إعادة التوازن فى علاقات مصر الخارجية

19/08/2014 - 10:44:34

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : د. نبيل رشوان

ربما لم تحتل علاقة الاتحاد السوفييتى بأى دولة عربية مثل تلك التى كانت بين مصر والاتحاد السوفييتى ، و قد سارت هذه العلاقة بطريق وعر ، فقد كان الاتحاد السوفييتى بعد قيام ثورة يوليو 1952 يرفض الاعتراف بحكومة الثورة الجديدة ، فقد كانت الإيديولوجية هى التى تحكم كل شىء فى توجهات الاتحاد السوفييتى الخارجية ، وكانوا يقيمون علاقتهم بهذا النظام أو ذاك على أساس علاقته بالأحزاب الشيوعية المحلية ، ورغم الأزمات التى مرت بها العلاقات المصرية السوفيتية آنذاك على خلفية ايديولوجية تارة ومواقف سياسية تارة أخرى ، إلا أن الاتحاد السوفييتى لم يجد دولة عربية ليبنى معها علاقات متينة ومستقرة سوى مصر ، ولعبت السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل دوراً مهماً فى التباعد بين القاهرة وواشنطن فى ذلك الوقت.


وجدت مصر فى الاتحاد السوفييتى صديقاً وفياً فى الأزمات، فقد بذل الاتحاد السوفييتى جهوداً كبيرة لوقف التصعيد بين مصر وإسرائيل عام 1967 لمنع اندلاع الحرب على دولة حليفة ، وعندما حدثت النكسة التى انتهت باحتلال شبه جزيرة سيناء ، أرسل الاتحاد السوفييتى رسالة لعبد الناصر عن طريق السفير السوفييتى لدى القاهرة فى ذلك الوقت ، يطلب منه عدم التنحى وسيعوض الاتحاد السوفييتى مصر عن كل ما فقدته من سلاح ، بل وأرسل نائب وزير الدفاع السوفييتى حينها وبقى فى القاهرة لإتمام التجهيزات العسكرية للدفاع عن القاهرة . و لا يجب أن ننسى موقف الاتحاد السوفييتى أثناء حرب الاستنزاف ، وكان فى تلك الفترة الطيران الإسرائيلى يصول ويجول فى ربوع مصر لدرجة أنه قصف أهدافاً فى قنا فى أقصى الجنوب وهددت إسرائيل بقصف السد العالى ، فكان اللجوء للاتحاد السوفييتى وكانت منظومات الدفاع الجوى السوفيتية التى أرسلها للتصدى للطيران الإسرائيلى ، ثم خاضت مصر حرب أكتوبر عام 1973 بسلاح سوفييتى مائة فى المائة ، وحققت النصر الذى أدى فيما بعد إلى تحرير سيناء .


هذا من الناحية العسكرية وسرد للتاريخ الحديث للعلاقات ، أما عن الجوانب الاقتصادية و العلمية ، فالحديث لا ينتهى ، فالجميع يذكر السد العالى وهو ثمرة التعاون الساطعة مع الاتحاد السوفييتى ، وألف مصنع بنتها روسيا فى مصر ، كان آخرها مجمع الألومنيوم فى قلب صعيد مصر بنجع حمادى ، وإذا كنا نتحدث عن الاتحاد السوفييتى فإننا نعنى روسيا ، فهى الدولة الأكبر فى المنظومة السوفيتية ، ولما كانت روسيا هى وريثة الاتحاد السوفييتى فإن العلاقة معها تكتسب أهمية خاصة ويمكن اعتبارها استمراراً للعلاقات مع الاتحاد السوفييتى . فى مجال العلوم يكفى أن معظم الكوادر العلمية العاملة فى الجامعات المصرية كانت من خريجى المعاهد والجامعات السوفيتية .


