في حضرة المسيرة الإبداعية لإدوار الخراط

19/01/2016 - 8:43:13

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

يوسف الشاروني - كاتب مصري

آثر العزيز إدوار الخراط رفيق رحلتي أن يفارقني في محطتي قبل الأخيرة، فهو من مواليد 1926 وأنا 1924. وكنت قد كتبت المادة الخاصة به في قاموس الأدب العربي الحديث للدكتور حمدي السكوت (دار الشروق 2007) حيث ذكرت أنه وُلد في الإسكندرية لأب من إخميم في صعيد مصر وأم من غرب الدلتا، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة فاروق الأول (الإسكندرية حاليا) عام 1946. وعمل أثناء الدراسة عقب وفاة والده عام 1943 في مخازن البحرية البريطانية في القباري بالإسكندرية، مترجما ومحررا بجريدة البصير بالإسكندرية. فموظفا في البنك الأهلي المصري، فمعتقلا في 15 مايو 1948 لمدة عامين في عهد الملكية – شأنه شأن معظم مثقفي ذلك الزمان وأنا السابق عام 1941 – في معتقلات أبو قير والطور.
بعدها تنقل في عدة وظائف لعل أبرزها السكرتير العام المساعد لاتحاد الكتاب الإفريقيين الأسيويين الذي كان سكرتيره العام يوسف السباعي وكان مشاركا في انعقاد أحد مؤتمرات ذلك الاتحاد في قبرص مع السباعي الذي اغتاله فلسطينيون انتقاما من السادات لزيارته لإسرائيل، بينما اختُطف إدوار الخراط في طائرة حيث ظل في رحلة رعب بين الحياة والموت عدة ساعات. كما شارك في تحرير مجلة "جاليري 68" التي أصدرها طليعة مبدعي ذلك الزمان. كما كان من إنجازاته ترجمته إلى العربية 29 كتابا في القصة القصيرة والرواية والفلسفة وعلم الاجتماع، فضلا عن ترجمته للبرنامج الثقافي لإذاعة القاهرة عددا من المسرحيات طويلها وقصيرها، ومشاركته في أنشطة ثقافية داخل مصر وخارجها في دول عربية وأخرى أجنبية، كما تُرجم له أكثر من عمل أدبي إلى أكثر من لغة أجنبية. وحصل على جائرة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة عام 1973 والعويس 1995 والتقديرية 1999 وكفافيس للدراسات اليونانية 1998 وكان عضوا في المجلس الأعلى للثقافة.
وقد أصدر الخراط حوالي عشرين رواية منها الزمن الآخر 1985 ورامة والتنين 1994 والغجرية ويوسف المخزنجي 2004. ومن مجموعاته القصصية: حيطان عالية 1958 واختناقات العشق والصباح 1983. كما صدر له: نصوص إسكندرانية: ترابها زعفران 1986، ومتتالية قصصية: أمواج الليالي 1990 وإسكندريتي "كولاج" 1994. وسبعة دواوين شعرية و21 دراسة في القصة القصيرة والشعر والأدب العالمي والفن التشكيلي وصدرت عنه سبع دراسات.
وتُستمد معظم روايات الخراط من حي شعبي بالإسكندرية هو حي غيط العنب الذي عاش فيه طفولته. كما تتميز إسكندريته باستحضار الوسط القبطي بعاداته وطقوسه الدينية مبلورا الخصائص الذاتية: اجتماعية وثقافية للشخصية القبطية. كما تتسم كتاباته بالاحتفاء الشديد باللغة وولعه بتطويعها لما يحقق مضمونها الإبداعي. ومجموعته القصصية الأولى "حيطان عالية" إحدى مجموعات أربع كانت ثورة على الإبداع القصصي التقليدي السابق عليها في الخمسينيات. وتختلف اختلافا جذريا مع مجايلهم يوسف إدريس وهم: فتحي غانم (ولد 1924) ومجموعته "سور حديد مدبب" التي لم ينشرها إلا عام 1964 مع أنه نشر قصصها في الخمسينيات في مجلة "الفصول" التي كان يرأس تحريرها زميلنا الشاب "أحمد بهاء الدين"، ويوسف الشاروني (ولد 1924) في مجموعتي "العشاق الخمسة" (1954) التي رآها النقاد ذات اتجاه تعبيري وكان قد سبق نشرها في المجلات الأدبية مثل الأديب والآداب اللبنانيتين. و"حرف ال ح" لبدر الديب الذي لم ينشره إلا عام 1985 أي بعد 27 عاما من إبداعها في الخمسينيات، وعلى عكس ذلك نشر الخراط مجموعته الأولى "حيطان عالية" عام 1958 دون أن ينشر قصة قصيرة واحدة منها في الصحف والمجلات رغم أنه أبدعها خلال خمسة عشر عاما الأخيرة قبل نشرها. بدأ بعضها عام 1943 وعام 1944 ثم انقطع عن الكتابة أكثر من عشر سنوات حين عاد إليها عام 1957، فقد دون تاريخ إبداعه لكل قصة.
وأزعم أنني لعلني كنت من أوائل من كتبوا عن إبداع الخراط إن لم أكن أولهم، فقد نشر مجموعته "حيطان عالية" عام 1958 ونشرت مقالي عنها في جريدة المساء في 7 ديسمبر 1959 وأعدت نشر المقال بعد ذلك في كتابي "مع القصة القصيرة" (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985) أعلنت فيه أنه رغم هذه المسافات الزمنية بين إبداع تلك القصص إلا أننا نستطيع أن نلمح لونا من التشابه بين أغلب أبطال الاثنتي عشرة قصة وإن أبرز ألوان هذا التشابه هو أن المؤلف ينظر إلى أبطاله من الداخل أكثر مما ينظر إليهم من الخارج، وأن نفسية هؤلاء الأبطال مغلقة داخل حيطان عالية تقف حائلا بينهم وبين الاندماج مع الآخرين، فهناك حيطان تقف بين الزوج وزوجته والزميل وزميله والوالد وابنه. أما أسلوبه فهو شاعري يعبّر عن إحساس بالعزلة والرغبة اليائسة في تحطيمه، وهو يجمع بين الوجودية حينا والسريالية في بعض الأحيان، إلى جانب ثقافته الواسعة.
وبعد استعراض قصص المجموعة اختتمت مقالي بهذه الكلمات: وهكذا يقودنا إدوار الخراط داخل حيطانه العالية لنقوم برحلة داخل الإنسان حتى نصل إلى طبقاتها الجيولوجية البدائية بما فيها من جنس وغريزة ووحشية من خلال تعبيراته الشاعرية المتدفقة عن رؤى هذا العالم وما يضج به من عاطفة وانفعال وشهوة.
كانت حيطانه العالية نبوءة وكلماتي عنها نبوءة أخرى.