حكايتي مع « الهلال »

19/01/2016 - 8:12:41

جرجى زيدان جرجى زيدان

أسعد مخّول - كاتب لبناني

لم يكن الكتاب متوافرا بكثرة أمام عينيّ وأنا صغير (في قريتي ممنع بشمال لبنان)، إلّا ما تعلّق منه بالبرنامج المدرسي الذي كان يقتصر هو الآخر على كتب قليلة كنت أستهلك صفحاتها كاملة، وهذه كانت حال زملائي المعدودين على أصابع اليدين، والسبب جليّ واضح، إنّه ضيق ذات اليد، والبعد شبه الكامل عن المصانع والمطابع والمتاجر، في ذاك الريف البعيد، الذي آثر خالقه أن يبقيه قريبا من السماء.
بذلك لم يتيسّر لي في تلك الفترة العزيزة الواعدة أن أمتلك كتابا "كماليا"، إذا ما أمكن لي أن أعتمد كلمة "كماليّات" للكتب الإضافية، جريا على أسلوب أصحاب البيوت حين يعملون على استقدام أثاثهم وتأمين لوازم عيشهم، فيميّزون تمام التّمييز بين ما هو ضروري وما هو "كماليّ".
في المرحلة التالية، وكانت تسمّى "تكميليّة"، تيسّر لي أن أفتح ذراعيّ أمام بعض الكتب "الكماليّة" تلك، إذ كان مدرّسو الأدب يشيرون على التلامذة بها، باعتبارها متمّمة للكتب المدرسيّة الأساس، وكان من بين ما أشاروا به: "العواصف" لجبران جبران، "قلب لبنان" لأمين الريحاني، "درب القمر" لفؤاد سليمان، "أحاديث القرية" لمارون عبّود، "العبَرات" لمصطفى المنفلوطي، "البيادر" لميخائيل نعيمة... إضافة إلى كتيّبات مختصرة باللّغة الفرنسية لبعض مؤلفات: راسين، فولتير، لافونتين، موليير، هوجو...
شكّل ذلك عبئا على الأهل من دون شكّ، وقد رأى هؤلاء في الأمر مزايدة على ما قرّرته وزارة التربية في برامجها المعروفة والثابتة، وكان في احتجاجهم: ما دمنا أحضرنا كلّ ما طلب منّا في مطلع السّنة المدرسيّة، فما الداعي لهذه الأمور الطارئة الآن؟
بعد ذلك كان الانتقال إلى المدينة، إلى مدينة طرابلس، حيث كانت هناك مكتبة عامّة في دار البلديّة تضمّ بعض الكتب الميسّرة أمام الراغبين، كما كانت هناك مكتبات تجارية كثيرا ما كنت أغتنم الفرص للمرور أمام واجهاتها، فأراقب الكتب وأتمتع برؤية أغلفتها الجميلة، وعناوينها المشوّقة. وكانت تتوسط المدينة ساحة وسيعة، زنّرها الباعة بجرائدهم ومجلّاتهم، وكثيرا ما كانوا يردّدون بعض العناوين التي تشير إلى حدوث أمر ما في البلاد، وذلك ترغيبا للقرّاء وأملا بالشارين منهم. أمّا وسط الساحة فكان يحتلّه بين وقت وآخر أصحاب الكتب القديمة التي كانت تُرمى على بُسط صغيرة كيفما اتّفق. هناك كنت أصادف بائعا مصريا تميّز بجلبابه الأبيض الطويل، وقبّعته التي تنتهي بكلّة من القماش المنثور، وشاله المربوط على العنق في الصيف كما في الشتاء، وكان الخفّ يحل محلّ الحذاء في قدميه، لفقر الحال ربّما، أو اتّقاء لأتعاب الوقوف الدائم والانتظار الطويل، إذ كان روّاد متجره الرّصيفي المتواضع قلائل ونادرين. وما زلت أذكر بعض الكتب الّتي حصلت عليها من ذاك البائع الطيّب: "الأيام" لطه حسين، "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم، "مواطنون لا رعايا" لخالد محمد خالد.
