من الحب إلى فن الحب

19/01/2016 - 8:46:23

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

الحب عاطفة إنسانية. يكثر الكلام عنه. كل إنسان لديه القدرة أن يتحدث عن الحب. قالوا ويقولون وسيقولون عنه الكثير. روايات وأفلام وموسيقى وشعر كلها عن الحب مظاهره أعراضه إيجابياته سلبياته. الحب حياة. الحب موت. هذا وارد. أن يعيش الإنسان بالحب ومن أجل الحب فهذا ممكن، لكن أن يموت الإنسان من الحب فهذا أيضا ممكن. هذا وذاك مقبول. الحب جمع بين المتناقضات. الطرف الأوحد في الحب غير مقبول. الحب هو ذلك الإحساس الذي تجد فيه الموجب والسالب المتناقض والمتضاد والمتنافر كل ذلك في الحب إذن لا تتعجب لا تندهش لا تبحث عن منطقية. في الحب يغيب المنطق. ووجود المنطق في الحب قد يقتله.
يرى هيجل أن الحب هو إجابة على الوجود الإنساني، بينما يرى شوبنهور أن الحب هو سبب كل آلام الحياة. بينما يرى إريك فروم أن الحب ليس قوة عليا تهبط على الإنسان، كما أنه ليس واجبا مفروضا عليه، إنه قوته التي بها يرتبط بالعالم ويجعله عالمه حقا.
تمر على الإنسان ظروف يظن فيها أنه يحب وأنه لا يمكن أن يستغنى عن ذلك الحب، وأن هذا الحب هو الوحيد والباقي ثم ما يلبث أن ينقلب الأمر ليتبدد كل ما كان يتخيله ويتوهمه. ما الذي حدث؟ ببساطة إنه الوهم والتخيل أن ما مر به وما عاشه كان الحب الأوحد. لكنه اكتشف أنه لم يكن أبدا حبا ولكنه السراب. لذلك علينا أن نفهم الحب حتى لا تخدعنا الأوهام والخيالات.
في الحب يشعر الإنسان بانفتاح ذاته على الآخرين ويشعر بحيوية الحياة وبمعنى الوجود الإنساني، في حالة الحب يجد الإنسان متعة في الانطلاق والمرح والسرور، إنها السعادة التي تتولد من الحب. الحب حالة يعيشها الإنسان فيكون ناتجها ملموسا مرئيا. لكن علينا أن نفهم أن هناك فرقا بين أن تعيش الحب أو تتواجد في حالة حب وبين فن الحب. لأن الفن يعنى الإمساك بتلابيب الموضوع بينما في حالة الحب أنت تعيش في الموضوع الاستغراق في الحب وحالته ربما لا تعطى الذات الفرصة لكي تدخل إلى معرفة الحب وجوهره وتعلم أصوله وأبجدياته. ولعل ذلك ما دعا إريك فروم أن يخصص كتابا لذلك الأمر وهو "فن الحب" وهو ينطلق من فرضية أن الحب في جوهره فن. ومن ثم يقتضي بذل المعرفة والجهد للإمساك بتلابيب ذلك الفن. إنه فن الحب. بينما الغالبية العظمى من الناس تنطلق من فرضية أن الحب إحساس باعث على اللذة وأن ذلك الأمر يرجع إلى المصادفة ومحظوظ ذلك الذي يقع فيه.
يركز فروم على فن الحب. وهو يجيب في كتابه عن سؤال: لماذا لا ينطلق الناس لتعليم فن الحب؟ السبب الذي يراه فروم في أن الغالبية العظمى لا ترى أن الحب ليس بتلك الأهمية التي تجعلنا نبذل كل الجهد والمشقة في تعلمه فالمهم أن يكون الإنسان ناجحا مثلا وأن يكون جذابا وأن يكون ثريا، كل تلك الأمور ذات أهمية كبرى أكثر من الحب، ويمكن أن يبذل الجهد والمعرفة لكي نعرفها ونتقنها أما فن الحب فإن الأمر لا يستدعى ذلك. وفى الحب كمشروع نجده يبدأ مليئا بالآمال والتوقعات المهمة ولكن ما يلبث أن تتحطم تلك الآمال ويفشل الحب كمشروع. ونادرا ما يتم البحث عن أسباب الفشل في حين أن الأمر لو كان مرتبطا بأي أمر آخر غير الحب لتم البحث عن أسباب الفشل أما في الحب فلا يتم البحث عن تلك الأسباب. ومن ثم يتوقف إتقان فن الحب أولا على السيطرة على الموضوع، ثم ثانيا تطبيقها أي لا بد في البداية أن أعرف موضوع الحب ومكوناته ومحدداته ثم ندخل للمرحلة الثانية وهى تطبيق تلك المعرفة مع التعديل المطلوب في كل مرحلة.
الحب موقف
الحب موقف. فيه تخرج الذات من جزئيتها لتتلاقى مع الكلى. والحب أساسا ليس علاقة بشخص معين، إن الحب موقف، اتجاه للشخصية يحدد علاقة شخص بالعالم ككل لا نحو(موضوع) واحد للحب. والحب هو إجابة عن إشكالية الوجود الإنساني. