يحيى حقي والريادة الأدبية

19/01/2016 - 8:13:50

يحيى حقى يحيى حقى

فوزي سليمان - كاتب مصري

يحيى حقي علامة بارزة في الأدب والسينما، ويشكل مع بعض كبار الأدباء المصريين أمثال: عباس العقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس القوة الناعمة لمصر والوطن العربي، بإسهاماتهم الواضحة والثرية في حركة الفكر والآداب والثقافة في مصر بدءا من الربع الأول من القرن العشرين. وإضافة إلى ريادة يحيى حقي في القصة والرواية والنقد الأدبي، يحسب له أيضا رعايته لأجيال شابة من الكتاب، ووضع بذرة اكتشاف الفنون الشعبية والاهتمام بها.
ولد يحيى حقي في 17 يناير 1905، لأسرة ذات جذور تركية استقرت في القاهرة، وبالتحديد في حارة "الميضة" وراء مقام السيدة زينب، بالحي الشعبي العريق المعروف باسمها، وعاش سنواته الأولى مع أسرته في رحابها، وها هي أعيادها أعيادهم ومواسمها مواسمهم، وظل يشاهد باعة الفول واللب وحب العزيز والهريسة، ويسمع نداءات الباعة: "حراتي يا لوز.. صلّ على النبي صلّ".
وقد حصل على تعليم جيد بالدراسة في معهد الحقوق بالقاهرة، وتخرج عام 1925، وقضى عمره كله في الخدمة المدنية حيث انخرط في المحاماة، ثم انتقل للعمل بالسلك الدبلوماسي المصري لعدة سنوات، ومن بعدها أصبح مدير مصلحة الفنون (1955 ـ 1958)، ثم مستشارا في دار الكتب والوثائق القومية، أما في المجال الأدبي فقد نشر أربع مجموعات من القصص القصيرة، ومن أشهر روايته "قنديل أم هاشم"، كما كتب الكثير من المقالات، بخلاف عمله رئيسا لتحرير مجلة "المجلة" (من 1961 إلى 1971).
وكان من المنطقي أن يحصل خلال مسيرته الفنية الثرية على عدد كبير من الجوائز القيمة ومن أهمها: جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1969)، وسام الفارس الذي منحته له الحكومة الفرنسية (من الطبقة الأولى 1983)، الدكتوراه الفخرية من جامعة المنيا (1983)، جائزة الملك فيصل العالمية (فرع الأدب العربي، عام 1990).
الأعمال الكاملة:
كانت الأعمال المنشورة للأديب الجليل لا تتجاوز ستة عشر كتابا، ومن أشهرها: خليها على الله، صح النوم، دمعة فابتسامة، فكرة فابتسامة، دماء وطين، ولكن حينما صدرت أعماله الكاملة جاءت في ثمانية وعشرين كتابا، أي أضيف لها اثنا عشر كتابا، وهي الكتب التي قام باستخلاصها، بجهد خرافي ودأب شديد، الناقد النزيه والأديب النبيل فؤاد دوارة.
اثنا عشر كتابا مليئة بجواهر الفكر والفن استخلصها هذا العاشق المخلص من أرشيف الصحف والمجلات والنشرات ودور الكتب، في صمت شديد، متطوعا دون أي مقابل مادي. لم تفلت منه كلمة واحدة، ثم قام بتصنيفها وتبويبها وتنسيقها وإعادة ترتيب بعضها، وفقا للشكل والموضوع حتى أصبحت في مجموعها وعلى تنوعها عالما موحدا يقدم فكر هذا المبدع القدير يحيى حقي، ويوضح جهاده في دنيا الفكر والأدب والفن.