أمّا اسم تلك الساحة فهو ساحة التل، ولعل مصدر الاسم هو المرتفع البسيط الذي يجاورها، حيث يقوم مقهى شعبي فسيح كنت أقصده لاحقا في مرحلة الدراسة الجامعية، فأتهيأ للامتحان على كراسيه الملفوفة بالقش، والموزعة بين طاولات خشبية صغيرة. كان يكفي هناك، في ذاك المقهى الكريم، أن يؤدي الضيف ثمن فنجان واحد من الشاي ليستمر مقيما على مدى النهار، على العكس تماما من هذا العصر حيث لا يتأخر النادل عن الحضور إلى الضيف في نهاية كل ربع من الساعة، ليسأله عمّا إذا كان يريد شرابا إضافيا، وإلا تمّ اعتبار وجوده غير مقبول، ولا بد له أن يغادر المكان، لأنّ هناك روّادا جددا يرغبون الحلول محله طلبا لهناءٍ وهمي عابر، يسابق لمح البصر.
في الانتقال لاحقا إلى بيروت تفتيشا عن عمل يطعم خبزا، في أواسط السّبعينيّات من القرن العشرين، كانت لي فسحة تعرّفت خلالها إلى عاصمة الكتاب، تأليفا وطباعة ونشرا، قبيل أن يتّخذ أصحاب الرأي النافذ في الدنيا، قرارا بإشعال الحرب الداخليّة في الوطن.
خلال تلك الفسحة البسيطة رحت أمدّ يديّ إلى الكتب ملبّيا بعض الرغبات الصامتة المؤجلة، خصوصا في ما يتعلّق بالأدب والفن. وكان بين ما حصلت عليه أربعة من سلسلة "كتاب الهلال": الغناء المصري، أصوات وألحان عربية، مطربون ومستمعون، سحر الغناء العربي، وهي جميعا لكمال النّجمي، وكانت قد صدرت في أوقات سابقة متفرقة. سعدت بتلك الكتب الّتي لفتتني أحجامها الصغيرة وأغلفتها الهادفة، وقد أقبلت على مضمونها بتقدير واهتمام. تلى ذلك حصولي، وللمرة الأولى، على عدد من المجلّة، مجلّة "الهلال"، وهو عدد شهر مارس 1975، الذي حمل صورة لأم كلثوم، وتضمّن بعض المقالات لمناسبة رحيلها.
سارت علاقتي تلك مع "الهلال" بشكل بطيء، إذ كانت إمكانية حصولي عليها متقطعة حتّى أواسط التسعينيّات، حين بدأت رحلاتي إلى مصر للمشاركة في مؤتمر الموسيقى العربيّة، الذي تنظمه دار الأوبرا. آنذاك رحت أتردد إلى ساحة الكتب القديمة في الأزبكية (قرب مسرح العرائس)، حيث كنت أحظى في كل مرّة بأعداد لافتة من "الهلال" مجلة وكتابا، كان بينها أعداد خاصة بكل من: المتنبي، المعرّي، أبي نواس (من فترة الثلاثينيّات)، وطه حسين، أحمد شوقي، عباس العقاد، خليل مطران، مي زيادة... وصولا إلى أمين الريحاني الّذي نشأت ضجّة حوله على مدى أعداد متلاحقة في سنة 2006، فتوالت الردود وتواجهت الآراء الأدبيّة والسياسيّة، إضافة إلى أعداد خاصة بالموسيقى والفن التشكيلي.
وكان لا بدّ لي بعد ذلك من أزور دار الهلال في شارع المبتديان (سابقا)، متذكّرا مؤسّسها جرجي زيدان، ومحيّيا تمثاله القائم في وسط المبنى. كما زرت مكتبتها وبنيت صداقات أدبيّة جميلة مع بعض موظفيها وأدبائها، صداقات لا تزال قائمة على الرّغم من بعد المسافة، وصعوبة الظروف التي تمرّ بها البلدان هنا وهناك. وقد يسرت لي الزيارة أن أحصل من الباحث الأدبي محمد رضوان، وهو من العاملين في الدار، على كتاب طالما فتشت عنه، وهو الطبعة الثانية ممّا كتبه ميخائيل نعيمة عن جبران، والتي أصدرتها دار الهلال سنة 1958.