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي وجوده، الوحيد الذي يعي قصر وجوده ومدى اتساعه أيضا. فاتساع ممكنات الوجود قائمة رغم قصرها ومحدوديتها. وهذا الوعي هو الذي يبرز أمامه دوما تجربة (الانفصال). فالإنسان هو الكائن المنفصل. منفصل عن المملكة الحيوانية أو هو تمكن من ذلك الانفصال عن طريق الوعي. ويعي أيضا انفصاله عن الفردوس السماوي الذي كان فيه. لقد انفصل الإنسان عن مملكة السماء لكن الملائكة ظلت في تلك الوحدة والتناغم، وهنا وجد الإنسان أن الحب هو الوحيد القادر على إعادة الوحدة وإعادة المنفصل. الحب معرفة للذات ولله، وهنا وجد الحب هو إجابة لمشكلة الوجود الإنساني. وإريك فروم يركز بشكل أساسي على فكرة أن الحب هو القوة الفعالة في الإنسان، هو قوة التوحد أو هو القوة القادرة على إحداث التوحد مع الآخرين. معنى ذلك أن الحب لديه القدرة على قهر الانفصال. وإذا كنا نقول في مجال العلم إن اتحاد الأوكسجين والهيدروجين لا يتم إلا بالشرر الكهربي فإننا نجد أن تجاوز الانفصال إلى التوحد لا يتم إلا عن طريق قوة الحب. فهو القوة الفعالة التي تمتلك قدرة إحداث ذلك التجاوز (من ـ إلى). إن الحب هو بمثابة الشرر الكهربي الذي يعمل على إيقاظ الذات من أجل الدخول في عملية التواصل والتوحد والتناغم.
هناك فرق شاسع بين (وظيفة الحب) و(موضوع الحب). وظيفته مادية وموضوعه وجداني. وينبغي ملاحظة أن ما هو وجداني غالبا ما يؤدى إلى ما هو مادي. وظيفة الحب هي التناسل. لكن الممارسة الجنسية لا تؤدى إلى انفتاح الذات على الحب أي تدخل إلى ما هو وجداني. بينما موضوع الحب أي ما هو وجداني يمكن أن يؤدى تلقائيا إلى ما هو مادي. فى تلك الحالة يحدث ما يمكن أن نسميه "نشوة الجسد والقلب" لكن في قضية الحب الأحادية أي الممارسة الجنسية المفتقدة للحب لا يمكن أن تحدث تلك النشوة المطلوبة والمرغوبة وما ينبغي إنها "لذة جسد أخرس".
الحب والاغتراب
أصبح الأفراد موجودين معا. لكنهم ليسوا متواشجين. كل فرد منغلق على نفسه. رغم أنه مع الآخرين. إنها العزلة رغم الوجود! والحب الحقيقي هو الذي يقوم بفتح الذات لترى الآخر. والآخر يرى تلك الذات. ما فعلته الميديا المعاصرة أنها أوجدت الذوات أمام بعضها البعض ولكن بصورة زائفة ومبتذلة. أيضا متطلبات الذات في تحقيق ما هو مادي أصبحت أكبر بكثير من تحقيق ما هو وجداني. لقد تم تقليص الوجداني مقابل البراني. وانعدام أو تقلص الحب الإنساني الحقيقي هو أيضا انعدام أو تقلص الحب الإلهي أو الحب الإيماني. فالعلاقة بين الاثنين قوية. اللهاث الدائم نحو ما هو مادي ومحاولة تحقيق الذات في الحياة التكنولوجية كل ذلك عمل على تقليص تحقيق الذات في الداخل الوجداني. ومع الاستمرار يحدث للذات أن تؤمن بالذات المزيفة ولا تقنع بالذات الحقيقية. أي يصبح الاغتراب هو الأصل ومحاولة الخروج من تلك الحالة شيء مستهجن وغير مرغوب بل مرعب.
في الحب تستيقظ الذات. فماذا يعنى ذلك؟
في حقيقة الأمر أن الحب هو العاطفة الوحيدة القادرة على إيقاظ الذات لتجعلها تدرك وجودها ومعيتها. الحب إدراك للذات وللآخر وللوجود برمته. بل يمكن القول إن قيمة الحب الكبرى تكمن في لحظة اليقظة ولحظة إدراك الوجود. سواء الذاتي والمحيط بالذات. والإدراك والاستيقاظ هو جعل الذات تقف على إمكاناتها وقدراتها. وكلما زادت تلك الإمكانات والقدرات دل ذلك على عمق الحب وقيمته وقدرته.
إن الحب موقف بمعنى أن الحب يعنى أن لك موقفا سواء تجاه الذات أو تجاه الآخر أو تجاه العالم. والذي يحدد ذلك الموقف هو الذات المحبة. وإذا كنا نقول دوما إن الإنسان موقف فهذا معناه أن الإنسان محب. فعندما تدخل دائرة الحب يصبح لديك موقف. وطالما لك موقف إذن فأنت مسؤول! مسؤول عن ماذا؟ عن ذاتك وعن الآخر وعن العالم. يقول مجاهد عبد المنعم: الحب عند إريك فروم إيقاظ للنفس لتخرج من جزئيتها وتعانق شموليتها. وهذا الإيقاظ معانقة للإنسانية "إن حبك لشخص يتضمن حبك الإنسان كإنسان"، وهذا الحب هو الحب المثمر "الحب الأصيل ولهذا يمكن أن يسمى الحب المنتج"، وعلامات هذا الحب المنتج عند فروم: "العناية والمسؤولية والاحترام والمعرفة"، وهذا الحب المنتج قهر للانفصال، وإبقاء على الذات في الوقت نفسه، لأن الحب لا يمحو أيا من طرفي الحب، فالحب المنتج ليس حب هيمنة بل حب احترام وتساو "تكمن الصفة الدينامية للحب في هذه القطبية نفسها: إنه ينبع من الحاجة إلى قهر الانفصال، إنه يفضى إلى الوحدة والاتحاد، ومع هذا لا تستأصل تلك الفردانية". ويؤكد فروم هذا المعنى في "فن الحب": "في الحب يحدث الانفراق: إن اثنين يصبحان واحدا ومع هذا يظلان اثنين".