صنعائي .. رواية اليمن الذي كان سعيدا

19/01/2016 - 8:39:24

صنعائي صنعائي

فرج مجاهد عبد الوهاب - ناقد مصري

في روايتها "صنعائي" تضعنا الروائية نادية الكوكباني بنت صنعاء أمام تجربة تألق السرد الفني في خطوطه التصاعدية وهو يتشابك مع شخصيات الرواية، ويجعلهم يندمجون حسا وروحا مع صنعاء المدينة الأم والحاضنة لأبنائها الذين اندمجوا مع شوارعها القديمة في حالة حب صوفي نبيل، عبر ثلاثمائة صفحة تداخلت في حيوات الأشخاص جميعهم وربطتهم بذلك الطيف القدسي الذي جمعهم بالوطن الذي كان فيما مضى سعيدا.
الرواية تقوم بمسرودها من خلال الراوية، بطلة الرواية وعمودها الفقري (صبحية) الفنانة التشكيلية التي عادت إلى صنعاء مع أبيها الذي غادرها منذ ثلاثين عاما مستقرا في القاهرة من دون أن تغيب عن عينيه وذاكرته لحظة واحدة، يموت فجأة ولا يجد أبناؤه وزوجته بدا من تنفيذ وصيته برغبته في أن يُدفن في حضن تراب صنعاء، وفي مقبرة (خزيمة) تحديدا، وخزيمة: "امرأة يهودية أسلمت وهي في رعاية أسرة صنعائية بعد وفاة والدتها، وجدت لديها رغبة في حفظ القرآن مع أطفالها، فأسلمت ومنحت قطعة الأرض التي ورثتها عن أبيها لتكون مقبرة لصنعاء"، يعود إلى حضن صنعاء بعد أن عاش نقيا اختياريا دام ثلاثين عاما وهو يخنق مع شوقه وحنينه وذاكرته وذكرياته أسرار خيبته وخيبة وطنه بعد الأحداث الدامية التي حدثت في أغسطس 1968، حيث قام الانفصاليون بانقلاب غير شرعي على الثورة التي كلفت اليمن مئات الألوف من الشهداء والضحايا، نجح الانتهازيون في انقلابهم، ووصلوا إلى كراسي الحكم، ليقضوا على أحلام الناس بالعودة باليمن إلى قمة سعادتها وتحويلها إلى دولة ديمقراطية حديثة. فرض والد صبحية بأن تكون القاهرة هروبا من حكومة طاغية وهو من وقف مع الثوار وناصرهم ودخل السجن جراء نظام فاسد ومفسد استولى على الحكم من دون حق شرعي، ونفيا اختياريا ارتضاه مع عذاباته وشوقه الدائم لتلك المدينة التي تعيش في ذاكرته خيال أسطورة "ما أعلمه الآن أنك في نعيم مدينتك، ابتلعتك صنعاء في جوفها، صنعاء التي عشقت، صنعاء التي فضلت الابتعاد عنها لتحتفظ بحبها طاهرا في قلبك".
استوطن عشق صنعاء في قلب (صبحية) لتكتب سطوة السهر "كاد بكل حبه لها والحديث عنها، يجذر في داخلي حبها وحب العودة إليها وأمل الحياة فيها، صنعاء: تلك الساهرة بتاريخها، النائمة تحت سفح جبل عار من الأشجار الوارفة أو الصخور الحامية".
تعود صبحية إلى صنعاء بعد وفاة والدها وعدم تحمل أمها البقاء في القاهرة بعد أن تزوج أخوها بفتاة مصرية. تعود إلى صنعاء وتبدأ رحلة البحث عن المدينة التي سكنت روحها وتعيد اكتشافها بعين جديدة وحب بدأ ينبض قلبها له منذ اللحظة التي التقت بحميد في مرسمها، حميد الذي اختارته من دون غيره وفي قلب صنعاء القديمة كما أحبت وأرادت لا سيما أن أدركت أن صنعاء في قلبه ولا يمكن لأحد أن يحبها أكثر منه حتى لو لم يرسمها كما فعلت صبحية. وتتداخل خيوط العلاقة بين صبحية وحميد مع واقعين واقع خارجي تاريخي يشتركان في تفاصيله، وواقع داخلي خاص بكل منهما على حدة وهو واقع تذكري في معظم مجريات أحداثهما الماضية وعلاقتهما بالحاضر: المكاني.. النفسي.. الزماني.
