فيلم « توك توك » .. سحر البساطة

19/01/2016 - 8:20:16

فيلم « توك توك » فيلم « توك توك »

سهام سنية عبد السلام - ناقدة وباحثة أنثروبولوجية مصرية

عرض فيلم "توك توك" في برنامج أسبوع النقاد الدولي الذي تقيمه جمعية نقاد السينما المصريين في إطار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي للسنة الثانية على التوالي. وتصادف أن المهرجان ضم أفلاما تسجيلية وأفلام تحريك للسنة الثانية أيضا، وإن خلا منها برنامج المسابقة الرسمية هذا العام (2015)، على عكس العام الماضي.
فيلم "توك توك" للمخرج المصري روماني سعد. وهو يقدم واقعا معقدا بأسلوب بسيط، فإذا كان التوكتوك وسيلة مواصلات توصل الناس إلى ما يستهدفونه من أماكن، فقد اتخذه روماني سعد في فيلمه وسيلة يدخلنا بها إلى دهاليز الواقع الخشن لشريحة من أفقر فقراء مصر، ممثلة في سائقي التوكتوك الذين التقى بهم هم وعائلاتهم. أبطال الفيلم ثلاثة مراهقين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والسادسة عشرة، يكسبون عيشهم ويعولون أسرهم بقيادة التوكتوك.
المخرج يقسم الفيلم إلى ثلاثة أقسام بعناوين مكتوبة على الشاشة: "مش أول يوم"، و"يوم عادي"، و"مش آخر يوم"، ويستخدم فيه تقنيتين بسيطتين من تقنيات الفيلم التسجيلي، ألا وهما الحوار مع الشخصيات، والكاميرا التي تراقب بحياد. صاغ روماني سعد أقسام فيلمه بأسلوب متسق، يبدأ فيه كل قسم من العام منتقلا إلى الخاص، من البيئة المحيطة مصورة في لقطات عامة طويلة إلى الهدف الخاص (التوكتوك أو أحد سائقيه) في لقطات متوسطة، لكن الفيلم ككل ينقلنا من الخاص (الأطفال قادة التوكتوك) إلى عالمهم الشخصي وسط أسرهم وداخل بيوتهم، ثم إلى المجال الأكثر عمومية في حيهم السكني حيث يجري الاستعداد لإقامة فرح، والمجال السياسي العام في ميدان التحرير إبان الثورة، دلالة على أن سائقي التوكتوك ليسوا أغرابا عنا، بل هم جزء لا يتجزأ من حياتنا ومجتمعنا، لينتهي الفيلم بقفل الدائرة بمشهد من موضوعه الخاص يصور هؤلاء الأطفال يلعبون لعبة خطرة إذ يتسلقون كوبري إمبابة الذي تمر عليه قطارات الصعيد السريعة.
يبدأ الفيلم بمقدمة موجزة نرى فيها مركبات التوكتوك يقودها أطفال يتميزون بالرعونة، مصدرين ضوضاء بما يستمعون إليه من تسجيلات لأغنيات هابطة مثل "هاتي بوسة يا بت". هذه هي الصورة النمطية لسائقي التوكتوك كما يراها الناس، الذين نرى جماعة منهم في مشهد لاحق يتناقشون حول مضار التوكتوك. تلعب الكاميرا هنا دور المراقب المحايد، فإذا أخذنا نقاش هؤلاء الناس مع مقدمة الفيلم لعلمنا أن هؤلاء الناس لديهم حق في رأيهم السلبي عن التوكتوك. لكن الكاميرا المراقبة نفسها تفند هذا الرأي حين تتراجع للخلف متحركة أمام أحد هؤلاء الأطفال يقود موتوسيكلا ببراعة، مما يدل على أن هؤلاء الأطفال ليسوا سائقين فاشلين، فما التوكتوك إلا موتوسيكل مزود بمقاعد وسقف.
وفي مشهد آخر تراقب الكاميرا الأطفال وهم على أحد المقاهي يتفاوضون ببراعة مع رجل أكبر منهم سنا على تأجير توكتوك، موضحة أنهم مؤهلون بما يكفي لإدارة عملهم، على الرغم من أميتهم وحداثة سنهم.
