حصاد المسرح المصري 2015 .. ضجيج بلا طحن

19/01/2016 - 8:17:39

ليلة من ألف ليلة ليلة من ألف ليلة

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

سنوات طويلة تزيد على ربع قرن تحملت خلالها مشقة وعناء توثيق جميع الأحداث المسرحية خلال المواسم المسرحية المتوالية بمجلة المسرح أو بمجلة الكواكب، وحرصت من خلالها على تقديم بانوراما لأهم الأحداث المسرحية والتي تتضمن تفاصيل الإنتاج المسرحي - بمسارح الدولة ومسارح القطاع الخاص - وأهم الأنشطة المسرحية كالمهرجانات والمؤتمرات، وأهم الإصدارات المسرحية، بخلاف قائمة بأسماء الفنانين الراحلين ونبذة عن إسهاماتهم المسرحية، وأحمد الله على توفيقه لي في هذه المهمة الشاقة، والتي كانت النواة الأولى لمشروع العمر لإعداد "موسوعة المسرح المصري المصورة".
ولم تذهب هذه الجهود هباء فقد ظهر جيل جديد قادر على استلام الراية وتحمل مسؤولية التوثيق، كما أسهمت بعض المراكز المتخصصة كالمركز القومي للمسرح والمجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وبعض المراكز الفنية بدور النشر وبالصفحات الإلكترونية بتقديم حصاد المواسم المسرحية المختلفة خلال السنوات الأخيرة.
ومما سبق يتضح إنجاز مهمة التوثيق كمرحلة أولى لأتحمل مسؤولية المرحلة الثانية - والأهم من وجهة نظري - وهي الدراسة والتحليل لجميع المعلومات المتوفرة لتختتم هذه الجهود بالمرحلة الثالثة وهي الوصول إلى النتائج ووضع التوصيات ومتابعة تنفيذها، ولذا أخصص هذا المقال لرصد أهم الأحداث المسرحية خلال عام 2015.
2015 عام التناقضات المسرحية
أدق وصف لحياتنا المسرحية عام 2015 أنها: "ضجيج بلا طحن"، فما فائدة الإقبال الجماهيري على عروض قد تفتقد للمواصفات والسمات الأساسية للعرض المسرحي، وما قيمة هذا الإقبال إذا كانت بعض العروض تتضمن إسفافا وعبارات وإيحاءات جنسية فجة تخدش الحياء العام كعروض القنوات التليفزيونية الفضائية؟!
شعرت بأن الظروف التاريخية والثقافية والفنية تحتم علي تخصيص هذا المقال لدراسة خمس ظواهر مهمة طفت على السطح خلال عام 2015، وهي ظواهر لا تحتاج فقط إلى إلقاء الضوء عليها بل تتطلب أيضا محاولة بيان مدى خطورة استمرارها دون توجيه وتقويم.
أولا: انحسار ظاهرة عروض الثورة بأشكالها المباشرة
منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورة 25 يناير 2011 بميدان التحرير قام الشباب الثوار بتوظيف جميع الفنون للتعبير عن مشاعرهم وصياغة وإعلان مطالبهم، فأقاموا حفلات السمر في ليالي اعتصامهم المفتوح، وتعالت من خلاله سقف المطالب حتى وصلت إلى ضرورة رحيل جميع رموز النظام. وتضمنت حفلات السمر بعض الاسكتشات المسرحية من خلال الارتجال ومجموعة المحبظين، أو من خلال توظيف عروض الأراجوز وخيال الظل أو فقرات المسحراتي والحكواتي، وغيرها من الأشكال الشعبية التي يمكن تصنيفها تحت مسميات مسرح الشارع، أو مسرح السرادق أو المنصة أو المصطبة، أو مسرح الجريدة الحية.
وبعد نجاح الثورة مباشرة وقبل مرور عدة أسابيع غمر الحماس مجموعات كبيرة من المسرحيين –محترفين وهواة - فسارع عدد كبير منهم إلى تقديم عروض تتناول أغلبها أحداث الثورة وتوثق لأهم هذه الأحداث، وجاء أغلبها بصورة مباشرة ومن أوضح الأمثلة لها عرض "تذكرة للتحرير"، كذلك قام بعض المسرحيين بإجراء بعض التعديلات الفنية على عدد من النصوص أو العروض لتواكب أحداث الثورة.
وكانت جميع هذه العروض مجرد استجابات عاطفية حماسية احتفاء بالثورة، وتم إعدادها سريعا في محاولة لمواكبة الإيقاع السريع للثورة، ولذا فقد تشابهت كثيرا فيما بينها، بمحاولة المسرحة لوقائع أحداث الثورة بطريقة انتقائية، كما اعتمدت أغلبها على تخصيص مساحات للارتجال والسرد، وتخصيص مساحات للبوح ولتقديم الحكايات والمشاعر الشخصية، كما تضمن أغلبها محاولات توثيقية لأحداث الثورة، بسرد لوقائع المظاهرات والترديد لكثير من الهتافات والشعارات مع تقديم بعض اللقطات السينمائية للأحداث.