ما التحق بمكتبتي من تلك المجلّات والكتب مختار مصفّى، وهو لم يحصل بدافع زيادة الكميّة، ففي مرّة كان يعنيني في العدد الواحد موضوع واحد، وفي مرّة كان يعنيني أكثر من موضوع. كنت في مثل هذه الحال بعلاقتي مع المجلّات الأخرى (اللبنانيّة والمصريّة والكويتيّة والفرنسيّة)، أقتطع الموضوع وألحقه بالملفّ التابع له في المكتبة، أمّا مع "الهلال"، فوجدتني أحتفظ بالمجلّة كاملة إكراما لموضوع واحد أحيانا، وهذا ما حدا بي أن أعود وأتصرّف بهذا الأسلوب مع أكثر من واحدة من المجلات الأخرى، لا بلّ عدت إلى أعدادٍ قديمة من مجلّاتٍ بعضُها توقّف عن الصّدور، وبعضها ما زال مستمرا (الأديب، الآداب، الغربال، الحكمة، العربي، المكشوف، Historia، Sience et Vie)، فرمّمت علاقتي بها قدر المستطاع، وضممتها في ملفات خاصة بكلّ منها، بعد أن كنت قد نثرتها هنا وهناك وفق موضوعاتها الإفرادية. وقد أرفقت ذلك بلوائح توثيقيّة تحدّد المضمون، وإلّا كانت عمليّة الحفظ عمليّة احتفاليّة شكليّة لا تغني ولا تفيد، بل تزيد في ضيق المكان، وتؤدّي إلى الفوضى بين الكتب والأوراق.
بذلك، فأنا كواحد من المهتمين بـ"الهلال" في مجلتها وفي كتابها، أطرح بعض الاقتراحات التي أتمنى أن تكون قريبة من الصحة، وأن تصادف القبول:
ـ توحيد شكل المجلّة وحجمها، تيسيرا لحفظها بشكل أنيق وجميل.
ـ ضبط أوراقها بشكل مستوٍ، والحرص على قطعها بأسلوب صحيح، بداعي الحرص الكامل على المضمون، خصوصا في ما يتعلّق بالصور التي تنشر، والتي تأتي في بعض الأحيان مجتزأة، هذا إضافة إلى الأطراف اليمنى من الصفحات التي تأتي مشطورة أحيانا. وهنا لا بد من التعبير عن الإعجاب بما تمتلكه دار الهلال من الصور القديمة ومن الرسائل، أو على الأقل صور الرسائل، التي كان يتبادلها الأدباء والمفكرون، في زمن كان قرطاسه يتمتع بالمجد والسّلطان.
ـ تغليب الطابع الثقافي في ما يكتب وينشر، فالثقافة هي الأحلى والأبقى، وهي الأقدر على التقريب بين الآراء.
ـ تكرار تجربة أن يعاد تعميم أعداد قديمة بين الحين والحين، إذ لا بدّ من الاطلاع على الماضي، وتذكّر أساليبه وعطاءاته.
وأخيرا، أتمنّى أن تستمر "الهلال" قادرة على المكابرة في مواجهة النشر الإلكتروني، وأن تواصل التعويل على الحبر والورق، فيتلمّس القارئ حروفها باليدين أولا وبالعينين ثانيا، وبالعقل أولا وثانيا. هذا مع التقدير الكامل لمبدأ الحفظ الإلكتروني لأرشيف الأعداد السابقة، احتماء من التلف، وتخفيفا من خطر الفقدان، وتيسيرا للاطّلاع على ما ندر وجوده، وتعذر بلوغ مخابئه.