حقا إن تاريخ الأدب العربي الحديث سيذكر هذا العمل الخرافي بكل الشكر والعرفان، إذ لولا هذا الجهد لحرم الأدب العربي من ثروة ثمينة جدا، حتى أنني أستطيع أن أقرر أن تلك الكتب التي جمعها الناقد الدؤوب فؤاد دوارة تحسب ضمن جهوده الإبداعية أيضا، إذ تمكن من الاقتراب الواعي من عالم يحيى حقي ودراسته دراسة دقيقة وشاملة، ونجح في استخلاص آرائه ووجهات نظره ورؤاه النقدية. وتعد عملية قيامه بتجميع مقالاته - في كتب متماسكة ذات بنيان متين - في حد ذاتها عملية إبداعية أخرى، يتضح من خلالها تلك الاختيارات الدقيقة للمقالات وحسن ترتيبها في وحدات بنائية تتضافر وتتكامل في تصاعديات موضوعية وتكنيكية، فهناك كتاب عن المسرح، وآخر عن السينما وثالث في الموسيقى ورابع في القضايا الأدبية وخامس في الخطوات النقدية، وسادس في الشؤون الدينية وهكذا، لينتهي في آخر كتاب بتجميع باقي المقالات ويطلق عليها طبقا لتعبير يحي حقي نفسه "كناسة الدكان".
ومما سبق يتأكد أن عملية تجميع المقالات المتناثرة التي قام بها فؤاد دوارة بلغت مستوى متميزا ونادرا من الفهم والإحاطة والشمول قلما تبلغه أية عملية من هذا النوع، ليؤكد بذلك على مدى دقته وإخلاصه للعمل وصحوة ضميره الأدبي، وقبل هذا وذاك اقتناعه الشديد بأهمية العمل الذي قرر القيام به، فارتفع بعمله هذا إلى مستوى الإبداع المستقل بذاته، مضافا إلى إبداع الكاتب الأصلي، خاصة وأن هذه المقالات المتناثرة كانت قد كتبت في مراحل متعددة من العمر، وأغلبها كان استجابة لأوضاع اجتماعية وثقافية في زمن كتابتها ونشرها.
يا ليل يا عين:
أثناء فترة تولي الأديب والسياسي القدير فتحي رضوان مسؤولية وزارة الإرشاد (الثقافة)، اختار يحيى حقي رئيسا لمصلحة الفنون، فسعى جاهدا للارتقاء بمستوى تقديم فنوننا الشعبية، وبذل جهودا كبيرة وجادة من أجل تقديمها بصورة علمية راقية، ومن بين هذه الجهود حرصه وإصراره على تقديم أوبريت "يا ليل يا عين".
كان الهدف من تقديمه هو إحياء لفن الأوبريت، وتوظيف مختلف الفنون الشعبية، بعد تطويرها، لتقديم عرض غنائي راقص يكون الحوار فيه أقل ما يمكن، بالاعتماد على رابط درامي يجمع بين الفنون الشعبية بمختلف أقاليم مصر والتي تتسم بهذا الثراء والتنوع. وكان هذا الأوبريت النواة الحقيقية لتكوين فرقة "رضا للفنون الشعبية" رائدة الرقص الشعبي بالوطن العربي.
قدم هذا الأوبريت في سبتمبر 1956 على مسرح "دار الأوبرا الخديوية" بالقاهرة، وبالرغم من النجاح الكبير الذي حققه إلا أنه قد توقف تقديمه بعد عدة أيام، بسبب العدوان الثلاثي على مصر.
ونظرا لندرة المراجع التي تناولت هذا الأوبريت المهم بالنقد والتوثيق كان من المنطقي الاستعانة بذاكرة ووثائق "جبرتي المسرح العربي" الناقد والمؤرخ الجاد د. عمرو دوارة، خصوصا وأنني أعتبره في مقام الابن والأخ الأصغر حيث شرفت بالتدريس له أثناء المرحلة الثانوية، وبالفعل قام بتوفير بيانات ومعلومات وافية وقيمة عن هذا الأوبريت، مع مساهمته أيضا في إلقاء الضوء على المساهمات الإيجابية ليحيى حقي، حيث أوضح أنه لا يعد فقط الجندي المجهول وراء نجاح هذا الأوبريت، بل كان بالفعل الدينامو والمحرك الأساسي الذي أظهره للوجود، فقد قام بعمل المايسترو (قائد الفرقة الموسيقية) الذي جمع كل الخيوط الأدبية والفنية بين يديه، بدءا من البحث عن فكرة درامية أو خيط رفيع يجمع بين بعض فنوننا ورقصاتنا الشعبية، مرورا بموافقته وترحيبه باقتراح تقدم به الأديب توفيق حنا باستغلال وتوظيف أسطورة "يا ليل يا عين"، ثم قيامه بتشكيل لجنة استشارية من بعض الأدباء للمشاركة في صياغته (وفي مقدمتهم نجيب محفوظ وأحمد رشدي صالح)، ثم باختياره لجميع عناصر العرض، من المؤلف والمخرج والشاعر والملحن، وترشيح النجوم المشاركين بالإضافة إلى تجميع مجموعة الراقصين الجامعيين لأول مرة بمعاونة الأستاذة نفيسة الغمراوي.