من خلال بُنى التذكر واستدعاء الماضي الذي لم تنسه وإنما سمعت به من أبيها وأمها وجدتها تحاول الراوية رصد الأحداث اليمنية التي أعقبت أحداث 1948 ونهاية حكم الأئمة تدخل في تفاصيل الثورة على النظام بعد حصار صنعاء لما يزيد على سبعين يوما عام 1968، حيث جرى تجنيد القبائل التي ما زالت تعيش على أوهام الرؤساء الأئمة وحثهم على محاربة النظام الجمهوري وحصار صنعاء، ثم وقعت المصيبة وحلت الهزيمة بسبب الفتنة واعتلى الانتهازيون كراسي حكم اليمن ودفعوا بكل من أسهم في اندلاع الثورة إلى السجون والمنافي وتصفيتهم، ليبدأ الفاسدون الحكام انحرافهم عن مبادئ الثورة وأهدافها، فشاعت الفوضى في البلاد، واستشرى الفساد في وزارات الدولة وأجهزتها "في منتصف التسعينيات اختلف الأمر، وغير جملته تماما، قال: إن وطنيته تنهار ولا يستطيع مقاومة التجار الجدد والمستثمرين المستغلين لتسهيلات فاسدين في جهاز الدولة في كل مكان.. شبكة فساد عنكبوتية تسري في جسد الدولة وتنخر عظامها ببطء، وتقوض كل ما أسس له تجار الأمانة والإخلاص للوطن".
وتكشف بطلة الرواية عن الأسباب التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه من فساد وفوضى وانقسام وتقسيم، حيث تلعب المؤلفة بتقنية واضحة، وحرفية متمكنة على أوتار أبطال روايتها وشخصياتها سواء الرئيسية أو المساعدة أو حتى المحكي عنها وتلك اللعبة الفنية، كان لها علاقة تبادلية وتناوبية بين الشخصيات جميعا وتقنية السرد القائم على تعددية الأصوات، حيث كان لكل شخصية دور خاص بها مرسوم بدقة وعناية من حيث: موقفها على المستويين الخاص والعام الخارجي المعيش، والنفسي الداخلي الموار بالحركة، مقولاتها التي تعزز الموقف وتنشطه، رأيها سواء حول الأحداث المتحركة على مستوى الواقع المعيش، أو ما تبديه من آراء ومواقف لها ارتباط بالثورة وأيامها، وتحولاتها.
ومن الملاحظ بعد تدقيق الإحالات السابقة جميعها أن الشخصيات محبطة بشكل عام، معظم مواقفهم سلبية ولذلك لم تساير البطلة أحوالهم، ولم تؤازر مواقفهم السلبية، وإنما أدانتهم وانتقدتهم "منذ عودتي إلى صنعاء لم أجد غير السواد مسيطرا على المظهر الخارجي للنساء".
(صبحية) كانت العنصر الأكثر إيجابية والتصاقا بالوطن الذي أعادت اكتشافه مع حميد الذي ارتبط في وجدانها بالوطن لا سيما بعد أن عرفت أنه ابن أحد الثوار الذين استشهدوا وهم يدافعون عن صنعاء. وتفرد الرواية مساحة للحديث عن رجال لعبوا دورا مهما في الدفاع عن صنعائها، فتتوقف عن (دغمان) ابن أحد الثوار الذي قضى والده في الدفاع عن صنعاء واشتغل في السلك الدبلوماسي مع رئيس الدولة الذي اغتيل بعد أن قرر العمل على بناء اليمن الجديد (إبراهيم حمدي) الذي اعتلى الحكم عام 1974 واغتيل عام 1978 وهو صاحب الصيحة المدوية: "لا للقبيلة التي تنهب الشعب"
"إنها أحداث السياسة العفنة، بعد انتهاء الحرب تخرج الفئران من جحورها والأفاعي من مخابئها لتسير على الجثث وتمتص رمق الحياة الأخير منها".
