أفلام الحرية جسر لإعادة فتح دور السينما في اليمن

19/01/2016 - 8:18:48

يوم جديد فى صنعاء يوم جديد فى صنعاء

فتحي أبو النصر - كاتب يمني

منذ الرابع من نوفمبر 2015، حتى 16 مارس 2016، تستمر أسبوعيا مساء كل أربعاء عروض مشروع "سينما صوت" في مغامرة يحيطها وسط يعادي السينما، وتتخلله عادات اجتماعية ضد الاختلاط والانفتاح والتحديث، في مجتمع مثل اليمن تبلغ فيه نسبة الأمية 60 بالمئة.
الآن لا توجد دار سينما واحدة في العاصمة اليمنية صنعاء التي تكتظ بحوالي ثلاثة ملايين نسمة. فأكثر من 25 دار سينما تلاشت في اليمن خلال العقدين الأخيرين، إما بسبب التشدد الديني والقبلي، أو بسبب عدم الجدوى للاستثمار في هذا المجال غير المدعوم وغير المشجع.
وفي حين صار فن السينما آخر اهتمامات الأنشطة الثقافية الرسمية، منذ مدة طويلة حيث لا مؤسسات إنتاج ولا دور عرض أيضا، يأتي فيلم "يمنيات يصنعن التغيير"، وهو عمل وثائقي أخرجته الشاعرة سماح الشغدري وأنتجته وعرضته مؤسسة "صوت للتنمية" في صنعاء، عن دور المرأة اليمنية في ثورة الشباب السلمية، ضمن خطوة افتتاحية لمشروع "سينما صوت" الذي يستمر خمسة أشهر ويعرض أفلاماً يمنية وعربية وأجنبية. وتقول رئيسة مؤسسة "صوت للتنمية" سماح الشغدري: "عانت السينما كثيراً في اليمن مما أدى إلى تدهورها خلال السنوات الأخيرة، ويأتي المشروع لإعادة الاهتمام بفن السينما كفن يقوم على التأثير الإيجابي في المجتمع ويوسع آفاقه تجاه الفن والثقافة وحرية التعبير والتفكير الإبداعي والابتكاري، ومن أجل خلق فضاء ومساحة للشباب من أصحاب الأفلام الوثائقية والدرامية في اليمن، واستكشاف طرق جديدة في العمل الثقافي ورؤى جديدة في تفعيل العمل السينمائي، وماهية الرؤى والخطط لإعادة بناء وصيانة دور السينما المهجورة والمطالبة بإعادة فتحها".
وضمن الأنشطة المتصلة عرض فيلم الخيال العلمي الاجتماعي الأمريكي "the giver" الذي أنتج عام 2014، والفيلم الفرنسي "المنبوذون" الذي يعالج قضية إنسانية لفرنسي من طبقة أرستقراطية يعاني شللا رباعيا وهو الفيلم الأكثر مشاهدة في فرنسا عام 2011. كما عرض فيلم "الثلاثة يشتغلونها" للنجمة المصرية ياسمين عبد العزيز والذي ناقش قضايا عدة بأسلوب كوميدي.
وحول هذا الفيلم قدم وضاح الجليل ورقة نقدية تطرق فيها لعدة محاور جاء فيها أن "اسم الفيلم لا يشير إلى شيء عميق أو جاد، صحيح أنه فيلم كوميدي؛ إلا أن الكوميديا، والكوميديا الفنية خصوصاً، ليست عبثاً أو ابتذالاً، لأنها لو أصبحت كذلك فإنها تفقد حيويتها ومعناها، وتتحول إلى تهريج محض".
لكن الفيلم ـ حسب وضاح الجليل ـ والذي يبدأ وكأنه يحاول الانتصار للمرأة وتقديمها في سياق يليق بمكانتها كجزء أصيل من الحياة والمجتمعات؛ ينتهي بتقديمها كمجرد تابع ومتأثر بما حولها، وخاضعة لإملاءات الرجل.
قاعة في مقهى "كوفي ترايدر" اُتخذت صالة للعرض، وجهاز "بروجكتر" والعشرات من الكراسي وجهاز كمبيوتر، بالإضافة لمولد كهرباء، كانت هذه مقومات المشروع السينمائي الجديد.
وبشكل خاص يقوم مشروع "سينما صوت" على تفعيل عروض سينمائية لعرض الأفلام الروائية والوثائقية والدرامية والتسجيلية اليمنية والعربية والأجنبية التي تروج لحرية التعبير والحوار وتفتح آفاق التفكير الإيجابي والإبداعي، وتسهم في التنمية الثقافية من خلال 20 عرضا للجمهور.
ويشمل المشروع أنشطة فنية وموسيقية مصاحبة للعروض وحلقات نقاش تهدف إلى معرفة الطرق الأنسب لتفعيل الحركة الثقافية وحرية التعبير والتنمية الفنية والخروج برؤى المشاركين في كتاب ختامي يضم الأفلام وعرضا موجزا عنها وآراء الجمهور. وكما تقول سماح الشغدري فهذا المشروع يحفز على الإبداع والابتكار لدى المجتمعات والترويج لمبدأ المساواة والمشاركة للنساء، ولفت النظر إلى إغلاق أكثر من 25 دار سينما في اليمن، ومن أجل خلق فضاء ومساحة للشباب من أصحاب الأفلام الوثائقية والدرامية في اليمن، واستخدام أدوات جديدة للتعبير، واستكشاف طرق جديدة في العمل الثقافي ورؤى جديدة في تفعيل العمل السينمائي في اليمن، والتحفيز على إعادة بناء وصيانة دور السينما المهجورة والمطالبة بإعادة فتحها.
