عبد الغفار مكاوي والنبع القديم

19/01/2016 - 8:41:58

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

ينقسم هذا الكتاب إلى قسمين: الأول بعنوان "من نبع الشعر"، ويتضمن مجموعة لوحات كتبها بعد قراءة ومعايشة وتأمل لعدد من قصائد شعراء من الغرب، وما أسهم به هؤلاء الشعراء في إنجاز تلك اللوحات هو في حقيقة الأمر ما قد تسهم به حصاة في صنع دوائر متوالية على سطح بحيرة، فهي لوحات مستمدة من ذكريات الدكتور عبد الغفار مكاوي وتداعياته النفسية والفكرية، وقد نوه عن تلك القصائد من باب الأمانة والتواضع.
أما القسم الثاني الذي اختار له "نبع العمر" اسما، فقد تضمن لوحات قصصية تصور مشاهد من طفولته وصباه ورجولته وكهولته في مصر وفي الخارج، ومشاهد من علاقاته بأمه وأبيه وأصدقائه وزملائه وجيرانه، ومشاهد من حياته تلميذا وطالبا وأستاذا ومؤلفا ومترجما.
بوسعك أن تتعامل مع الكتاب – بقسميه – باعتباره فصولا من سيرة عبد الغفار مكاوي (11 يناير 1930 ـ 24 ديسمبر 2012) ولكن لماذا يكتب فصولا من سيرته، وحياته كلها قد أودعها في بحوثه ودراساته وترجماته ومؤلفاته؟ بعبارة أخرى ماذا يتبقى (بعد استبعاد إنجازاته الفكرية والإبداعية) من حياته سوى أيامه الهادئة المضطردة في رتابة؟
هذا السؤال يطرحه على ذهن القارئ عنوان الكتاب والعبارات المكتوبة على غلافه الأخير، وهو سؤال قد استدعاه انطباع سطحى، نعم من المعروف أن حياة د. مكاوي هي حياة إنسان مصري بسيط ينتمي إلى قرية من قرى ريف الدلتا، يشعر بالعرفان والامتنان لأمه وأبيه، ولكل المدرسين الذين علموه في المدرسة وفي الجامعة، وهو زوج وأب ورب أسرة مسؤول وملتزم، وهو صديق وفي لأصدقائه، وهو كاتب يعكف على دراساته وترجماته ومؤلفاته بصبر ودأب وإتقان، وكل هذه الملامح لا تصنع من سيرته كتابا مشوقا وجديرا بالقراءة. لكن المدهش أن هذه الفصول التى احتوت على مشاهد من حياته البسيطة كانت بحق جديرة بالقراءة والتأمل وإمعان الفكر، لأنها كتبت بصدق خالص، لا أعني بالصدق معناه الأخلاقي، ولكن أعنى به معناه النفسي والفكري والوجداني.
كتب المؤلف هذه اللوحات ببساطة وسلاسة، وبرغبة عميقة في البوح، وبحس رفيع بمسئوليته عن نقل معارفه وخبراته إلى الأجيال الجديدة، وقد صاغها صياغة فصيحة وبليغة دون أن يشوبها خيط واحد من المبالغة أو الزهو أو الادعاء أو التهويل. وقد حفلت هذه اللوحات بتفاصيل دالة وكاشفة، وقادرة على استدعاء الحالات النفسية والعاطفية التى عاشها بأبعادها المكانية والزمانية، وبأصدائها وظلالها. لخصت هذه اللوحات للقارئ رحلة المؤلف الطويلة على صعيد الفكر الفلسفي والمسرح والشعر والقصة. ووضعت بين يديه بوضوح واستقامة ما استقر في يقينه عبر كل مراحل عمره من قيم ومبادئ وأفكار ورؤى يكتب د. عبد الغفار في فصل بعنوان "الرجل الصغير" أنه ما أن يعرف أن فردا عاديا قد قرأ إحدى قصصه حتى يشعر أنه نال أعظم شهادة تقدير.. شهادة يعتز بها أكثر من كل مقالات النقاد، إن الرجل العادي عنده هو رمز ملايين الجموع التى تبني وتزرع وتشيد المعابد وتحرس الحدود، وإعجابه بما يكتبه هو معيار الحكم السليم النابع من حس فطرى صادق، إن أشنع الخطايا عنده أن يفقد الكاتب ثقته بشعبه، إن الرجوع إلى الرجل العادى عنده هو رجوع إلى الحق بعد الضلال.
ويكتب عن طفولته وبزوغ موهبة الشعر وممارسته لفنون الخطابة والتمثيل. لكن بذور هذه الموهبة لا تجد من يرعاها، بل تجد من يقمع نموها، في البيت يحرقون الكراسات التى كتب فيها تجاربه الشعرية الأولى، فهي عندهم لغو وطريق يشرد به بعيدا عن سكة النجاح. وفي المدرسة يتلقى على وجهه صفعة قاسية عقابا على شرود الشاعر القادم وسرحانه خلف خياله، وفي الشارع يسخرون من اهتمامه بالأدب، ويحذرونه من بؤس الأدباء وحياتهم الحافلة بالحرمان والجوع.
بدلا من أن يفرح المجتمع بالموهبة، بدلا من أن يستقبلها بحفاوة واهتمام ويعكف على صقلها بالثقافة والخبرة.. يراها المجتمع نقمة وانقيادا للغواية، ونذيرا بالانحراف والضياع.
وفي فصل عن مشاهدته لفيلم شارلي شابلن الذي يسخر فيه من غرور هتلر وخيلائه وعنجهيته يكتب د. عبد الغفار أن مشاهد هذا الفيلم قد صاحبته طوال عمره وألهمته أن يجعل من الحرية قضيته الأولى، ومن الطغيان بكل ظلمه وأمراضه شغله الشاغل في كل ما أبدع وألف وترجم. وفي فصل بعنوان "مع أبي" يصور لنا كيف كان يتمنى أن يصغى أبوه لكلامه، وأن يبادله الحوار، وأن يسعد بنجاحه وتفوقه، لكن الأب كان دائما بعيدا وصامتا.
هذا كتاب امتزجت فيه ببساطة أسرة عواطف القلب وحكمة العقل، أحلام الصبا والشباب ومرارات التجاهل وخيبة الأمل، جفاف الحرمان والتطلع الدائم إلى التقدير والاعتراف بالإنجاز، وحنان الرفق بالضعفاء والمنسيين في عتمة السفح الإعلامي، وكبرياء النفس الكبيرة واحتشادها بالآمال الموؤدة، وحزنها على عالم غابت عنه قيم العدل والحرية، واستشرت فيه الأنانية والظلم والقسوة والإرهاب والمذابح وفجور رأس المال الذي طغى وتجبر فازاداد فقر الفقراء وجوع الجوعى.