إن أسطورة "يا ليل يا عين" شفهية تناقلتها الأجيال، واستمع إليها توفيق حنا من أحد الحلاقين بمدينة الإسكندرية، وتدور أحداثها حول "ليل" ابن ملك البحر، و"عين" ست الحسن والجمال بنت السلطان أو ابنة الشهبندر على أقل تقدير، وكان "ليل" يخرج من البحر للناس في صورة فتى وسيم من البشر، وارتبط بصداقة مع أحد الصيادين واتفق معه على أن يملأ شباكه من خير البحر بشرط أن يحفظ سره، ولكن الصياد لم يستطع أن يحافظ على السر بعدما تطورت علاقة الحب بين "ليل" و"عين" وأراد طلب يدها للزواج، فكشف عن حقيقة "ليل" لأهل "عين" الذين رفضوا بالطبع هذا الارتباط خشية أن يصحب ابنتهم معه إلى قصر والده بأعماق البحر، فجاءت تلك النهاية الحزينة للأسطورة بغضب "ليل" من عالم البشر، لعدم وفائهم وعدم حفاظهم على الوعد، ويختفي بالعودة إلى عالم البحار، وكذلك اختفت "عين"، ويرجح أنها لحقت به. ويظل الناس منذ ذلك الحين ينادون عليهما بحسرة "يا ليل.. يا عين".
وفي المعالجة الحديثة تم جعل "عين" هي ابنة ملك البحار، وجعل "ليل" صياد فقير من عامة الناس، وذلك لأن الوجدان الشعبي ارتبط بأن الجنية أو عروس البحر هي الأنثى، بالإضافة إلى أن هذا التصور الأخير يقترب من الأهداف الاشتراكية لثورة يوليو وتعظيمها لدور وقيمة العمل، ومنادتها بضرورة إزالة الفوارق بين الطبقات.
تضمن الأوبريت ثلاث لوحات تسمح بتقديم فنون المناطق المختلفة كما يلي: اللوحة الأولى رحلة بحث "ليل" عن "عين" من الصعيد (جنوب مصر)، واللوحة الثانية بحثه عنها بالقاهرة (وسط الدلتا) حيث فنون السيرك والحاوي والأراجوز والعرائس وخيال الظل، واللوحة الثالثة بحثه عنها بالوجه البحري حتى الإسكندرية (المنطقة الساحلية).
شارك في تقديم هذا الأوبريت بالكتابة توفيق حنا (صاحب الفكرة)، وبكتابة الحوار وتقديم الصياغة النهائية علي أحمد باكثير بمعاونة رائد الفن الشعبي وخبير التراث زكريا الحجاوي، وكتب الأغاني الشاعر عبد الفتاح مصطفى والألحان لأحمد صدقي، كما شارك بوضع بعض الألحان كل من الفنانين عبد الحليم نويرة الذي أسهم كذلك بالتوزيع الموسيقي، وإبراهيم حجاج الذي قاد الأوركسترا أيضا، وتحمل مسؤولية إخراج الأوبريت المخرج القدير زكي طليمات، وشارك ببطولته كل من نعيمة عاكف (عين)، محمود رضا (ليل)، والمطربة شهرزاد، وفريدة فهمي، ومحمود شكوكو، وفرقة "أبو الغيط الشعبية".
ونظرا لتميز هذا العمل الكبير أطالب بإعادة تقديمه - ليس فقط للمشاركة في إحياء ذكرى الأديب الكبير يحيى حقي - ولكن أيضا لتقديمه كنموذج مشرف للأوبريتات والمسرحيات الغنائية المتميزة التي نفتقدها.