سيف وانلي .. ربان الفن والأدب على البحر

19/01/2016 - 8:22:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود عوض عبد العال - كاتب مصري

يسير في هدوء إلى مرسمه داخل مسكنه. لأنه خبير بالأرض التي ولد عليها مارس 1906، وقد تجاوز كل العقبات المزعجة. تصله يوميا كل المجلات والكتب والصحف. يستعيرها بالإيجار من موزع الصحف، ويعيدها إليه بعد مراجعتها. إلا من الكتب الأدبية التي تروقه أو يعرف أصحابها فإنه يحتفظ بها. وفي أغلب الأحيان يقوم بإعادة رسم بعض الأغلفة التي يراها غير لائقة ويلصقها على غلاف الكتاب. حدث هذا في كتب ليحي حقي وتوفيق الحكيم!
يلجأ إليه الأدباء والشعراء والفنانون لشحذ الهمة الإبداعية بافتتاح معارضهم. وهو يقبل على ألوانه هامسا ومحبا وعاشقا. فيلمس السيجارة البحاري بدون فلتر وقد قارب احتراقها بين شفتيه، ليشعل مكانها سيجارة أخرى. لا يحب الثرثرة. بل يوعز للمتكلم أن يهدئ من انفعاله. لا أكثر ولا أقل. لا يغادر ألوانه ولوحاته سوى لضرورة النوم أو الطعام. اليوم بطوله يرسم. حتى وهو داخل ترام الرمل من محطة الرمل إلى كلية الفنون الجميلة في جليم. وجدنا عددا كبيرا من تذاكر الترام كلها اسكتشات. شديد الفهم والحساسية بالطبقة الشعبية في صدق التعبير عنها. إلى جانب انشغاله بالقضايا الوطنية طوال حياته ورئاسته الشرفية لمجلة (أقلام الصحوة) للأدباء والفنانين بالإسكندرية 1974 وأستاذيته لقسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة منذ إنشائها صيف 1975، جعلت من وجوده بين الطلاب معرضا متحركا بين أبناء الجيل الجديد من شباب الكلية، باعتباره فنانا تلقائيا يحتل مكانة بارزة في الفكر المصري المعاصر من خلال إنتاجه الغزير والخلاق لأكثر من نصف قرن.
قادته إبداعاته ذات الروح المصرية الشفافة إلى استكناه الجوهر الذي يؤكده الانتماء العميق لكيان الإنسان المصري في صدق وأصالة، وكان يسابق الاتجاهات الفنية الحديثة التي ظهرت في الغرب أقوى من اهتمامه بالطابع التسجيلي، وخلال زيارته للنوبة سجل ملامحها عام 1959 وصمم العديد من ديكورات المسرح مثل مسرحية شهرزاد وأوبريت (كارمن). كما رسم رواية (ميرامار) لنجيب محفوظ حين نشرت أسبوعيا في مجلة الإذاعة والتليفزيون، ورسم المقاهي والكنائس والسيرك والشوارع وسباق الخيل والعديد من أغلفة كتب بينالي الإسكندرية.
وقد مرت ريشته بين مختلف المذاهب الفنية وحصل عام 1959 على الجائزة الكبرى في الجناح المصري لبينالي الإسكندرية عن أول لوحة سيريالية رسمها، وفي العام نفسه منح مفتاح مدينة الإسكندرية.
ومعارضه الخاصة في مصر ودول العالم كثيرة، ومشاركاته في المعارض الجماعية المحلية والدولية تفوق الحصر. دون أن يكرر عرض لوحاته مرة أخرى، في كل من بكين وبيروت واليابان وبغداد ويوغوسلافيا وسوريا وإيطاليا وإسبانيا والسويد. وكرمته مصر بجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1973 والدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون عام 1977، وهو أول فنان تشكيلي يحصل على هذا اللقب في مصر.
إن تأثر سيف وانلي بمناخ البحر الأبيض من أهم العوامل التي شكلت أستاذيته في الفن. كما لورانس داريل، وكفافيس، ومحمود سعيد، وسيد درويش. وقد وهبه البحر الضوء الصافي واللون المزدهر والجرأة والقناعة وكل وسائط الإلهام التي كانت قاسما مشتركا بين كل المبدعين من الأدباء والفنانين على شاطئ المتوسط، كما تأثر بالموسيقى العالمية، وشرح لي بالنسبة لإنتاجه السيريالي وهي اللوحات التي كان يتحدى فيها المصطلحات التقليدية في الفن التشكيلي، مثل بعض الألوان الباردة متجاورة في لوحة، والألوان الساخنة في لوحة أخرى، متأثرا بقوة كقوله بموسيقى (استرافينسكي) وهدفها أن يختبر بها نفسه.
من أمنيات سيف وانلي أن تنشئ الدولة متحفا في أبو قير بالإسكندرية، يضم أعمالا من جميع فناني العالم. وتبنى حوله مدينة لاستضافة عدد من الفنانين العالميين لقضاء شهر كل عامين، وتشرف عليه كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، ويتم دعم المتحف من خلال إهداءات الفنانين الضيوف المقيمين بالمعسكر، ويكون مزارا مع بينالي الإسكندرية، إلى جانب أمله بإلغاء القيود على سفر الأعمال الفنية أو الكتب وإلغاء الضرائب على نتاج الأدباء والفنانين. وإلزام أصحاب العمارات الكبيرة ببناء مرسم على السطح وتأجيره لأحد الفنانين المتميزين.
وخلال رحلته لحضور معرضه الأخير في ستوكهولم في فبراير 1979، برفقة زوجته الفنانة (إحسان مختار) وافته المنية، عقب الافتتاح ونقل على طائرة خاصة إلى الاسكندرية وشيع جثمانه رسميا وشعبيا من ميدان سعد زغلول بمحطة الرمل.
وستبقى أعمال سيف وانلي وشقيقه الفنان الكبير أدهم وانلي في مجمع محمود سعيد بجناكليس بالإسكندرية مزارا لكل المبدعين. ولعل أبلغ اعتراف كتبه (سيف وانلي) عن نفسه في صدر كتالوج أحد معارضه الأخيرة: «إن حياتي كلها أوهام وأطياف تؤكد وجودها الألوان والأصباغ المتداخلة الأنغام والمقامات على قطع من القماش أو الورق، يعيش فيها معي كل من يحب الحياة التي تسمو إلى عالم الوجدان، أعيش وحيدا مع معاناتي في مجال الخلق الفني. إن طريق الفن وعر وشاق. و يا له من طريق».