الحاسة السادسة

19/01/2016 - 8:33:26

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

سعيد الحمادي - كاتب يمني

 تقبع في غرفتها تلك التي تقع في ربوة عالية على سفح الجبل والمطلة على جميع بيوت القرية المتناثرة، هي لا تريد أن يقوم أحد بالبناء بجوار غرفتها أو أسفل منها تقوم بتحذيره بأن هذه الأماكن مسكونة، وهي طريق لأناس لا نستطيع رؤيتهم، لأن الموقع قد شيد في زمن الأجداد وهو الآن مملوك لهؤلاء الناس قامت بغرس الأشجار بجوار غرفتها واعتنت بسقيها حتى صارت خضراء وارفة، غرست أشجار التين المشوك حتى أصبح يثمر، كذلك زرعت الأزهار ذات الروائح الزكية فهي تقدمها لبعض النساء اللاتي يقمن بزيارتها فهن يعتبرنها تمتلك الحاسة السادسة، تستطيع التعرف على أية امرأة دون النطق باسمها وإنما تقول لها من أسرة كذا وأبوك اسمه كذا ويكون حدسها صحيحا فهي تنظر إلى ملامح الشخص ولون البشرة والعيون وطول الجسم وقصره بحكم احتكاكها بأفراد القرية، قبل صعودها لهذا المكان تركت شظف العيش في المدينة نتيجة تعامل زوجها معها بفظاظة، أرادت الاستقلال بذاتها والعيش بحرية في غرفتها تلك، فهي تتحدث مع نفسها الليل بطوله وحين يهجع سكان القرية في منازلهم يُسمع صوتها، وهي تعود للماضي تتحدث عن الناس لا تنطق بأسمائهم بل بأفعالهم وكيف استطاعت التخلص منهم والحلول التي قامت بها ثم تعود لجيرانها المخلصين، وما دار من حوار بينها وبينهم، تظل على تلك الحالة حتى منتصف الليل، فالأهالي لا يُعيرون كلامها اهتماما فقد اعتادوا على ذلك، فهي الأنس لهم والطمأنينة لمن أراد الخروج للتنزه ليلا، وحين يحاول بعضهم الدخول معها في حوار تبتعد عن الحديث وتدخله في حوار آخر لا تسمح لأحد بالصعود إليها ليلا، أما في النهار فغرفتها تلك المليئة بالأخشاب والعيدان اليابسة مع سريران حديدان، وفرش مهلهلة وموقد صغير يعمل بالكيروسين وقناني بلاستيكية فارغة وحين تستقبل أي شخص يصعد إليها تقدم له ما عندها من الطعام، وإذا كان لديها حلويات تقدمها، تقدم التين المشوك بعد إزالة أشواكه، تتحدث بهدوء تناقش مشكلاتها القديمة ثم تخرج عن الموضوع وتتحدث عن جيرانها المخفيين، لقد آذوني وفي هذا اليوم كانت لدي بعض النقود أخفوها عني قمت بعجن الخبز وعبثوا به أعود لإعداده مرة أخرى ولكنهم سوف يعيدونه مع النقود، هم دائما يحبون المزاح معي، تناولك قرص الخبز المقلي بالزيت تحذرك من شيء ما وإذا حاولت سؤالها مرة أخرى تبتعد عن الموضوع وتدخل في حوار آخر، تناولك الحلوى وتخبرك من أين حصلت عليها، تتحدث عن الوحوش الذين يمرون بجوار منزلها وبأنها سمعت أحدهم وهو يمر في السائلة البعيدة عن القرية كان واقفا هناك في الظلام وكانت عيونه تلمع، كان سريع الخطى تتقافز الأحجار من تحت أقدامه، إذا حاول شخص تطويل الحديث معها تدخل في نفسه الرعب حتى ينصرف.