يحيى حقي .. من حارة « باب الميضة » خرج صاحب القنديل

19/01/2016 - 8:15:27

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عرفه عبده على - كاتب مصري

كانت القاهرة معشوقته التي لم تستطع عوادي الزمن وغابات الأسمنت بواجهاتها الخالية من الذوق والفن "أن تمس طابعها الأصيل وجلالها المكنون، هبة لها من حضارة الشرق نفحة من سماته، لم تستطع الأسطح المتعالية يوما بعد يوم أن تحجب مآذنها، باقية هي بشممها وشموخها ولا الضجة الهائلة التي اندلقت علىها، أن تخنق ضراعات هذه المآذن يخشع لها القلب وتطرب الأذن عند مولد كل فجر، وجدران عتيقة يتراكم علىها التاريخ آية في فن العمارة في ذروة الصدق، تصون داخلها أمثلة رائعه للجمال تحكي في صمت قصة آلاف من الفنانين بناة الحضارة، عملوا في ورع وهم متطهرون ثم مضوا لا يعرف أسماءهم أحد ولا يذكرهم أحد" كما قال يحيى حقي.
سما يحيى حقي بالفن والفكر وهو يعرض في صدق وعمق نماذج من البيئة المصرية، فغاص في موروث شعبي هائل في عالم زاخر بالطقوس والألوان: "زيارة الأولياء وأضرحة أهل البيت، الرايات والبيارق والبنود في مواكب الصوفية، البهجة وصخب الزحام في مولد النبي ورؤية هلال رمضان وجبر الخليج وطلعة المحمل وعودته، وفنجرة شم النسيم، فرقة أبو الغيط ومواكب الطوائف في جو من المرح.. أحياء المهن اليدوية لكل منها عطرها، هنا الأراجوز وخيال الظل والسفيرة عزيزة، الحواة والبهلوانات، المشي على الحبل أو السلك، هنا كل بائع جوال، مطرب عبقري والنداء موروث من جدود الجدود، ما هو بتاجر بل شاعر يغازل بضاعته فكيف إذا غازل حبيبته.. ربما كان أخيب.. هنا البرقع الأسود والقصبة على الأنف والملاية اللف تضم الصبا والدلال".
كتب يحيى حقي عن الواقع المرير في قاع المجتمع، وعن موقف الحمير وعربات سوارس وبائعة الفجل "أمامها مشنة الفجل الورور والجرجير العال، بائعة محشي الكرنب والهباب يحيط بحلتها، بائع ترمس على عربة يد صفت علىها قلل قناوي زينت حلوقها بالورد والريحان، وبائع دبابيس وإبر بوابير جاز ومشابك غسيل، يقفز ببضاعته من ترام إلى ترام عكس الاتجاه". وكتب عن ابن البلد بكرمه ومروءته، بلطفه وظرفه وخفة دمه، بنكاته وقفشاته، بذكائه وحضور بديهته، هو الذي رقق العامية على لسانه، وأثراها بإبداع مجاز واستعارة، ساخر وحكيم، تتحسبه غرا ولكنه "حويط لا ينطلي علىه الكذب والنفاق ودموع التماسيح".
في حارة "باب الميضة" خلف مقام عقيلة بني هاشم السيدة زينب رضي الله عنها، كان البيت الذي ولد فيه أديبنا الجميل الراحل "يحيى حقي" صاحب القنديل والبوسطجي وأم العواجز وصح النوم وخليها على الله.. يقول في رائعته الخالدة "قنديل أم هاشم": هاجر جدي وهو شاب إلى القاهرة سعيا للرزق فلا عجب أن أختار لإقامته أقرب المساكن لجامعه المحبب – السيدة زينب - وهكذا استقر بمنزل للأوقاف قديم يواجه ميضأة المسجد الخلفية، في الحارة التي تسمى حارة الميضة، وفتح جدي متجرا للغلال في الميدان وهكذا عاشت الأسرة في رحاب الست وفي حماها "أعياد الست أعيادنا ومواسمها مواسمنا ومؤذن المسجد ساعتنا".
