الحب

19/01/2016 - 8:38:07

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

جورج باتاي - ترجمة: محمد عيد إبراهيم - شاعر ومترجم مصري

جورج باتاي: شاعر وفيلسوف فرنسيّ (1897 ـ 1962)، أحد الكبار الذين انتقدوا الهيجلية والنيتشوية والسوريالية والوجودية، ولد لأب أعمى مشلول ملحد. من كتبه: عن نيتشه، الشرج الشمسي، التجربة الباطنية، المستحيل أو في كراهية الشعر، الأدب والشرّ، دموع إيروس، الذنب. ومن رواياته: حكاية عن الفئران، حكاية العين، زرقة الظهيرة، أمي.
حين يُقال كلّ شيءٍ وننجزه، أملكُ أكثرَ من وجهٍ. لا أعرفُ أيهما يضحكُ من الآخر.
الحبّ شعورٌ مفرط حتى لأسند رأسي بين كَفَّي. ناهضاً من مشاعري، بعالمٍ من الأحلامِ ليسَ نطاقاً من الأكاذيبِ أصلا. في النهايةِ يتشتّتُ الوجهُ، حيث ينشقّ نسيجُ الأشياء منفتحا ـ بالشِقّ الممزَّق ـ لا يتبقّى غيرُ أحدٍ يُقدَّمُ في لُحمةِ النسيج.
طبقاتٌ من ورقِ الشجرِ الميتِ ليست خطواتٍ صاعدةً إلى عرشٍ، وزورقُ الجَرّ يُصَفِّرُ بتوهّماتٍ مبدَّدةٍ من الافتتان.
مع ذلكَ، فماذا يطابقُ روعةَ العالمِ إن لم يتكلّم معنا أحدٌ فينقل إلينا (لا شكّ بصعوبةٍ) رسالةً: "أما هذا المصيرُ الذي يمْسَسك، هذا المصيرُ الذي قد يخصّكَ (مصيرُ الكائنِ البشريّ الذي هو أنتَ) أو ما تعتبرهُ نصيبكَ من الوجودِ عموما (من الرحابةِ التي تشكّل جزءاً منها)، فهو لا يسمح لكَ بأن تختزلَه إلى فقرِ الأشياء التي تبقَى فقط على ما هي عليه. على النقيضِ، بعدما تصادفُ كذبةً طارئة، أو بعدما تتبدّلُ هيئةُ شيء، أفلا تسمعُ مناشدةً يجب أن تُجابَ؟ لا تدّعي أنكَ راغبٌ في الرحلةِ، فالرحلةُ أنتَ. ومَن هو مستطيعٌ أن يتحدّى البُعدَ المطلَق، الخطرَ المُحدِقَ، الرغبةَ في الطريقِ؟ الرغبة؟ أأنا نظامُ الأسرار؟ افهَمني، إن لم تَختَر هدفاً عَصِيّ البلوغِ، فلن تقتربَ من السرّ!"
يهبطُ الليلُ طبعاً، لكن لكي نُسخِطَ هذه الرغبةَ.
أبغضُ الأكاذيب (الهراء الشعريّ). لكن الرغبةَ فينا لا تكذب. ثمةَ مرضٌ بالرغبةِ ندركُ به غالباً الفجوةَ بين الموضوعِ المتخيَّل والموضوعِ الحقيقيّ. صحيح، فالأحدُ المحبوبُ مختلفٌ عن ذلك المفهومِ الموجودِ عند ذلك الأحد. والأسوأ، أنه لكي نحدّد الحقيقيّ في موضوعِ الرغبة، يقتضي الأمرُ حظاً فريداً.