كانت زيارة الرئيس السيسى الأولى لروسيا و التى جاءت أثناء شغله منصب وزير الدفاع ، بمثابة طفرة فى العلاقات المصرية ـ الروسية و انقلاب ومؤشر للتوجهات السياسية الجديدة فى القاهرة ، وقد أولتها روسيا أهمية خاصة ، فلم يستقبل وزير دفاع مصرى فى روسيا بهذه الحفاوة كما استقبل المشير السيسى منذ تفكيك الاتحاد السوفييتى ، كما أن الزيارة كانت بنظام لم تتبعه روسيا إلا مع الدول الحليفة وهو 2+2 ، عندما قام بالزيارة من الجانب الروسى وزيران هما وزيرا الخارجية و الدفاع الروسيان فى آن معاً ، وذلك رداً على زيارة وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسى ووزير الخارجية نبيل فهمى . ، وجاء هذا على خلفية اللقاء الفاتر الذى قوبل به الرئيس المعزول محمد مرسى وخاصة أنه كان يمثل جماعة الإخوان التى كانت تعتبرها روسيا من التنظيمات الإرهابية بناء على حكم المحكمة العليا الروسية، وجاءت زيارة وزير الدفاع السيسى حينها بعد ضغوط هائلة تعرضت لها مصر من الولايات المتحدة ، بعد ثورة 30 يونيه التى خرج فيها الشعب المصرى عن بكرة أبيه رافضاً لحكم الإخوان ، والتى أيدتها روسيا التى كانت تشعر بالقلق من وصول جماعة الإخوان للحكم وما لهذا من تداعيات و إلهام مستقبلاً للجماعات الإرهابية المتطرفة فى القوقاز الروسى ، وربما من هذا المنطلق تدعم روسيا النظام السورى و العراقى مؤخراً ، لإدراكها لما لصعود التطرف الإسلامى فى هاتين الدولتين على مسلمى روسيا البالغ عددهم أكثر من 25 مليون مسلم .


وتأتى زيارة الرئيس السيسى الآن لروسيا كأول زيارة خارجية ، خارج إطار الدوائر الإفريقية والعربية لروسيا و هو الأمر الذى يؤكد على أهمية العلاقات التى تعلقها مصر على العلاقات مع روسيا من ناحية ، وفى نفس الوقت تأتى الزيارة كنوع من الدعم لروسيا فى الوقت الراهن ، حيث إنها تتعرض لضغط وحصار اقتصادى غربى بدأ ينعكس على الحياة الاقتصادية فى روسيا ، و فى تقديرى تأتى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى وقت مهم ، فمصر هى دولة محورية فى منطقة الشرق الأوسط ، و هى الدولة التى أدخلت الاتحاد السوفيييتى السابق لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا . وتأتى الزيارة قبيل الذكرى الواحد وسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفييتى ومصر فى 26 اغسطس من عام 1943 .


إذا تحدثنا عن العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا بعيداً عن العواطف و العلاقات التى كانت سائدة أيام الاتحاد السوفييتى ، أو ما يمكن أن يطلق عليه العلاقات المبنية على أساس إيديولوجى ، حيث كان تقييم الاتحاد السوفييتى فى ذلك الوقت لهذه الدولة أو تلك على أساس حجم القطاع العام الحكومى فيها ، فإننا نجد أن آفاق التعاون بين البلدين ليس لها حدود ، خاصة أن العلاقات ستبنى الآن على أساس المصالح ، أو على أسس براجماتية ، و من وجهة نظرى هذا النوع من العلاقات أقوى من الإيديوجية التى من الممكن أن تهتز فى أى لحظة .


وتأتى زيارة الرئيس السيسى على خلفية بوادر حرب باردة تدور رحاها الآن بين روسيا و الغرب الذى يريد أن يفرض حصاراً على روسيا من خلال توسيع حلف الناتو على حساب دول الجوار أو دول الاتحاد السوفييتى السابق وهو الأمر الذى ترفضه روسيا وتقاومه ولها فى ذلك الحق ، فى المقابل يحاول الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة وأوروبا فرض عزلة على روسيا ، و ستكون زيارة الرئيس المصرى دون شك كسراً لطوق الحصار الذى تحاول الولايات المتحدة فرضه على روسيا ، خاصة كما قلت إن مصر دولة ذات ثقل إقليمى ودولى فعال فى منطقتها .


هذا من الناحية السياسية ، وهو جانب له أهميته ، لكن الأهم من ذلك هو الجوانب الاقتصادية و آفاق التعاون بين روسيا ومصر ، وبداية أود أن أؤكد على أن العلاقات العسكرية بين مصر وروسيا ، لم تكن عميقة كما كانت فى السابق ولكنها لم تنقطع فى يوم من الأيام على الرغم من السنوات الطوال من العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة و التى غيرت نسبة كبيرة من تسليح الجيش المصرى ، ورغم ذلك بقى جزء من التسليح و الطائرات الروسية التى تقوم مصر بعمل عمرات لها فى روسيا ، بالإضافة لبعض المصانع الروسية التى نستورد بعض قطع الغيار لها ، ومنظومات الدفاع الجوى ، ولن أخوض فى هذا الجانب كثيراً فهو له أهل اختصاص يقيمونه أفضل منى ، ولكنى سأتحدث عن الجوانب الاقتصادية والتجارية والتعاون العلمى .