كان مولد يحيى حقي في السابع من يناير 1905 وكتب: "لحسن حظي أنني ولدت في حي شعبي بالقاهرة، بحارة الميضة، وراء مقام السيدة زينب رضي الله عنها، ومنذ طفولتي وأنا في الشارع أخالط هؤلاء الناس الكادحين الذين يؤمون هذا الجامع باستمرار وفي ذيلهم: الشحاذون.. عرفت مثلا الأسطى حسن الحلاق – طبيب الحي – الذي يقوم بجراحات عديدة ولا أنسى أنه كان يقوم بختان الصبيان أيضا، كذلك عرفت بائعة الطعمية وبائع الفول وبائع الدقة والسميط.. فاختلطت في الحقيقة منذ صغري بهذا الوسط".
ينتمي حقي لأسرة متدينة مثقفة، فوالدته شديدة التدين، تعلمت القراءة والكتابة والحساب في مدينة المحمودية، كانت تقرأ الصحف، وتحرص على قراءة القرآن وكتب الأحاديث والسيرة وتحفظ كثيرا من شعر المتنبي وأبي العلاء وأبي نواس وغيرهم.. وكانت جدته لأمه حافظة للقرآن الكريم، وتعلم والده بالأزهر الشريف ودرس اللغة العربية وكان شغوفا بعيون الأدب العربي، وعمه محمود طاهر حقي كان كاتبا وأديبا وشقيقه إبراهيم كان كاتبا بمجلة السفير، رشيق الأسلوب وهو الذي أسس مكتبة البيت وضمت ذخائر التراث العربي وبعض الكتب الإنجليزية "فأنا من هذه الناحية مدين في نزعتي الأدبية إلى البيئة وإلى أسرتي".
ورغم أنه أمضى سنوات في "الغربة" ما بين جدة واسطنبول وأنقرة وروما وباريس، فقد ظل مولده بحارة "باب الميضة" ينبوع إلهامه ووحيه الذي تدفق في "قنديل أم هاشم" و"أم العواجز" و"ناس في الظل" و"صفحات من تاريخ مصر" و"من باب العشم" ومن "فيض الكريم" و"خليها على الله".


حصل يحيى حقي على الابتدائية من مدرسة "والدة عباس باشا" عام 1917 ثم التحق بالمدرسة الإلهامية الثانوية وانتقل الي المدرسة السعيدية فالمدرسة الخديوية حيث حصل منها على شهادة الثانوية عام 1921، وتخرج في مدرسة الحقوق عام 1925 ثم عمل سنتين وكيلا للنائب العام، ثم اشتغل بالمحاماة في الإسكندرية ودمنهور، وفي أول يناير 1927 تسلم عمله "معاونا للإدارة" بمركز منفلوط بمحافظة أسيوط لمدة عامين وصفهما بأنهما "أهم سنتين في حياتي على الإطلاق".
في عام 1929، عمل أمينا للمحفوظات بالقنصلية المصرية بجدة، وفي العام التالي نقل إلى اسطنبول سكرتيرا ثالثا بالسفارة المصرية لمدة أربع سنوات شهد خلالها تحول تركيا الإسلامية إلى دولة علمانية فلم يتعاطف مع التجربة لمشاعره الدينية العميقة التي اصطدمت بإلغاء الخلافة، ثم انتقل إلى روما وبقي بها خمس سنوات اتصل خلالها بالحضارة الأوروبية لكن تاريخ بلاده وحضارتها وإبداعها الإنساني وتجاربه وانتماءاته الفكرية التي كونت شخصيته كانت عاصما له ألا يذوب في الحضارة الجديدة.
يحيى حقي أروع من وصف القاهرة، لأنه قاهري المولد والمزاج، وكان من حسن حظه أنه اختلط بالفقراء والكادحين من خلال عمله بالمحاماة، إلى أن عين "معاونا للإدارة" في أعماق الصعيد الذي كان يجهل كل شيء عنه فإذا به يقذف داخل صميم حياة الفلاح المصري في الصعيد، وعاشره عن قرب نحو سنتين في حقله وفي بيته وفي مندرته.. وظل يحيى حقي مدينا لهذه الفترة وكان تأثيرها واضحا في مجموعة "دماء وطين".
