الفن التشكيلي تغلب على حدود الزمان والمكان

19/01/2016 - 8:21:37

أكلو البطاطس لفان جوخ أكلو البطاطس لفان جوخ

هوازن خداج - كاتبة وتشكيلية سورية

منذ لحظة الخلق الأولى يرتبط الإنسان بجمال العالم، ويبدأ بإدراك كيفيات وقيم الأشياء من خلال ما يرسمه محيطه البصري من لون وضوء، ليونة وصلابة تكوّن بداية وعيه الجمالي في القدرة على التذوق أو الشعور والانتباه إلى القيمة الجمالية أكانت طبيعية أم فنية.
شكل الوعي الجمالي بداية المسار في ارتقاء القدرة على الإبداع عبر فاعلية التشكيل والتأثير والإدهاش، والتي اكتسبت قيمتها الجمالية كعملية داخلية تحدث نتيجة تفاعلات وجدانية وعقلية تهدف إلى ترجمة الأفكار أو الأحاسيس والمشاعر بشكل ذاتي، تتعدد فيه المفردات الفنية والطرق في صياغة الأشكال ومعالجة المواضيع المختلفة، ونتيجة لهذا التنوع حفل تاريخ الفن التشكيلي بالكثير من مواسم التدرج النوعي، وأصبح مفهوما فكريا متأصلا يقوم على دراسة تصاميم الظاهر الطبيعي أو المرئي المحسوس للأشياء، ولأنه لا يختلف عن غيره من المفاهيم الفكرية، فقد خضع للمتغيرات والأحداث الدينية والسياسية والمجتمعية، والتي أسهمت في نهاية الفن المسيحي الذي ساد العصور الوسطى، وفي استقلال الفن عن خدمة الطبقة البرجوازية التي برزت في فن الباروك وطراز الروكوكو المرتبط بالعائلات والأسر الحاكمة، وانتقل الفن من الواقعية البدائية وتصوير الواقع المادي كما يجري تصوره في زمن محدد، إلى الكلاسيكية وأسلوب التعبير عن القناعات والقواعد الراسخة لدى الفنانين القدماء، ومع حلول عصر النهضة والذي سمي العصر الذهبي تميّز الفن التشكيلي بإيمانه بالقيم الإنسانية والإبداع والتجدد في الفكر كمقومات للرؤى الفنية، وكان من رواده "’ليوناردو دافنشي" في التصوير والرسم و"مايكل أنجلو" في فن النحت والعمارة.
أنتج التطور العلمي والإنساني والفلسفي والفني منذ مطلع القرن التاسع عشر، تعددا في المذاهب والمدارس التشكيلية التي اشتهرت بفنانيها الذين زرعوا مفردات ورموز مدارسهم في لوحاتهم. فمنذ عرف الفنان نظرية تحليل شعاع الضوء الأبيض إلى ألوانه السبعة (الأصفر والبرتقالي والأحمر والأخضر والأزرق والبنفسجي والنيلي)، اتجه الفنانون نحو مدرسة تواكب هذا التطور، فكان المذهب التأثيري الذي بني على فلسفة النظرة المباشرة للأشياء، وما تراه العين وتسجله حسب تأثير الضوء والزمن على الأشياء، فوجدت الواقعية الرمزية، والواقعيّة التعبيريّة، وتأثرت هذه المدرسة بتوثيق الشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية فأنتجت كلاسيكية البورتريات الصامتة، ومن روادها "كلود مونيه، بول سيزان" والتي انتقلت إلى ما بعد التأثيرية أو الانطباعية الجديدة، وحررت الفن التشكيلي من رسم خطوط الواقع الموجود طبيعيا بأدق تفاصيلها وأبعادها التي قاربت الأصل أو كادت تقاربه لولا تدخل تلك الأطياف المتنوعة من المشاعر والعاطفة التي ينقلها الفنان إلى لوحة تستحضر بناء اللحظة، فانتقلت خطوط الفنانين نحو الطبيعة وإضفاء المشاهد الحسية وانعكاسها على هذه الطبيعة، وتميزت هذه المدرسة في إبراز النور والظل وشدة اللون والتناسق، وامتدت لتشمل كافة التيارات المنبثقة من هذه المدرسة الانطباعية الجديدة.