بداية أود أن أقول أن حجم التبادل التجارى بين مصر وروسيا وفق التقارير الاقتصادية الصادرة مازال ضعيفاً ، مقارنة بالعلاقات التاريخية التى تربط البلدين ، حيث لم يتجاوز 3,60 مليار دولار ، وبالطبع يميل بقوة لصالح روسيا بما قيمته 2,87 مليار دولار ، كما أن حجم التبادل التجارى مع روسيا لا يتعدى حجم التجارة المصرية مع العالم الخارجى ، هذا من الناحية التجارية ، لكن توافد السياح الروس الذين تعتبر نسبتهم فى الوقت الحالى الأعلى بين السياح ، و الذين بلغت نسبتهم أكثر من 20% من إجمالى عدد السياح الذين يزورون مصر وهو ما يعدل إلى حد ما الميزان التجارى .


ربما سيكون على مصر أن تحل محل شركات أجنبية أوربية كبيرة كانت تصدر لروسيا حاصلات زراعية و أغذية وقررت روسيا مقاطعتها بعد العقوبات الاقتصادية التى فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبى ، ولذلك من المهم أن تعرض مصر تقديم خدماتها فى هذا المجال لأن دولاً كثيرة مستعدة لملء الفراغ الذى تخلفه مقاطعة روسيا للمنتجات الزراعية و الغذائية و الأوربية مثل تركيا و بعض دول آسيا .


ومجالات التعاون مع روسيا غير محدودة ، فعلى سبيل المثال ، تجديد المصانع الروسية القديمة ، وإحياء المنطقة الصناعية فى برج العرب وكان الاتفاق على إنشاء صناعات متطورة منها محركات الطائرات ، ولكن لظروف لا يعلمها أحد توقف العمل فى هذا المشروع ، و الأهم هو جذب استثمارات روسية ، فمن المؤسف أن حجم الاستثمارات الروسية فى مصر لا يتجاوز 66 مليون دولار وهو مبلغ ضئيل بالنسبة للعلاقات الودية و التاريخية بين روسيا ومصر وهذا الرقم لا يشمل الاستثمار فى مجال النفط و الغاز ، فى حين لا يتجاوز حجم الاستثمارات المصرية فى روسيا 7 ملايين دولار ، من هنا تكون مسألة جذب الاستثمارات الروسية غاية فى الأهمية ، وتتناسب مع طموحات الرئيس عبد الفتاح السيسى ، الذى دشن مشروع محور قناة السويس واتخذ قراراً بإنشاء قناة جديدة ومشروعات ضخمة فى منطقة القناة ويجب دعوة روسيا للمشاركة بما لديها من خبرات تقنية وفوائض رءوس أموال ضخمة .


الاستثمار فى مشروعات الطاقة ، يجب دعوة شركات النفط و الغاز الروسية للاستثمار فى مجالات البحث و التنقيب وتنمية آبار النفط ، فحتى الآن توجد شركتان روسيتان هما لوك أويل و نوفاتيك ، الأولى لديها حقول نفط فى الصحراء الشرقية وحجم استثماراتها يتجاوز 300 مليون دولار و الثانية تساهم فى تنمية حقل للغاز بالقرب من مدينة العريش فى البحر المتوسط وحجم استثماراتها يتخطى 80 مليون دولار ، كما أن الاستثمار فى الطاقة الجديدة و المتجددة يجب أن يكون على رأس الأولويات ، نظراً لفقر الطاقة الذى نعانى منه الآن ، و التفكير فى استيراد الغاز المسال من روسيا سيكون له وقع جيد ، نظراً لأن روسيا تحاول الآن البحث عن أسواق جديدة للنفط و الغاز الروسيين بعد المواجهات السياسية التى حدثت مع الأوربيين الذين يعتبرون السوق الأول للمحروقات الروسية ، والذين يسعون لمصادر طاقة جديدة بعيداً عن روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية .


ثم نأتى للمشروع الأهم وهو بناء محطة توليد كهرباء نووية ، و هو المشروع التعيس الذى تعاقبت عليه حكومات كثيرة ولم ينفذ حتى الآن ولم يتخذ فيه إجراء جاد ، و فى رأيى الشخصى روسيا هى أفضل من ينفذ مشروعاً كهذا خاصة أن لها من سابقات الأعمال سواء فى إيران أو تركيا وغيرها من الدول مثل بلغاريا وعموم دول الاتحاد السوفييتى السابق ، وإن كان البعض يخشى بسبب حادثة تشيرنوبل ، فإنى أقول إن روسيا استوعبت الدرس وأصبحت المحطات النووية الروسية هى الأكثر أماناً على مستوى العالم ، خاصة أن أول مفاعل نووى للأبحاث فى مصر وهو مفاعل أنشاص كان روسياً وظل يعمل حتى تم استبداد له بآخر أرجنتينى ، هذا مجال لا يجب أن يغيب عنا ، خاصة أن الأسعار الروسية فى هذا المضمار هى الأرخص بعيداً عن الشركات الغربية الخاصة . روسيا مهتمة كذلك بالتعاون فى مجال الأمن ، فهى تقوم بمكافحة الإرهاب و التطرف القادم من منطقة القوقاز و فى منطقة الفولجا منذ فترة طويلة ، و يمكن لمصر الاستفادة من الخبرات الروسية ، وستستفيد روسيا من الخبرات المصرية ، خاصة وأن طلاباً كثيرون من روسيا يدرسون فى الأزهر و ترغب روسيا فى تحصين هؤلاء الطلاب حتى لا يعودوا بأفكار متطرفة .


من الممكن الاستفادة من أنظمة الرى الروسية التى تطبقها فى جنوب روسيا ، فهى لديها خبرة فى منظومات الرى فى ظروف نقص المياه و التى طبقت فى مقاطعة ستافروبول بجنوب روسيا وحققت نجاحاً كبيراً ، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرة الروسية فى استصلاح الأراضى ، خصوصاً أن الحكومة المصرية عازمة على زيادة رقعة الأرض الزراعية على حساب أراض مستصلحة ، لما لروسيا من خبرة كبيرة فى هذا المجال .


بالطبع المجال العسكرى والخبرات الروسية و الاستفادة منها ، خاصة فى مجال التدريب ، واستكمال بعض أنواع الأسلحة التى ربما هناك حرص من الجانب الأمريكى على عدم تزويد مصر بها لاعتبارات تتعلق بأمن إسرائيل على المدى البعيد و القريب ، كما يجب تنشيط صناعات عسكرية كانت مصر قد بدأتها مع الاتحاد السوفييتى ، ويجب إحياء هذه الصناعات على اعتبار أنها فرص عمل ، كما أنها صناعات مرشحة لأن تتطور مستقبلاً و إحياء الترسانة البحرية و أحواض بناء السفن التى قطعت مصر بمساعدات روسية شوطاً كبيراً فيها .


دأب البعض على أن يعتبر أن التقارب المصرى مع روسيا على أنه موجه ضد الولايات المتحدة و حتى الغرب بصفة عامة ونكاية فيهما ، وأنا لا أعتقد ذلك ، فرغم الغيوم التى تسود سماء العلاقات بين روسيا و الولايات المتحدة بسبب الأزمة الأوكرانية و الخلافات السياسية حول بعض القضايا مثل الملف الإيرانى و السورى وتدرك روسيا نفسها حجم العلاقات بين مصر و الولايات المتحدة و التى تراكمت عبر عشرات السنين ، نتيجة غياب الاتحاد السوفييتى وانكفاء روسيا على مشاكلها الداخلية وتسوية أوضاعها ومن ثم عودتها كقوة تلعب دوراً مؤثراً على الساحة الدولية ، وفى هذا الشأن يحضرنى تصريح سرجى لافروف وزير الخارجية الروسى الذى قال إن روسيا لا تقبل أن تكون بديلاً للولايات المتحدة بالنسبة لمصر . كما أن الولايات المتحدة ربما تتفهم الهدف المصرى من انفتاح مصر على روسيا و الشرق بصفة عامة فى كافة المجالات ، و ربما تدرك كذلك أن القيادة المصرية الجديدة تريد توسيع مجال الاختيارات والتنوع فى سياستها الخارجية ، وهى منذ البداية بنت علاقاتها الخارجية على أساس ألا تكون فى اتجاه محدد كما وضح هذا جلياً بعد ثورة 30 يونيه ، و أكبر دليل على ذلك هو استقبال الرئيس السيسى لرئيس وزراء إيطاليا مؤخراً ، والإعلان عن قيام الرئيس السيسى بزيارة للولايات المتحدة تلبية لدعوة وجهت إليه خلال العام الجارى . إذا نحن هنا أمام دولة تبنى علاقاتها الخارجية على أساس التوازن ، فمصر بموقعها الجغرافى الفريد ودورها الإقليمى المهم لم يعد أمامها مجال لأن يحتكرها هذا الطرف أو ذاك ، و كما نرى مما سردنا لا تريد مصر أن تستغل ظروف التناقض الحالى بين الغرب وروسيا رغم مشروعية هذا فى عالم السياسة .