وسبق أن أوضحت بمقالاتي أن الثورة المصرية تبقى أكبر وأعظم من كل الأعمال المسرحية التي تناولتها، وأشرف بكثير من بعض الأعمال الحماسية السريعة، ولكن برغم جميع الإحباطات التي حاصرتنا إلا أنني قد احتفظت بتفاؤلي بغد أفضل، خاصة وأن المسرح بعد الثورة يحتاج إلى طرح إنساني عميق ورؤى فكرية حقيقية، وبالفعل فقد شهد عام 2015 اختفاء تلك العروض المباشرة، وبدأت تقديم مشاركات مسرحية إيجابية واكبت معركتنا الثقافية والمصيرية.
ثانيا: انحسار واختفاء مشاركات فرق القطاع الخاص
اعتمدت بدايات المسرح العربي والمسرح المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على مبادرات خاصة لرواد تحملوا مسؤولية تأسيس فرقهم المسرحية لتقديم تجاربهم وإبداعاتهم المسرحية، وتحملوا في سبيل ذلك كثيرا من الصعاب والخسائر المادية، حتى نجحوا في تأكيد مواهبهم وكذلك في غرس ونشر الفنون المسرحية واجتذاب الجمهور بمختلف فئاته، واستمرت الجهود حتى قامت الحكومة المصرية عام 1935 بتأسيس أول فرقة حكومية وهي فرقة "المسرح القومي"، التي كان لها فضل كبير في الارتقاء بمستوى العروض المسرحية، ومع ذلك لم تتوقف مساهمات الفرق الخاصة بل ظلت تقدم عروضها ويتضاعف عددها، والمتتبع لأنشطة الفرق الخاصة يمكنه رصد فترات كبيرة من الازدهار وكذلك فترات أخرى من الهبوط والانحدار، وعلى سبيل المثال شهدت عشرينيات القرن الماضي أفضل عصورها بتلك المنافسة الكبيرة بين ثلاث فرق كبرى هي فرقة "رمسيس" ليوسف وهبي وفرقة "جورج أبيض" وفرقة "فاطمة رشدي"، بخلاف التنافس بين فرقتي "الريحاني" و"الكسار" في مجال الكوميديا، وبعض الفرق الأخرى.
كما شهدت الخمسينيات والستينيات ازدهارا للفرق الخاصة مرة أخرى حيث تأسست عدة فرق خاصة ولعل من أهمها: "المسرح الحر"، "إسماعيل يس"، "تحية كاريوكا"، "المتحدين"، "ثلاثي أضواء المسرح"، "عمر الخيام". ثم أعقب ذلك عصر اتسم بالهبوط والانحدار في مستوى العروض المقدمة، مواكبا لسياسة الانفتاح ومحاولة إرضاء وتلبية رغبات جمهور السياحة العربية وجمهور الحرفيين العائدين من الدول النفطية، فتضمنت بعض المسرحيات الرقصات الخليعة والحوارات المبتذلة والتعبيرات المسفة.
ومنذ ثورة يناير 2011 انحسرت تقريبا عروض الفرق الخاصة كرد فعل تلقائي لارتفاع أسعار التذاكر كضرورة لتحقيق متطلبات العروض ومن أهمها ميزانيات الدعاية الضخمة وأجور النجوم، واستمر هذا الوضع أيضا عام 2015 فلم يتم تقديم سوى تجربتين هما: "دنيا حبيبتي" لفرقة مسرح الفن، و"بابا جاب موز" لفرقة أحمد الإبياري، وللأسف لم تحقق أي منهما النجاح المنشود خاصة في غياب كبار نجوم المسرح وفي مقدمتهم عادل إمام ومحمد صبحي وسمير غانم وكذلك نجوم الجيل التالي محمد هنيدي وأحمد آدم ومحمد سعد.
ثالثا: تعاظم دور فرق الهواة ومشاركتهم الفعالة
كثيرا ما طالبت بضرورة إتاحة الفرصة كاملة أمام الموهوبين من هواة المسرح، وتذليل كافة العقبات التي تواجههم وتحد من إبداعاتهم ولعل من أهمها قوانين نقابة المهن التمثيلية وتشدد مديري فرق الدولة، خاصة وقد أثبتت التجارب المختلفة عبر التاريخ أن عددا كبيرا من الهواة نجحوا في تحقيق نجوميتهم - بالرغم من عدم التحاقهم بالمعاهد الفنية - ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عادل إمام، سعيد صالح، محمود ياسين، محمود عبد العزيز، يحيى الفخراني، ومن الأجيال التالية: يسرا، بوسي، ليلى علوي، عبلة كامل، ممدوح عبد العليم، غادة عبد الرازق، أشرف عبد الباقي.
ومنذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين استطاع هواة المسرح ومن خلال تأسيسهم للجمعية "المصرية لهواة المسرح" أن يحملوا راية الإبداع المسرحي، بتقديمهم لعدد من المهرجانات المتخصصة غير المسبوقة كمهرجانات: المسرح العالمي، الشعبي، الاستعراضي، الطفل، الضاحك، الفصل الواحد والمونودراما وأيضا "المسرح العربي" مع بداية الألفية الجديدة، وهو المهرجان الذي نجح في استضافة كبرى الفرق العربية وإلقاء الضوء على عدد كبير من النجوم الجدد والتجارب المسرحية المهمة ولعل من أهمها: عرض "1980 وأنت طالع" الذي فاز بالجائزة الأولى بالدورة العاشرة عام 2012، وبالتالي رشحته إدارة الجمعية لتمثيلها بالمهرجان "القومي" عام 2103 ليحصد الجائزة الأولى أيضا، وليستمر منذ ذلك التاريخ في اكتساب جمهور بإعادة عرضه تجاريا بعدة مسارح.
وقد شجع نجاح مهرجانات الجمعية على تنظيم عدة مهرجانات أخرى للهواة منذ العقد الأخير من القرن العشرين ومن أهمها مهرجانات: "زفتى"، "ميت غمر"، "الفرق الحرة"، "الفرق المستقلة"، "روابط"، "آفاق"، كما أسهم هذا النجاح في لفت أنظار المسؤولين بمسارح الدولة إلي تميز وارتقاء مستوى عروض الهواة، مما دفعهم لاستضافتها على مسارح الدولة أو بإعادة إنتاجها مرة أخرى، ومن أهم العروض التي حققت نجاحا كبيرا: "شيزلونج"، "أوديب"، "حلم بلاستيك"، شيكايرو"، "أركلينو وألغار"، "قضية ظل الحمار"، كما أعيد إنتاج عرضي: "حلم ليلة صيف" و"هنا أنتيجون" بالاعتماد على نخبة الهواة الذين سبق لهم تقديم العرضين بمسرح الجامعة.
وعلى قدر سعادتي بتحقيق حلم إتاحة الفرصة للهواة وظهور جيل جديد من المخرجين يضم أسماء: محمد الصغير، حسين محمود، شادي الدالي، محمد جبر، عمر الشحات، تامر كرم، مازن الغرباوي، إلا أنني حزين لاستغلال موهبة الهواة دون منحهم الحد الأدنى من الأجور أو حتى فرصة الحصول على عضوية نقابة المهن التمثيلية.
رابعا: عودة النجوم لمسارح الدولة.. كامل العدد
الظاهرة التي تستحق الرصد والدراسة حقا خلال 2015 هي عودة لافتة "كامل العدد" بعدد كبير من عروض مسارح الدولة، سواء تلك التي اعتمدت على مشاركات النجوم، أو التي اعتمدت على بعض الوجوه الجديدة (مثل عرض ثري دي، روح، هنا أنتيجون، قضية ظل الحمار)، والذي يدعو للسعادة حقا أن يستطيع عرض مثل "ليلة من ألف ليلة" أن يتخطى إيراده مليوني جنيه، وأن تحجز جميع تذاكره مقدما لما يزيد على الشهر، وأن تحظى عروض أخرى كرئيس جمهورية نفسه لمحمد رمضان وغيبوبة لأحمد بدير بنصيب كبير من الإقبال الجماهيري أيضا.
سعدنا جميعا خلال الفترات الأخيرة بعودة لافتة "كامل العدد" إلى شباك التذاكر، ولكن ما قيمة هذا النجاح الجماهيري الذي يتحقق بتقديم عروض يشارك ببطولتها كبار النجوم إذا لم يتم تقديم أي خطاب درامي جاد يتناسب مع الظروف الراهنة؟!
فمما لا شك فيه أن عروض الفرجة الخفيفة تصبح في هذه الحالة بمثابة مسكنات تساعد على "الغيبوبة" والعودة إلى زمن "ليالي ألف ليلة وليلة"، بحكاياتها التي تكرس للإعجاب بمغامرات قطاع الطرق واللصوص؟!
خامسا: انهيار القيم الفنية بمسارح التليفزيون
الظاهرة الخطيرة التي تحتاج إلى التوقف أمامها بالتفصيل من خلال دراسة قادمة بإذن الله هي ظاهرة مسرحيات التليفزيون، تلك التي قدمتها قنوات تليفزيونية خاصة خلال 2015 تحت مسمى "تياترو مصر" أو "مسرح مصر"، خاصة وأن عروض كل منهما لا تنتمي إلى "مصر" ولا تنتمي إلى فن المسرح أيضا، فهي ردة فنية وعودة إلى الاسكتشات التي كانت تقدم بالصالات، أو إلى نمر ضاحكة قدمت بين المسرحيات في أوائل القرن العشرين، وللأسف فقد حققت رواجا تجاريا وكما حققت الشهرة لمهرجين جدد أسرفوا في الارتجال وفي تقديم الكوميديا المبتذلة التي قد تضمن بعض الإيحاءات الجنسية أيضا.