أستمتع مع أجيال سابقة ولاحقة بأدب يحيى حقي، أقرأه حتى أشبع روحي ووجداني ولكني لا أكتفي حتى أعود إليه مرات.. هو أكثر كتابنا إحساسا بالكلمة، وهو بين بساطة التعبير ودهاء الفكرة، يتقن اختيار اللفظ والجرس والإيقاع حتى يوحي بالمعنى، وهو أروع فنان كتب ما قل وأمتع.. أستمع إليه وهو يصف جامع ومدرسة السلطان حسن: "لم أنس إلى اليوم شهقة قلبي حين دخلت أبوابه أول مرة.. إلى الوراء تراجعت كل النمنمات والزخارف والصنعة، لا شيء في العمارة الإسلامية في القاهرة يداني هذا القوس الشاهق المحيط بالقبلة، لا بد لك أمامه أن ترفع رأسك من فوره إلى السماء، أن تحس بأنك ارتفعت عن الأرض، صدرك الضيق قد أصبح مثل رحابة هذا القوس العظيم، كأنه من البرجل الذي قاس دائرة الأفلاك ولكن أمسكت به هذه المرة يد إنسان خاشع لربه.. خشوع مقترن بتفجير قوى النفس كلها، بالنشوة والفرح.. لو رسم هذا القوس على الورق لكان خارقة وأعجوبة ومعجزة فما بالك به وهو من حجر، كأنه انطلق من قبضة جذب الأرض، إن آخر شدة في القوس لو زادت بمقدار شعرة لانقطع"!
وكتب يحيى حقي أجمل مقالاته على استحياء في جريدة "التعاون" وكانت مجلة "المجلة" في أوج ازدهارها عندما تولى رئاسة تحريرها بين عامي 1962 و1970 تحت شعار "سجل الثقافة الرفيعة" وقدم جيلا من الأدباء والنقاد.
وقام أديبنا الكبير بتكليف الفنان والأديب "زكريا الحجاوي" ليقوم بمسح جغرافي لفنوننا الشعبية ويجوب البلاد طولا وعرضا ليلتقط نماذج صادقة أصيلة، وسافر زكريا "ربما كانت ركوبته أياما كثيرة هي الحمار بلا سرج أو بردعة، يشق مدقا متربا وسط أعواد صفر من الذرة الشامي أو القصب.. تأرجح فوق الشراقي وهبط جسرا حتى وصل إلى هذا الخط الرهيب الذي يجتمع عنده آخر الخصب وأول الصحراء، ربما نام في جرن أو بجوار ساقية أو في دوار عمدة أو تحت واحدة من القباب البيض المتناثرة في الوادي لأولياء أكثرهم اسمه الشيخ "مبارك" يستمد منه الفلاحون اطمئنانهم بأن زرعهم تحل به البركة... ربما أكل البتاو والمش والمرحرح والفطير المشلتت حين يفتح الله علىه" .. هكذا كان حقي يحب أن يطيل في وصف مشاق رحلة الحجاوي مشيدا بشهامته وفدائيته وهيامه بمعشوقته: مصر.
وقدم حقي مواهب من القرى والنجوع، من السواحل ومن الصحارى، من النوبة والصعيد، وقدم فرقة رضا لتنطلق من القاهرة إلى آفاق العالمية.. وحققت الفنون الشعبية مكانة راقية جديرة بها في الوجدان المصري وفي تاريخ الفن حتى يومنا هذا وأصبحت لها معاهد فنية وقطاع كامل بوزارة الثقافة يتولى شؤونها ومسارح خاصة بها.. كل ذلك كان غرس "يحيى حقي" ابن الشعب العاشق له.. تاريخا وفكرا وفنا.
قال لي صديقي الراحل كامل زهيري: "كان يحيى حقي أديبا كبيرا يتدفق بالعواطف والذكريات ومن لم يحاور في حياته يحيى حقي ولو ساعة واحدة فقد ضاع منه الكثير". رحم الله يحيى حقي.. الفنان الصادق الذي جعل دائما هموم الوطن بين ضلوعه.. وظل "أنشودة للبساطة". كان يبحث دائما عمن ينصت لنجواه، بين شعب كانت روحه من روح مصر.. أما في زماننا فـ "خليها على الله"!