والصوت الأخير في معمار الرواية ونصية مسرودها صوت (صوريتي مسك) المرأة التي أحبها حميد خارج أسوار الزوجية.
وأما الأوراق والرسالة التي تركها والدها تأتي خاتمة إدهاشية بعد أن كشفت سر الرجل العجوز الغامض الذي رأته في مقبرة خزيمة أثناء دفن والدها، فالرجل لم يكن غير (العم عبده سعيد) الذي واكب الثورة وكان جنديا في قوات الصاعقة، قبل أن تتشظى دواخله وتحوله إلى رجل ضعيف بعيد عن الواقع، ينام بين القبور التي حوت جثامين أصدقائه ورفات رفاق الكفاح والنضال.
ثمة شغل خاص جدا في مستويات سرد الراوية وهو الاتحاد الصوفي في توصيف الأمكنة، صنعاء القديمة، فاجتهدت على توصيفها ورسمها لوحة فسيفسائية اللغة والأسلوب والعاطفة لم تنأ عن الموروث اللغوي اليمني بأشعار شعرائه وأغاني مطربيه والاهتمام الواضح بتقبل التوثيق لتاريخ صنعاء وتراثها وأسواقها وبيوتها وتفاصيل غرقها من دون أن تنسى أزياءها وعادات ناسها وثقافتها الشعبية ومكانة المرأة، وطبيعة التحولات التي رافقت مختلف جوانب الحياة وانحدارها باتجاه الانغلاق وسيطرة المتطرفين من رجال الدين. ومن هذا المسار يلاحظ قارئ الرواية أن مبدعتها قسمت معمارها إلى جزءين: في الجزء الأول تداخلت المبدعة مع صنعاء الحياة والناس والحب والحركة ومسرود الذكريات والتداخل التذكري مع الماضي بأحداثه ليطغى حب المدينة هو السائد وهو المحرك لكل الأحداث والحالات والإحالات وهذا ما شكل قوة جاذبة لفعل قراءة المتلقي حيث الفضاءات المفتوحة على اللغة النشيطة والتصوير العذب والرسم الدقيق لمناحي الحياة الشعبية في صنعاء القديمة التي عاشت البطلة فيها ورفضت الخروج منها لأنها سكنها وسكينتها.
أما الجزء الثاني فعني بالتوثيق، ولذلك انتقل السرد من أسلوبه التخييلي المجنح إلى الأسلوب السردي المباشر لأنه معنى بالتأريخ وهذا أسلوبه "لا تستغربي من معلوماتي (صبحية) كنت وما زلت عاشقا لكتب التاريخ".
ويبقى السؤال مشروعا، ماذا حدث لليمن السعيد في التاريخ الحديث؟ ما أصابه وإلام وصل إليه؟
والجميل في هذا المستوى أن إجابة السؤال تأتي على ألسنة أبطال الراوية أنفسهم، (عم عبده سعيد) يرى أن موت الرئيس جمال عبد الناصر هو موت القومية نفسها ومعه مات رفاق السلاح فقط لأنهم يساريون، وبذلك تحول مسار الجمهورية عن التحرر والانفتاح، وغرق في العشائرية والقبلية وإثارة الفتن والتألب على الشرعية وإشعال فتائل الحرب الأهلية ليفقد اليمن الحديث تلك السعادة التي اتسم بها دهورا مديدة.
وضعتنا نادية الكوكباني وضعتنا أمام:
1- حالة عشق فريدة للمكان الذي يشكل رمزا لحضارة عمرها آلاف السنين وهي حالة قلما نجد مثيلا لها في الروايات التي عنيت بالمكان جسدا وروحا وحياة.
2- آلية الإبداع الروائي اليمني المعاصر وقدرة مبدعيه على صياغة فن روائي قادر على التواصل والحياة يملك كل ما يؤهله لأن يأخذ مكانته الرائدة في الحراك الروائي المعاصر.