والنقيضُ أن سناءَ الكونِ الجليَّ يقلبُ ما لدينا من فكرةٍ عن هذه الفرصةِ. إن لم يستر فينا الأمجادَ السماويةَ، لاستحققنا الحبّ المطلقَ. لا ينبثقُ المحبوبُ من الواقعِ المبتذَلِ كمعجزةٍ من نسقِ حقائقَ محدّدةٍ. أما الفرصةُ التي ستُبدّلُ هذا المحبوبَ فهي غيابُ التعاسةِ. ينكرُ الكونُ الذي يتصرّفُ فينا نفسَه في تعاسةٍ جاريةٍ شائعةٍ (بوجودٍ كئيب)، لكنه يؤكّد نفسَه مع القلّة المختارة.
مقارنةً بمن أحبّ، يبدو الكونُ فقيراً وخاوياً. هذا الكون ليس "عُرضةً للخطر" فهو غير "فانٍ".
لكن المحبوبَ هو "المحبوبُ" في عُرفِ واحدٍ أحد.
قد يبدو الحبّ الجسديّ غيرَ "محميٍّ من اللّصوص" أو التقلّباتِ، إلا أنه أكبرُ من الحبّ المقدّس.
فهو "يُغامرُ" بي وبمَن أحبّ.
الربّ، تحديداً، ليس عُرضةً للخطر.
ومهما ابتعد عشّاق الربّ سيمضونَ على سَجاياهم، متخيّلين أنهم خارجَ لُعبةِ الخطر، أنهم ما وراء المجد (بسعادةِ المنتَخَب).
ويصحّ، قطعاً، أن عاشق المرأة لا يتخلّى (فهو مُجبَرٌ أن يُبطِلَ الغيابَ المُعذِّب)، حتى ينالَها في النهايةِ تحتَ سقفه وفي حَوزته. لكن الحقيقةَ، في قسمِها الأعظم، أن الحبّ يخمدُ في محاولاتٍ للرّوَغانِ من طَبعهِ: عليكَ أن تغامرَ بالحبّ ثانيةً وثانيةً...
هل ثمةَ مَن لا يفهمُ حقيقةَ أن السعادةَ هي الاختبارُ الأكثرُ تطلّباً من كلّ شيءٍ عند المحبين؟ مع ذلك، فالتخلّي طَوعاً قد يكونُ حيلةً، قد يجعلُ الحبّ متمرِّساً في إفراط، مقصوداً، مبدِعاً (أرى المحبين كمَن يعتصمُ عَمداً بوضعياتهِ العصيبة). نستبينُ ثمةَ فرصة، مهما كانت صغيرةً، فرصةً للذهابِ إلى ما وراء تلك السعادة المضنية.
الفرصةُ، بالفرنسيةِ، لها الأصل نفسه (باللاتينية، المحيط) كنهايةِ فترةٍ (موعدٍ أخير). يبدو أن (سقوطَ) الفرصةِ هو القضيةُ. أو السقوطُ فحسب، فالقبرُ (كالحظّ الصالح أو الطالح، في الأصل)، كعشوائيةِ النردِ وهو يسقطُ.
من هنا فالفكرةُ شاذّةُ الأطوارِ التي أقترحُها هي المسيحيةُ المفرطة!
بتلك الفكرة الشائعة، لا تسقطُ البشريةُ لتنفصلَ عن الربّ ـ مع أن الربّ نفسَه يفعلُها (ولنضعه بشكلٍ مختلف، الكمال).
لا يتورّط الربّ هنا "أقلّ مما تقتضيه فكرتُه". واقعياً، العكسُ، وأكثر. لكن هذا "الأكثر" ملغيٌّ حتى الآن، فهو الربّ ـ لأن جوهرَ الربّ "عُرضةٌ للخطرِ" دائماً، أو "ضمنَ نطاقِ مواقفَ خطرةٍ". في النهايةِ يبقى الجنسُ البشريّ وحدَه.
لنضعه بشكلٍ مازح ـ الجنسُ البشريّ، عموماً، متجَسِّدٌ!
وبعدما تسقطُ العالميةُ نحو الجنس البشريّ، نرى مزاعمَ شنيعةً عند التعرّضِ للخطر، كما حدثَ مع يسوعَ، فلم تعد تُطبَّق. (لكأن الربّ تخلّى عن يسوعَ). ومثلُ هذا التخلّي المتورّطِ في التعرّضِ للخطر كليٌّ.
