عن الواقعية والتجديد .. عن حنا مينه روائي البحر الذي مات بعيدا عنه

19/01/2016 - 8:45:09

حنا مينه حنا مينه

مفيد نجم .. كاتب من سوريا

لا يمكن الحديث عن تاريخ الرواية السورية دون التوقف مليا عند تجربة الروائي حنة مينه، فقد كان من أهم رموزها وأكثرهم تمثيلا لتجربتها طوال عقود، وهو ما جعل أعماله تتجاوز إطار المحلية، إلى الإطار العربي الذي حظيت فيه باهتمام لافت تجلى في انتشار أعماله، وفي عدد الدراسات والرسائل الجامعية التي اتخذت من هذه الأعمال مادة للبحث والدراسة والتأمل.
ولد حنا مينه في نهاية النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي، في حي فقير من أحياء مدينة اللاذقية الساحلية، وتنقل مع أهله بين مناطق مختلفة، استعاد تجربتها في أكثر من عمل روائي من أعماله الكثيرة. عمل في بداية حياته حلاقا في صالون صغير، وخلالها انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري وشارك في نشاطه. عمل كاتب عرائض ومقالات وأخبار للصحف السورية واللبنانية، ثم انتقل إلى مدينة دمشق وأقام فيها طوال حياته. في منتصف الأربعينيات عمل للمرة الأولى في صحيفة تدعى الإنشاء. استطاع من خلال عمله الروائي الأول "المصابيح الزرق" الذي صدر عام 1954 وبعدها "الثلج يأتي من النافذة" و"الشمس في يوم غائم" أن يقدم نفسه كروائي صاحب تجربة متميزة، جعلت منه واحدا من أهم أصوات الرواية الواقعية في سوريا والوطن العربي. أسهم مع مجموعة من الكتاب اليساريين في إنشاء رابطة الكتاب السوريين، في منتصف الخمسينيات، وكان أحد المؤسسين لاتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 1969.
تأثر مينه بأعمال وأطروحات رواد الواقعية الاشتراكية الجمالية، نظرا لخلفيته الإيديولوجية والفكرية، وكان لتجربة الفقر القاسية، التي عاشها مع أهله في بداية شبابه دور مهم في تحديد هذه الاختيارات السياسية والفكرية والجمالية، وظهر ذلك واضحا في رواياته "الشراع والعاصفة" و"بقايا صور" و"المستنقع" و"الياطر"، لكن البحر ظل ملهما كبيرا له في جل أعماله، التي أراد من خلالها أن يثبت أنه روائي البحر الذي ظل وفيا لهذه العلاقة معه، ومع عالم الصيادين والبحارة، كما ظهر ذلك بصورة جلية في روايات "حكاية بحار" و"الدقل" و"الشراع والعاصفة" و"المرفأ البعيد".
الواقعية الاشتراكية
لم يغادر مينه في جميع أعماله حدود رواية الواقعية الاشتراكية، وجمالياتها السردية والحكائية، مطمئنا فيما يبدو إلى شهرته وانتشاره الكبيرين الذين حققهما من خلال هذا الاختيار، لكن هذه الشهرة التي لعبت عوامل متعددة في تحقيقها، كان أهمها الصدق في التجربة والموهبة وطبيعة المزاج العام في تلك المرحلة، لم يكن لها أن تستمر، مع غياب أية محاولة من قبل الكاتب للتجديد والتطوير في شكل الكتابة السردية ومنظورها وخصائصها، حتى أصبحت تلك الأعمال لا تقدم للقارئ أي جديد على صعيد لغتها وطرائق تعبيرها وجمالياتها، في وقت شهدت فيه التجربة الروائية العربية ظهور تجارب وأجيال عديدة من الروائيين، ممن يملكون طموحا ووعيا جماليا وفكريا مختلفا، عكس بحث هذه التجارب عن هويتها الجديدة، متأثرة في ذلك بمنجزات الرواية الغربية الحديثة.
يلعب قلق التجربة عند أي كاتب دورا مهما في عدم الركون إلى ما حققه منجزه السردي، حيث يشكل هذا القلق دفعا قويا له للبحث والتطوير والتجديد. لكن هذا القلق إما أنه كان غير موجود عند مينه، أو أنه لم يكن قادرا على تجاوز هذا المنجز. ويلعب وعي الكاتب وإصغاؤه الدائم لإيقاع الحياة من حوله دوره في رؤية مياه النهر الكثيرة، التي عبرت تحت الجسر. ولا شك أن الوعي الإيديولوجي للكاتب، وما يفرضه من تأطير على علاقة الإنسان بالواقع والحياة ورؤيته إليهما، قد لعب دورا مهما على هذا المستوى، بحيث لم يكن ممكنا ظهور حوافز جديدة، تدفع باتجاه البحث والتجديد على صعيد المنجز الروائي.
لذلك لا يجد المتابع لتجربة الروائي، حتى آخر أعماله، أية محاولة لتجاوز الإطار السردي لرواية الواقعية الاشتراكية إلا في رواية واحدة، هي "النجوم تحاكم القمر" استخدم فيها الحوار منذ بداية الرواية وحتى نهايتها. أما على صعيد موضوعاته فقد اعتبر مينه نفسه روائي الكفاح الإنساني من أجل الحياة، لكنه حاول في عدد من أعماله التي صدرت بعد انهيار المنظومة الشيوعية في العالم أن يتناول أسباب هذا الانهيار ومقدماته، كما في روايات "الربيع والخريف" و"فوق الجبل وتحت الثلج" و"حدث في بياتخو".
المرأة والجنس
من الصعب الحديث عن صدق الكاتب وإخلاصه للتجربة التي عاشها في أعماله الكثيرة، دون الحديث عن المرأة، التي تميزت عنده بنزعة التمرد والشهوانية والاندفاع وراء رغباتها. لقد أعطى مينه للمرأة حيزا مهما في أعماله المختلفة، تميزت فيها بشخصيتها القوية وانقيادها وراء نداءات جسدها ورغباتها، وهو ما ظهر واضحا في المشاهد الحارة والمغامرات الجريئة لعلاقتها الجسدية بالرجل، حيث لم تكن أقل اندفاعا وشبقا وجرأة من أبطال تلك الروايات في علاقتها الجسدية والعاطفية مع الرجل، وهو ما شكل ملمحا واضحا في جل أعماله. لم تكن المرأة في رواياته مجرد شخصية تستسلم لقدرها، أو تكتفي بأن تكون ضحية لنزوات الرجل واستغلاله، بل عبرت في سلوكها وأفعالها عن تمرد واضح على الواقع الاجتماعي، وانقياد كبير وراء عواطفها ورغباتها المتفجرة، ما منحها حضورا مختلفا داخل فضاء الرواية وأحداثها، عكس اختيارا خاصا لنموذج استثنائي للمرأة حاول أن يجسده في أغلب أعماله.