كنت شاهدًا على بداية العبور الثانى

19/08/2014 - 10:40:00

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: رجائى عطية

تلقيت دعوة تليفونية ، من رئاسة الجمهورية ، لحضور احتفالية مشروع مصر القومى لقناة السويس ، بنادى الشاطئ بالإسماعيلية . ما إن وضعت سماعة التليفون ، حتى فتح موضوع ومكان الاحتفال نهرا من الذكريات .. ظل ينساب فى صفحة وجدانى إلى أن ركبت إلى الإسماعيلية بعد يومين ، وطوال الطريق الذى قطعته سلفا مئات المرات ، بيد أن له فى هذه المرة مذاقًا خاصًا ، استحضر صفحات الماضى ، تحمل إلى وجدانى آمالاً عريضة فى مستقبل تأتى بشارته بعد فترة ضاق الخناق فيها من كل جانب .


إبان اندلاع عمليات رمضان / أكتوبر 1973 ، نقلت من الإدارة العامة للقضاء العسكرى ، إلى إدارة المحاكم العسكرية ، إلى المحاكم العسكرية بالجيش الثانى .. سلكنا الطريق الزراعى إلى أبو حماد حيث كانت المحكمة العسكرية العليا تتخذ لها مقرًّا فى الخط الثانى للقوات ، ومن هناك تابعنا العمليات مع ما كانت تفرزه من قضايا إضافة للقضايا العادية ، حتى إذا ما تحققت مهمة الجيش ، انتقلنا وبرغم زحف قوات الثغرة ، إلى قيادة الجيش الثانى بمعسكر الجلاء بالإسماعيلية ، وبين مهام العمل القضائية ، انتقلنا إلى الضفة الشرقية حيث اطلعنا على آثار تدمير خط بارليف الحصين ، وخشعت قلوبنا ونحن نستحضر بسالة جند مصر الذين اقتحموا هذا الخط ، بينما كان الغواصون يعملون ليل نهار بمجرى قناة السويس لتطهيره من الألغام تحت المتابعة المستمرة للواء فؤاد عزيز غالى قائد الجيش الثانى .. كانت أياما .. عشنا القلق منذ يونيه 1967 حتى ألقيناه جانبا مع بدء العمليات ثم انتصارات أكتوبر 1973 ، وعلى هذا الطريق الذى أقطعه الآن ، سافرنا مئات المرات ذهابا وإيابا بين الإسماعيلية والقاهرة ، ومع انهمار نهر الذكريات لهذه الأيام المجيدة التى عشناها هناك مابين 1973 و 1975 ، طفقت أتذكر السويعات التى كنا نختطفها بعد عناء يوم العمل الشاق ، لنسهر بذات نادى الشاطئ الذى أقصده اليوم ، على ضفة القناة ، نتلمس بعض الترويح ، ونطل من صفحة الماء المتبدية أمامنا على تاريخ مصر وأجدادنا الذين حفروا بدمائهم ومعاولهم هذا المجرى الملاحى الهائل الذى فتح الخير للبشرية ، وإن حُرمت مصر من القناة ومن خيراتها حتى استردها جمال عبد الناصر بقرار التأميم التاريخى فى يوليو 1956 .


وكلما اقتربت من الإسماعيلية ، سعيًا إلى نادى الشاطئ حيث مقر الاحتفالية بالمشروع القومى لقناة السويس ، كلما تمازج الماضى مع الحاضر ، وأسلسنى التفكير فيما هو ياترى معالم هذا المشروع القومى الذى لم أسمع عن تفاصيله ما يشفى الغليل .. بيد أننى ما إن دخلت إلى قاعة الاحتفال بنادى الشاطئ الذى كثيرا ما سهرت على ضفته ، حتى وجدتنى احتضن حقيبة أنيقة فتحتها بنهم لأمسك أولاً ببرنامج الاحتفالية .. الفقرة الأولى تتضمن بعد التقديم وقراءة القرآن الكريم ، فيلما تسجيليا عن قناة السويس وتطويرها ، ثم عرضًا للمشروع يقدمه الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس ، ولمحت عينى فى البرنامج أن المشروع مشروعان : أحدهما تنمية منطقة قناة السويس ، والثانى وبالتوازى حفر قناة السويس الجديدة .. وبعد تقديمه للمشروعين ، تأتى كلمة السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى . أما الفقرة الثانية للاحتفالية ، فهناك حيث دارت المعارك ، على الضفة الشرقية للقناة بعد جولة بحرية ، ليبدأ فى موقع إطلاق شرارة المشروع ، شرح دور الهيئة الهندسية للقوات المسلحة فى مشروع - قناة السويس الجديدة -، ثم توقيع السيد الرئيس على وثيقة حفر هذه القناة، وليعطى بعدها إشارة بدء الحفر بمشاركة الشباب والعمال والفلاحين .


