على أبواب بغداد .. من الحلم بفردوس أرضي إلى الجحيم

19/01/2016 - 8:40:43

على أبواب بغداد على أبواب بغداد

عذاب الركابي - كاتب عراقي

"إن الروائي يبني أشخاصه انطلاقا من عناصر مأخوذة من حياته الخاصة، وإن أبطاله ما هم إلا أقنعة يروي من خلالها قصته، ويحلم من خلالها بنفسه" ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة.
الحرب، والفقر، والضعف، والخيانة، والاستبداد سهام غادرة، تجرح كبرياء الوطن، وتدمي قلبه الربيعي، وتحيل المواطن إلى (لا أحد) في اللازمان واللامكان!
"على أبواب بغداد" للفنان والكاتب العراقي قاسم حول.. هي رواية الواقع، مشاهد جارحة لشخصيات حقيقية، عبر فسفور حروف باهر، حقيقتها المؤلمة المضنية، أنقذتها من موت محتوم في صفحات تاريخ – حماقة قاسية، ترتبط به كثيرا، وتاريخ مكتوب (متاهة ومفاتن وطنية زائفة) – على حدّ تعبير ماريا فارجاس يوسا، تضيف له سطورا، وجملا، وأحداثا، وقصصا، واقعيتها مشنقة للمواطن الذي أضحت المعاناة هويته، واسمه، وعنوانه الدائم.
البطل الأوحد في الرواية (عبد الله) مصور في التليفزيون العراقي، ويلقّب بـ(عبد الله الكتفي) لكثرة ما يراه الناس والكاميرا على كتفه دائما، وكأنها منطاد النجاة حين يصبح الواقع المعيش جحيما لا تستضيف نيرانه إلا الصورة، وهي مصدرُ رغيفه المر في (وطن غال) مصادر حتى إشعار آخر.. (عبد الله) هذا هو لسان حال الكاتب – الراوي، ضميره، ولغتهُ الطازجة التي يفضح من خلال حروفها البركانية كل ما هو مسكوت عنه، وخادش لكبرياء الوطن، وممتهن لإنسانه البسيط الّذي يعقد حلفا مع القهر والذل، ويمكن لضمير الراوي الـ(أنا) "أنْ ينتقل في كل لحظة من شخص إلى آخر، وأن يجد من ينوب عنه باستمرار" – كما يقول ميشال بوتور ـ وهذا واضح من خلال التكنيك الروائي، والراوي يتنفس هواء ممزوجا بدخان الفجيعة من خلال أبطاله (عبد الله) وصديقه (محمد) والعسكري (عبد القادر) و(أم عبد الله) و"لن تكون للرواية فرصة للحياة، إلا إذا كانت الشخصيات حقيقية" ـ كما ترى فرجينيا وولف ـ و(عبد الله المصور) هو الابن الوحيد لعائلته لأمّه، و(بغداد) دار السلام هي امرأة فاتنة – ابنة حضارة تقهر الزمن وتهزمه، وتأخذ الكثير من عمر الكلمات والحجر والمدى.. (عبد الله) يرصد الواقع، يسجله بألوان تسحر العين، وتوجع القلب في الآن، وهو سعيد راض بعمله، و(بغداد) صديقة الكوارث المتلاحقة، والحروب المفتعلة منذ وضعت أول أبجدية للتاريخ.
والكاتب – الراوي – الضمير – الذات الأخرى هو (عبد الله) تارة ، وهو (بغداد) بكل جراحها المزمنة وحزن شوارعها تارة أخرى، وسيرة (عبد الله الكتفي) هي سيرة (بغداد) والعكس صحيح! والبورتريه المرسوم بدم القلب، ورماد الجسد لـعبد الله هو بملامح مدينة، دوخت التاريخ والرواة، وأنهكت كل حراب الزمن، وجاء يوم الثأر منها ومن مواطنيها: "تساءل عن هدف الحرب، وهل أن رأس الحاكم هو المطلوب أم المطلوب رأس الوطن؟". واستبدلت كلمة (التحرير) وهي ضبابية وزائفة، وبلا أبجدية بــ(الاحتلال) الهدف الأسمى، وأصبحت (بغداد) وهي تنعى شموخها، وغياب صوتها التاريخي والحضاري، في قبضة المحتل الطامع، قرصان العصر الحديث بلا منافس، وسقطت ورقة التوت عن جسد العالم، وأصبح المحتل الأمريكي، وأتباعه من كل جنس وعرق ولون، وحواريوه هم الحاكمين، وهم أصحاب الأرض، وحراس الأمان والعدالة والحق، وكان أول بنود العدالة والأمان إلغاء الجيش العراقي – مرجع القوة العربية، وانهار كل شيء، وأصبح المواطن العراقي بلا اسم، وبلا خطى، وبلا بيت، وبلا عنوان، وأيّة خطوة مريبة، أو رمشة عين بريئة تصدر منه، تكون فرقة (البلاك ووتر) الأمنية له بالمرصاد.. وليس بين هؤلاء التتريين