العصور القديمة، حيث كانوا يتعرفون على "الأشياء المخالفة" ولكنهم يشعرون بأن "تلك الكائنات ذات جوهر أساسي مفرد..."
الروح القدس، وهو الشخص الثالث في الثالوث، مستمدة من "روخ ها قُدُش" العبرانية، وهي النفس المقدس لمبدأ الحياة، التي ربما تكون هي نفسها قد تأثرت بقوة "عنخ" ونفس مبدأ الحياة المصرية. في قرون المسيحية الأولى، كانت المسيحية المصرية ترفض فكرة أن الروح القدس مساو للرب. فقد كان المسيحيون المصريون، وخاصة اللاهوتي السكندري أوريـﭽن (185-254 ميلادية)، يرون أنه الروح التي تحرك الكنيسة، وليس الخلق بكامله. وهو كروح وحام وحليف تكون مثل هذه الرؤية قريبة من مفهوم الروح "كا" المصرية.
والروح القُدُس باعتبارها قوة تهب الكثير من العطايا، بما في ذلك "الألسنة الأخرى" والتوجيه الروحي حين كانت تنزل داخل أحد الرسل أو المؤمنين، يمكن أن تكون قد تأثرت بجوانب الروح والحليف والحارس والقوة الخاصة بـ"كا".
ومن الغريب أن مفهوم الروح والجسد الثنائي، وهو أمر جوهري جدا في المسيحية، قد يدين بشيء ما لـ"با" المصرية، تلك الروح الجوالة، بالرغم من المفهوم المصري الأساسي القائل بأن الروح لا يمكنها البقاء بدون الحفاظ على الجسد. فقد كانت ال "با" تعيش مع الآلهة ولكنها كانت تزور الجسد الميت، مما يشير إلى أن الفصل بين الجسد والروح ممكن.
ويبدو أن وعاء القربان، حيث يُحفظ الخبز والنبيذ الخاص بالقربان المقدس، مشتق من قبة العهد التي ربما تدين بوجودها، كما رأينا، إلى "رع ﭙر" المصرية، وقدس الأقداس، وويا، و مقاصير المراكب المستخدمة في نقل الآلهة.
ربما مضى ج.إ. جوردييف G.I. Gurdjief (1866-1949)، الذي كانت تعاليمه في الأساس نوعا من المسيحية الباطنية، إلى أبعد حد في التقارب بين الديانة المصرية القديمة والمسيحية، لكنه فعل ذلك بطريقة كانت تتسم في وقت واحد بالتناقض والخداع وعدم القابلية للإثبات. وتبني جوردييف في بعض كتاباته الرأي المعتاد القائل: "الديانة المسيحية باتخاذها المذاهب اليهودية أساسا لها لم تغير سوى تفاصيلها الخارجية" لكنه كان يؤمن في نصوص أخرى بأن "الكنيسة المسيحية، والشكل المسيحي من العبادة... أُخذ كله في شكل جاهز من مصر، وليس من مصر التي نعرفها فحسب، بل من مصر... كانت موجودة قبل ذلك بكثير. وقطع صغيرة فحسب منها هي التي بقيت... ونحن لا نعرف حتى أين حُفظت". واستمر جوردييف في كلامه: "مصر ما قبل التاريخية كانت مسيحية قبل آلاف السنين من مولد المسيح... وكانت ديانتها تتكون من نفس المبادئ والأفكار التي تشكل المسيحية الحقة". وكان العنصر الملموس الوحيد التي أورده جوردييف للدلالة على الصلة المصرية هو ما يسمى "مدارس الترديد" في مصر التي أصبحت "نموذجا لـ... شكل العبادة في الكنائس المسيحية"
المشكلة هي أن أقرب ما يمكننا الوصول إليه من مفهوم "مدارس الترديد" في مصر القديمة هو الطقوس "السرية" لموت أوزيريس وبعثه بمعبد أبيدوس؛ وهي الطقوس التي أقصى ما يمكن أن تصل إليه في قِدَمها هو الأسرة السادسة (نحو 2345-2181 قبل الميلاد) ، أي حوالي 750 سنة بعد عصور ما قبل التاريخ. وقد تدين الرواية الطقسية المسيحية لقصة يسوع بشيء ما لطقوس إحياء ذكر أوزيريس بمعبد أبيدوس، لكن يبدو أن هذه الطقوس غير كافية إلى حد كبير لتبرير الأصل الكامل للكنيسة المسيحية في مصر، وهو ما يبدو أن جوردييف يفعله. وبالطبع فإن حجة جوردييف بكاملها تهدمها إشارته إلى نوع ما من مصر في عصور ما قبل التاريخ، وهو ما أثبت علم الآثار عدم صحته. إلا أنه يبدو أن جوردييف يشير إلى تأثير مصري عام على المسيحية لا يمكن رفضه بسهولة.
الخلاصة هي أنه عند التعامل مع التأثيرات المصرية على المسيحية المبكرة فإنه كثيرا ما تُطرح مشكلة الدليل الموثوق به، كما هو الحال بالنسبة لليهودية. ولكن كما هو الحال بالنسبة لليهودية أيضا، فإن التشابهات من الكبر بحيث يستحيل ألا نأخذ في الاعتبار معقولية التأثير المصري الضخم على المسيحية؛ ما دام لا يغيب عن نظرنا الاختلافات الأساسية بين الاثنتين وخاصة الطبيعة الثورية للحب والعفو والأخلاق المسيحية.
من كتاب "مصر أصل الشجرة"
-----------------------------------------------------------
* "وأما الخائفون وغير المؤمنين والرَّجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني." (المترجم)


1 إنجيل يوحنا 1: 1 و 1: 14 ورؤيا يوحنا اللاهوتي 19: 13.2
2سفر التكوين، 1: 3 وسفر إشعياء 55: 11.
3Wilson, John in The Intellectual Adventure of Ancient Man, p. 66.