الرجل ذو الجلباب الصعيدي الأسود والعمامة الخضراء

19/01/2016 - 8:35:02

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد حسان - كاتب وسينمائي مصري

لولا زَكَّة بسيطة
من قدمه اليسرى
تجعلك تنتبه للرجل ذي الجلباب الصعيدي الأسود والعمامة الخضراء، ما كنتَ قد انتبهتْ.
وبرغم حضور فراستك لن تلحظ أنه تجاوز الثمانين وبدأ عامه التسعين
كان يعبر الطريق ممسكا بيد ولده الصغير الأخير الذي مازال بالكُتَّاب ولم يصل بعد لسن الدراسة الإلزامي
في عبور الرجل الطريق وولده
التقيا في الجانب المقابل بقَس بملابسه السوداء وبلحيته البيضاء
تحاضنا وتبادلا حديثا طويلا كانت عيونهما ثابتة، متواجهة
يكاد يرى حبلَ النور المار بينهما أيَ عابر بجوارهما
تصافحا بثبات
ثم عادا وتبادلا الأحضان
لم يلحظ الصبي ولم يتبين إلا جملة "في أمان الله" التي قالها القس
وجملة "السلام عليكم ورحمة الله" التي قالها الصعيدي
سأل الصبي أباه: هل تعرف الرجل من قبل؟
أجاب الأب: أول مرة أشوفه. ثم أضاف بجدية.. هِم شوية لو عاوز نتغدى ونلحق الضهر حاضر في سيدنا الحسين.
سار الولد بجدية في الرحلة الأسبوعية سيرا على الأقدام من ميت عقبة لسيدنا الحسين
وعيناه تتابعان العربات الكارو التي ملأت شارع أحمد عرابي باتجاه الكوبري عابرين الزمالك إلى حي السلطان أبي العلاء.
***
انقطع الأصدقاء منذ زمن بعيد عن مناداته باسمه الأول المدون في تحقيق الشخصية وأسقطوه تماما واستبدلوا به اسم أبيه مباشرة.
في الطرقات والتاكسيات وأغلب المحلات العامة كان لقب "شيخ" هو المفضل لدى أغلب من رأى وجهه وتعامل معه..
وبدون سبب واضح بدأت عظام الفخذ تتآكل في نفس نقطة التقائها بالحوض.
ولم يعد يستغني عن نظارة القراءة بالرغم من عمله كرامِ ليلي وقناص لعشرين عاما.
تحصن خلف أكوام الكتب التي أحاطته في ركن من البيت بالكاد يمر عليه أحد من أهل البيت، أو لحظ وجوده أحد..
اكتفي بحبة الملح الصغيرة في الصباح
وقضمة من خبز الشعير في المساء
لاحظ ذلك برضا تام ولم يصبه التوتر بالرغم من سطوة باقي علامات السلوك الثانوية الأخرى
غير أنه انقطع تماما عن سرد حكاياته معه
وانمحت كل صور ذكرياتهما سويا
وكان كلما خلى بنفسه
وأحس بالوحشة
ينادي نفسه باسمه الأول
اسمه المهجور
مسبوقا بكلمة يا وَلَدْ
كما كان يفعل أبوه عندما يستعجله للتحرك في رحلتيهما الأسبوعية من ميت عقبة الى مسجد السلطان أبي العلاء ثم مسجد سيدنا الحسين.