سادت المشاعر والحالات الذهنية التي تثيرها الأشياء أو الأحداث في نفس الفنان مع انتشار المذهب التعبيري، فكان الترميز واضحا من خلال الرسم والألوان، وتعددت المدارس التعبيرية، فأتت المدرسة الوحشية لتهتم بالضوء المتجانس والبناء المسطح الذي تتألف أجزاؤه دون استخدام الظل والنور واعتمدت هذه المدرسة الأسلوب المبسط الذي يعتمد على الشدة اللونية بطبقة واحدة من اللون ومن روادها الفنان "هنري ماتيس". واهتمت التكعيبية بفكرة وحدة الصورة المرسومة على سطح ذي بعدين، وبتحليل الأحجام وعلاقتها وتعمد التكعيبيون إهمال رسم الأشياء كما هي والسعي لإيجاد التكوين الكلي للشيء المراد تصويره، فجعلوا الصورة تحمل فكرة الشيء المرسوم، وذلك برسمه من جهات متعددة في وقت واحد. فاستخدم فنانوها الخط الهندسي بكافة تشكيلاته ومن دعامتها الفنان "بابلو بيكاسو".
اختلفت معايير الفن كثيرا عن بداياته وتعدت حدود التحريف للخطوط الخارجية للأشكال التي جمعت معظم مدارس الفن التشكيلي، ليتخذ طابعا أكثر رمزية وتصوفا، فاعتمدت المدرسة التجريدية على تجريد الطبيعة من حقائقها الثابتة، وإعادة بثها بطريقة مختلفة تقودها رؤية الفنان الخاضعة لخياله ولألوانه الخاصّة، والتي تنقل الأشكال من صورتها العرضية إلى أشكالها الجوهرية ومن خصائصها الجزئية إلى الصفات الكلية، فالمذهب التجريدي يسعى إلى البحث عن جوهر الأشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة تحمل في داخلها الخبرات الفنية للفنان الذي يترك يده مطلقة العنان تتحرك بتلقائية من غير تحديد مسبق، فتبدو اللوحة أشبه بمقطوعات إيقاعية يربطها الإيحاء العام بمضمون الفكرة التى يقوم عليها العمل الفنى.
تمحور المشهد الفني التشكيلي بكليته على التمازج البصري الذي يختزل تجليات الفنان الروحية وخياله، فبصمة التشكيلي تبدو واضحة فوق لوحاته، ولكل فنان طريقة مختلفة ومتنوعة تقود إيقاعها المتفرد وتحول اللوحة إلى مساحة لونية تسكنها عواطف ومشاعر الفنان وتضم بين تقاسيمها أفكارا وأهدافا لتحاكي المتذوّق، فهي في النهاية عمل استخدم فيه الفنان عقله وعاطفته اللذين اتحدا معا في لحظة إبداع تقودها مفردات البحث بين الواعي واللاواعي، ففي غمرة انغماس الفنان في فعل الرسم يتصل الذهن بالكثير من الخبرات والذكريات الحياتية أو الفنية، ذلك لأن الفنان يرسم من هذه التراكمات، وحين يتحرر الفنان من رقابة الشعور سيخرج من دائرة التذكر، ويستخدم أدواته ليشكل ويبني وينتج عالما خاصا يقوده هاجس البحث في المساحات غير المكتشفة، ويصبح الخيال أصدق أصدقاء الفنان فيسكب دلاء الألوان فوق تضاريس اللوحة مستنبطا صورا تتعدى الواقع ابتكارا، لهذا ليس من الصواب إلصاق الفنانين في أطر خاصة ومذاهب ومدارس فنية محددة، فالمشاعر والانفعالات يتعذر ربطها بأسلوب فني معين، وخاصة لدى الفنان المعاصر الذي يعيش عصر التجديد والإبداع والطموح، فهو لا يقبع في ظل مذهب معين بعد أن تغلب على حدود المكان والزمان، ولم يعد يمتلك زمام التسميات الفنية المقرونة بطرز فنية أو فترات زمنية، إنما بما تحمله تلك المساحة الملونة من انفعالات وخواطر تجذب عواطف المتلقي ومشاعره التي يحددها وعيه الجمالي العام.