وبين العراقي البسيط من لغة للحوار إلا الرصاص والموت.. هو كان يحلم بـ(الحرية) بعد حكم الطغيان، وظن واهما ظامئا متحمسا أن شمسها، تشرق بإيعاز من (المحرر) (نبي الحرية) الجديد.. ولكنه اكتشف الخدعة، وأكبر كذبة ألفها العالم، لإلغاء بلد من الخريطة، والسيطرة على ثرواته ونفطه، ووجد المواطن نفسه أن منظره لا يعجب المحتل، ولهذا فإن موته لا يختلف عن موت حشرة، وهو في أجندة المحتل نسيان النسيان.. ويكتشف المواطن أن هذا (المحرر) الذي ظن أنه (مخلوق ملائكي)، ولديه خريطة كنوز اللؤلؤ والمرجان وهو(علي بابا) بغداد الجديد، إذا به غول.. تنين، وهو يعيد على أرض بغداد سلالة هذا المخلوق الخرافي : "لماذا الثروات عندهم والجفاف عندنا؟ لماذا ليس في بلادنا بترول؟ لماذا البترول عندهم؟ وهل يحق لهم الاستيلاء عليه وحرماننا منه؟ هؤلاء ليسوا بشرا، هم لا يستحقون الحياة، قوم متخلفون، بدو في صحراء".. وهذه هي حقيقة المحتل، لا أجندة لديه للحب، والكراهية دستوره المكتوب بلغة بركانية، وبلاغة حاقدة . تلك هي صورته، وذلك هو فعله، هذا إذا كان إنسانا أصلا: "أنا أجيد فن الكراهية بخاصة مع هؤلاء".. فهل يمكن أن يقاوم الفتى (عبد الله) نيران هذه الكراهية بعدسة الكاميرا؟
وفي لحظة تشظّي الكاتب – الراوي، والذات المتهدمة، فإن عبقرية الرواية تتجسد في ظلال هذا التشظّي والانهيار الروحي، كلحظة اكتشاف و(الروائي مكتشف) كما يقول ميلان كونديرا، وهو يسمي، ويصف الألم بلغة مشحونة، لغة (قابلة للإدراك) بتعبير بارت، وهذا ما كان عليه الكاتب – الروائي – الفنان "قاسم حول" مصرا ألا يتخلى عن سينمائيته المثيرة، وهو يضيء ردهاتها زمنا طويلا، لتأتي أحداث الرواية مشاهد.. صورا.. فيلما، بقدر ما فيه من متعة فهو جارح حتى الموت، وهذه هي حقيقة بغداد، وواقع إنسانها الحالم بفردوس أرضي، وإذا به جحيم الآخرة، وإذا به حزن، ويأس، وجوع، وقهر، ومرض، وموت متعدد الأشكال والوجوه. وصارت بغداد تقاوم الاحتلال برئتين ناحلتين، يربك نبضهما هواء فاسد، برائحة الدخان والموت والجثث في كل مكان.
وتخرج اللغة من معناها القاموسي المحنط، لتصبح تعبيرا مؤثرا – علاقة صاخبة مع الواقع .. حزن بغداد، ووحشة شوارعها، وتشرد إنسانها .. والبيوت و(الشناشيل البغدادية) التي تحيلها الصواريخ والقذائف الغادرة إلى تراب ورماد، وبلا ذكرى، وخرائط الحروب المفتعلة، والخيانة الفاضحة، وتفكيك الوحدات العسكرية، وهرب الجنود، والضباط وقد رموا بدلاتهم العسكرية، واختاروا بيوتهم، كل ذلك جعل المواطن، متمثلا في شخصية (عبد الله) و(الكاتب – الراوي) أن يختار حنان الأم – الأرض، (هي الحب)، بعد أن فقد صورة وحنان الوطن، ولم يبق إلا (القتال على جبهة القلب)، بأسلحة العاطفة والدمع والعناق.
وحين تحكم الظلمة، ويمتهن النور، وتسن المليشيات الدينية أسنانها، وهي بقلوب من حجر وإسفلت، فإن التاريخ، وكل ما يبعث الحياة، ويزيد في عمقها وجمالها، يصبح في أجندة وفكر هذه المليشيات خطرا، شيئا كارثيا، بدأوا بـكاميرا عبد الله، حين عدها كبير المليشيات إثما وخطرا مثلها مثل السلاح وأكثر، وهو يبشر بـ(عصر جديد).. عصر إطلاق اللحية، والتكبير فرحا واحتفالا بقتل الأبرياء من دون ذنب، بل ذبحهم كما تذبح النعاج.. فالكاميرات، والكتب، والأغاني، كلها مفسدة في العهد الجديد.. ويسلم ويتوج من يطلق لحيته و(عبد الله) عليه في الأيام القادمة أن يطلق لحيته، وإذا قُدر له الحصول على كاميرا أخرى، فيرخص له فقط أن يصور (أصحاب اللحى)، وهم يقيمون للقتل والذبح كرنفالا يوميا، معلنين بأفعالهم أنهم (تتار) جديد: "غادر فورا! ومرة ثانية لا تحمل معك كتبا تفسد أخلاق الناس، ثم لماذا أنت بدون لحية".