ما أُحبّ في مَن أُحبّ ـ حتى لأودّ أن أموتَ مِن هذا الحبّ ـ ليسَ وجودَه المتفرّدَ، بل الجانبَ العالميّ منه. مع أن هذا الجانبَ هو ما يُعرّض نفسَه للخطر، كما يُعرّضني للخطر.
في المستوى الشائعِ من هذه الأفكار، الربّ نفسُه أحدٌ غيرُ كليٍّ (الربّ غيري أنا)، مع أن التعرّضَ للخطرِ ليسَ قابلاً للتطبيقِ على الحيواناتِ (فهي مع أنفسها).
كم هو مضجرٌ وطنّان ذلك الكائنُ ـ مقارنةً بالكائناتِ التي تسقطُ (في "فنجان") الكائنِ البشريّ.
الضجرُ هو الثمنُ الذي يدفعهُ نفادُ الصبر، البحثُ عن الأمان.
نتكلّمُ عن المطلقِ: عبارةٌ خسيسة، مصطلحٌ وَحشِيّ!
قد تتخيلُ الأطيافَ تائقةً إليه.
لا أقصدُ أن أُخرجَ المعبودَ من أحدٍ. وأضحكُ حين يسقط الربّ من الابتذالِ إلى عارضِ الالتباسِ.
لدى المرأةِ مناديلُها، فِراشُها، جواربُها. وهي تفكّر في العودةِ إلى المنزلِ أو إلى الغابةِ برهةً من الزمن. ولا يتغيّرُ شيءٌ إن وَعَيتُ وجودَها كشيءٍ شفّافٍ، مغامرةٍ، أو فرصةٍ واقعية. حقيقتُها ليسَت فوقَها. بل مثلَ "فنجان"، أصلُ إليها فقط في لحظاتِ الفرصة القليلة. هي الصوتُ حيثُ يجيبُ عليّ العالمُ. وإن لم أنتبه بلا حدود، وإن لم يكن ثمة شفافيةٌ مؤسَّسةٌ مع إفراطٍ يستفرغُ المعاناةَ ـ فلن أفهمَ شيئاً.
في الحبّ الجسديّ، نحبّ إفراطَ المعاناة. دونها لا خطر. في الحبّ القدسيّ، فإن حَصرَ المعاناة يستسلمُ في الكمالِ القدسيّ.
أحبّ اللاإيمان، الازدراءُ متورّط في التعرّضِ للخطر، والمغامرة. في التعرّض للخطر، أدفع حظّي أحياناً لأخسر حتى العذابَ كإمكانية. قد ينسحبُ العذابُ في هذه الحالةِ من الخطرِ. الحبّ رغبتي المُلِحّة. مُستَحثٌّ كي أنجرفَ إلى السعادةِ، أحسّ بالفرصةِ هناك. تُفعِمُني النشوةُ بدايةً لأنتصرَ ـ ثم تُمزّقني لأتخلّى عن انتصاراتي ـ في لُعبة تُضنيني.
هكذا أدعمُ المرارةَ في تلك الكلماتِ الأخيرة ـ كلماتِ العذابِ المتجدّد ـ لأتفادَى التعرّضَ للخطر.
لا أتعرّضُ للخطرِ دونَ عذابِ الشعورِ المعلَّق. لكن في التعرّضِ للخطر قهرٌ للعذابِ.
خشيتي أن يستحثّ اعتذاري الحماقةَ والبلاغةَ المبتذَلَة. فالحبّ بسيطٌ، لا معقّد.
أمنيتي في حبّي لغير المعلومٍ (وقد لا تهمّني مصادرهُ الشخصيةُ، فهو ينشأُ من أعرافٍ صوفيةٍ) أن أحوزَ، بتسامٍ مُجرّدٍ، بساطةً عظيمةً كتلكَ التي ننسِبُها إلى حبّ ذلكَ الحبِّ الدنيويّ، وهو يرجّع صداه إلى الأبدية.