ولأذكر مثالا آخر لقدرة الكاميرا في دور المراقب المحايد على إلقاء الضوء على الحقائق، حين تصور السائقين الصغار يلعبون ما يشبه الاستغماية، وهي لعبة لا تحتاج لنفقات، وهم يستمتعون بها، فهم في النهاية في طور الطفولة. يتعارض ما تظهره الكاميرا هنا مع ما تقوله أم أحدهم: "العيال هنا مش بيلعبوا". بل أن الأطفال يسردون متعهم الصغيرة، مثل تدخين سيجارة، أو معاكسة فتاة، أو الذهاب إلى "سايبر" للعب ألعاب الكمبيوتر، بل يظهرون في لقطة وهم يستمتعون بشراء التين الشوكي بمصروفهم. بعض هذه الألعاب والمتع بالطبع غير مقبولة اجتماعيا للصغار، بل إن بعضها شديد الخطورة، مثل المشهد الختامي الذي يتسلق فيه الصغار كوبري إمبابة ويسيرون أعلى سور فيه والكاميرا تسير أمامهم متراجعة للخلف تراقب ما يفعلونه، وهم يدركون تماما أن القطار لو أتى فسيتعرضون للخطر. لكن هذه هي المتع المتاحة في واقع خشن، يستخدم فيه الصغار كلمات بذيئة بلا حرج، فهم صغار ليسوا كصغار الطبقة المتوسطة المتعلمة.
محاور يقوي مركز من يحاوره
حاور المخرج الأطفال وأهلهم، لكنه أخفى نفسه بأقصى ما يمكن، ورفع صوت هؤلاء المهمشين الذين لا صوت لهم، فنحن لا نرى روماني على الشاشة، ولا نسمع صوته بوضوح، اللهم إلا همسا وهو يوجه سؤالا من حين إلى آخر. حين أتيحت لهؤلاء الناس الفرصة رفعوا صوتهم بسرد مصاعب حياتهم، حيث يعاني الآباء والإخوة الكبار من البطالة. يؤكد والد أحد الأطفال أن قيادة التوكتوك هي الوظيفة الوحيدة المتاحة للكثير من الشباب، وبدونها ربما اضطروا للسرقة أو القتل أو الاتجار في المخدرات لكسب عيشهم.
حتى هذا العمل الشاق لا يوفر للأطفال وذويهم إلا عيش الكفاف، فكما تقول أم أحدهم إنها تسد رمق الأسرة بالنشويات والخضراوات، فلا يمكنها شراء اللحم والدواجن بعد سداد أقساط التوكتوك ومصاريف صيانته. يتضح من هذا أن حظر التوكتوك يحمل خطرا اجتماعيا، إذ لن يجد من يعملون عليه وسيلة مشروعة لسد رمقهم.
وإذا كان هذا حال الطعام، فلا عجب أن التعليم في هذه الطبقة يعد من الكماليات، وهو ما كشف عنه الحوار. فأهل الأطفال يقولون إنهم لا يمكنهم توفير نفقات التعليم، كما أن التعليم يشغل الطفل عن العمل مما يعرض العائلة بأكملها للجوع. بل إن أحد السائقين الأطفال يقول أنه ذهب للامتحان يوما واحدا ثم انقطع لضرورة عمله على التوكتوك، فكما تقول أمه: "لو راح الامتحان وساب التوكتوك مش هناكل". لا شك أن سوء النظام التعليمي الحكومي مسؤول عن تسرب بعض هؤلاء الأطفال، كما يقول أحدهم: "سقطت في سنة ستة والمدرسين كرهوني في المدرسة"، لكن بعضهم الآخر كان يرغب في التعليم لولا ضيق ذات اليد، مثل الطفل الذي يقول: "كنت حابب المدرسة بس الظروف المادية أثرت معايا"، وزميله الذي يقول: "كنت عاوز آخد شهادة أطلع بيها رخصة أو أبقى ظابط". وجدير بالذكر أن هؤلاء الأطفال تعلموا قيادة التوكتوك من بعضهم البعض، فهم لا يستطيعون الالتحاق بمدرسة قيادة.
وأعطى الفيلم أيضا مساحة للأطفال وأسرهم لمناقشة مشكلة مطاردة رجال الشرطة والبلدية لسائقي التوكتوك، وفي الكثير من الحالات تحل المشكلة برشوة هؤلاء الموظفين، فهم كما يقول أحد الأطفال: "كلاب فلوس." ويطالب السائقون وأهلهم بترخيص التوكتوك، ويسأل والد أحدهم: "لو كان التوكتوك وحش الحكومة استوردته أصلا ليه؟"
نجح روماني سعد في تغطية مسألة التوكتوك بما يحيط به من عوامل معقدة، مستخدما هاتين التقنيتين البسيطتين، لكنهما قادرتان على الإفصاح ببلاغة عن أبعاد موضوع الفيلم.
عن المخرج روماني سعد: ولد بالقاهرة عام ١٩٧٤، وتخرج في كلية الفنون التطبيقية، ثم درس الإخراج السينمائى بالجامعة الفرنسية بالقاهرة. أخرج ثلاثة أفلام روائية قصيرة: "جوة البحر" 2010، "برد يناير" 2011، "سحر الفراشة" 2013. نالت أفلامه جوائز في مهرجانات بكوريا الجنوبية والعراق والأردن وليبيا وتونس وموريتانيا والمغرب ومصر.