من المعروف أن أول قاعة سينمائية عرفها اليمن منذ وقت مبكر في عدن عام 1918، بتأثير الاستعمار البريطاني، في حين عرف شمال اليمن السينما بعد ثورة 1962. أما في السبعينيات والثمانينيات، فشهدت أغلب المدن اليمنية الكبرى حالة وفرة في دور العرض، كما "كان الرجال يصطحبون زوجاتهم، إلى أماكن ستصبح محاربة وسيئة السمعة فيما بعد"، حسب تعليق الروائي والناقد الفني جمال حسن.
إلا أن هذا السلوك المتمدن انحسر رويداً رويداً حتى أصبح ارتياد دور السينما جالباً للخزي والعار، خصوصاً بعد أن طالها التحريم في ظل تفاقم تدهور ثقافة الوعي الفني. وفي هذا السياق يقول جمال حسن: "ليست المدن مجرد انطباع عابر، بل اتجاه طردي مع بنى ثقافية متعددة، في اليمن تشكلت كأورام سكانية دون فضاءات ثقافية أو ترفيهية، حتى انحسرت قاعة السينما كمظهر بسيط لثقافة الانفتاح، وفي المقابل ازدهرت مراكز دينية تنتج ثقافة التطرف والعنف".
ويأتي مشروع "سينما صوت" ضمن محاولات متواضعة لإنعاش الثقافة السينمائية في اليمن. غير أن الحاجة ماسة إلى تغيير ثقافي للمجتمع لتغيير نظرته السلبية للسينما كفن وثقافة. وترى الناشطة وداد البدوي أن عرض فيلم "يمنيات يصنعن التغيير" في هذه الظروف "أثار فينا أشجاناً كثيرة وكان مؤلما أن نتذكر حلم الثورة الذي لم يتحقق". وقد مضت سنوات طويلة والمثقف اليمني يطالب بعودة دور السينما، لكن مطالبه تذهب أدراج الرياح، ومع ذلك لم ييأس. فإذا كانت عروض مشروع "سينما صوت" تتم في إحدى صالات "كوفي ترايدر" أحد أكبر المقاهي الحديثة بصنعاء، إلا أن أغلب المهتمين يرونها خطوة أمل لاستعادة دور السينما وتصالح اليمنيين معها.
وعقب حرب صيف 1994 تكرست في اليمن ثقافة مجتمعية طارئة سرعان ما تحولت إلى ظاهرة كاسحة غايتها السخرية وازدراء رواد السينما حتى تطور الأمر إلى مهاجمة أصوليين لدور العرض، لأسباب منها الثقافة الوهابية الوافدة التي انتشرت بمحمولات الانضباط الصارم المحارب للتحديث، فضلاً عن أن فكرة القمع أخذت بالمقابل مساحة كبيرة في ممارسة المؤسسة الرسمية، دينياً وقبلياً.
ففي المدن التي كانت تتميز بنوع ما من الانفتاح كعدن وتعز والحديدة وصنعاء، انتشرت قيم هذا الارتداد السلفي، ليتم إغلاق دور السينما وتحويل بعضها إلى مساجد، فضلاً عن اقتناع عدد من مالكي دور السينما بعدم جدوى الاستثمار في المجال لتتحول بعض الدور إلى صالات أفراح ومناسبات.
وكانت "مؤسسة صوت للتنمية" دشنت مشروع العروض السينمائية بدعم من "صندوق الأمير كلاوس"، ومن خلال حفل مفتوح حضره نقاد ومهتمون بالسينما من الوسط الثقافي اليمني، وسط حفاوة بالنشاط الذي يعد نوعياً في واقع كاليمن، وبالذات جراء ظروف الحرب العصيبة التي تعيشها البلاد. إضافة إلى واقع حال الإنتاج السينمائي اليمني، فهناك معوقات جمة تعيق الصناعة السينمائية، إذ ليس هناك سوى بعض المبادرات الفردية من وقت لآخر، ومن أبرز المعوقات عدم توفر البنية التحتية من أجهزة ومعدات واستوديوهات ورأس مال. كما أن المؤسسة العامة للسينما والمسرح ـ الهيئة الرسمية ـ دون دعم يذكر، إلا من رواتب الموظفين، ما يعني استمرار عجزها عن إنتاج أي فيلم سينمائي. ويغيب الاستثمار في هذا الفن من جانب القطاع الخاص المؤهل لسد الفراغ الناتج عن ضعف أو قصور الجانب الحكومي في تمويل ودعم صناعة السينما.
وقد نالت أفلام وثائقية وروائية يمنية جوائز في مهرجانات سينمائية دولية مثل كان وبرلين والقاهرة ودمشق ودبي، أبرزها فيلم "السجينة" للمخرجة خديجة السلامي، والفيلم الروائي "يوم جديد في صنعاء" للمخرج بدر بن الحرسي، و "الرهان الخاسر" للمخرج د. فضل العلفي. أما فيلم "ليس للجدران كرامة" الذي رشح قبل عامين لجائزة الأوسكار، للمخرجة اليمنية - الاسكتلندية سارة إسحاق، فمن أهم تلك الأعمال، وهو ينقل العنف الذي أحدثته سلطة الرئيس السابق علي عبد الله صالح في ساحة التغيير بصنعاء خلال مظاهرات "جمعة الكرامة" الشهيرة، وأدى إلى عشرات القتلى ومئات الجرحى، وشارك الفيلم في أكثر من 20 مهرجانا، ونال جائزة أفضل فيلم في مهرجان ادندوكس باسكتلندا في أكتوبر 2012.