"على أبواب بغداد".. نص سردي بلذة ومتعة موقظة.. وجارحة! ينسج الكاتب كل فكرة مغزولة بلحم جسده، تضيف لها رؤياه ككاتب وفنان جمالا، هو (بداية الرعب) حسب تعبير ريلكه.. عبقرية التكنيك الروائي، وما يمتلكه من ملكة هائلة من التخييل السينمائي الذي لا يجيد لعبته وكيمياءه الخلابة إلا من غامر في بحار هذا الفن بمركب من ياقوت الروح، وريحان الرؤى، جاء اختفاء (أم عبد الله) موضوعيا موصولا باختفاء بغداد – العراق، بل كل منهما يعني الآخر، عبر فانتازيا رائعة، وهي لعبة مخيلة سينمائية.. ضياع (بغداد) هو ضياع (امرأة بعباءة سوداء)، واقع الخيال، وخيال الواقع، وعبر التكنيك السردي والسينمائي معا، يستشف من الخبر أنها (أم عب الله)، امرأة لم يعثر لها على هوية، وبغداد ـ زمن الاحتلال ـ من دون هوية، كل ما يشير ويذكر ببغداد اليوم هو المليشيات الدينية والطائفية، من كل عقيدة ومذهب، والسلاح، والانفجارات، والجثث، والخوف، والرعب، والتمرينات اليومية لكل مخابرات العالم على أرض بغداد، والصراعات السياسية لأشباه رجال على كرسي السلطة، وهو كرسي صدئ، ومن يجلس، عليه بلا إرادة، ولا رأي، ولا فكر، (بيدق) تحركه أصابع بدم الخبث والرعب والطمع و"أسوأ عدو لها هو البريء" كما يقول كارلوس فوينتس!
"على أبواب بغداد" رواية مشاهد.. أحداث.. لقطات عدسة فنان لا تخون، عاشها الكاتب بروح جمعت بين الواقعي والتاريخي المتخيل، وبين الحسي والروحي، وهي رواية احتواء بامتياز! احتواء الأجناس التي تسبح في فلك الرواية: سينما، أوبرا، فن تشكيلي، شعر، مسرح.. لتبدو الرواية "تعبير عن رؤية العالم" حسب تعبير لويس جولدمان.