جلست فى القاعة وسط باقة من أبناء مصر المخلصين ، أنتظر بدء الاحتفالية وقد انهمر نهر الأشواق للتعرف على المشروع ، محل نهر الذكريات التى اجتررت فيه صفحات الماضى بانكساراته وانتصاراته ، يساعدنى على قطع وقت الانتظار الكتيبات التى وجدتها بالحقيبة التى احتضنتها منذ دخلت .. أولها كتيب عن قناة السويس : شريان التجارة العالمية ، فى طباعة أنيقة ، وصياغة وجيزة وافية ، لم تهمل المقدمة التاريخية لحفر قناة السويس بعد محاولات بدأت عن طريق النيل عام 1874 ق . م ، ثم أخرى سنة 285 ق . م ، ثم ثالثة عام117م ، ثم قناة أمير المؤمنين التى حفرت عام642م بأمر عمر بن الخطاب لتصل البحرين الأبيض والأحمر عبر نهل النيل ، ثم المشروع الأخير الذى بدأت إرهاصاته بمظنة اختلاف مستوى البحرين ، والعدول عن المشروع، حتى أعيد إحياؤه بدراسة وإقناع فرديناند دليسبس، وبدأ حفر القناة عام 1859 ، بسواعد نحو 1.5 مليون من المصريين ، استشهد منهم ما يقرب من 120 ألفًا .


أسلسنى الكتيب من المقدمة التاريخية ، إلى مراحل حفر القناة ، ثم افتتاحها فى 17 نوفمبر 1869 ، ثم إلى التأميم فى 26 يوليو 1956 ، وإلى معركة المرشدين التى فوتت سعى المتآمرين لإيقاف العمل بالقناة ، والعدوان الثلاثى الذى صارعنا فيه إمبراطوريتين وذيلهما إسرائيل حتى إذا ما فرغت من ذلك ، طالعتنى مشاريع تطوير المجرى الملاحى البحرى بمسافتها وأعماقها وتاريخها ، لمواكبة الزيادة المضطردة فى عدد وأحجام السفن ، وما تقدمه القناة وهيئة إدارتها لمصر على مستوى الدخل العام ، وأيضا الخدمات فى إقليم القناة .


بيد أن بداية الانبهار بما سوف أسمعه وأراه ، كانت مع الكتيب الثانى الذى يحمل غلافه خريطة لمجرى القناة من السويس إلى بورسعيد ، وممراته وبحيراته .. المرة والتمساح ، ولأبدأ مع الخريطة الداخلية والبيانات الدقيقة المدونة ، الإطلال على مغزى ومشمول المشروعين : حفر قناة سويس جديدة ، وتنمية منطقة القناة .


لست أريد أن أطيل .. فسوف يجد القارئ فى كافة الصحف والمجلات صورًا كاملة للمشروعين ، ولكنى أريد هنا أن أغوص إلى المغزى الذى حصلته من الكتيبات ، ومن الإستماع إلى عرض رئيس الهيئة ، ومن التأمل فى منعطفات بالغة الأهمية فى خطاب الرئيس.


باختصار استلزم حفر قناة موازية، لمسافة نحو 72 كم ، أن عرض القناة الحالى لا يسمح بازدواج المرور بالمجرى الملاحى ، فتتوقف القافلة القادمة من السويس إلى الشمال فى البحيرات، إلى أن تعبر القافلة القادمة من بورسعيد إلى الجنوب ، مما يهدر وقتًا ثمينًا توفره القناة الموازية الجديدة بإتاحة المرور المزدوج ، فضلا عن أعمال تطوير الأعماق التى وصلت للآن إلى تحمل مرور سفن يصل غاطسها إلى 66 قدما . أما المشروع الثانى بتنمية المنطقة ، فهو مشروع عملاق ليس من المبالغة وصفه بأنه - العبور الثانى -.


إن المساحة المتاحة تحول بينى وبين أن أعرض بما أحب للمشروعين ، ولخطاب الرئيس الذى يحتاج هو الآخر إلى استعراض واسع ، ولكن استوقفتنى لمحة أبداها الرئيس ، أن حفر القناة الموازية الجديدة ، لن يكون إلاَّ بأموال مصرية، مثلما هو بسواعد مصرية .


لا يمكن أن يفوتك المغزى المقصود، أن صفحة الماضى توسلت لاقتناص القناة المحفورة بأيادٍ مصرية على أرض مصرية ، بالأموال الأجنبية التى قُدمت آنذاك للمشروع، فصارت القناة فى قبضة الشركة العالمية لقناة السويس، وإليها وإلى الغرب خيرات القناة، إلى أن أمم عبد الناصر هذه الشركة لتكون شركة مساهمة مصرية ، وقد كلفنا ذلك المعركة التى خضناها لصد العدوان الثلاثى منذ 29 أكتوبر 1956 ، وحتى الجلاء فى 23 ديسمبر .. فضلا عن معارك المرشدين وغيرها من المعارك حتى استوت قناة السويس ـ بملكيتها وعوائدها ـ إلى أصحابها المصريين.


إذن ..


فالقناة الجديدة ، تنفض عنها ما كان قد ران على تجربة الماضى من سلب القناة من المصريين ، فتحفر مصر قناتها الجديدة بأيادٍ مصرية ، وأيضا بأموال مصرية ، أما مشروع تنمية المنطقة فينظمه قانون الاستثمار .


ثم ، لم يكن إشراك الشباب ، وهذه لفتة ، مقصوراً على وجودهم الرمزى والعمال والفلاحين عند إطلاق إشارة البدء ، وإنما بدت العناية بهم ، ليس فقط بما سيوفره المشروعان : القناة الجديدة ، والتنمية ، من فرص عمل كبيرة ، وإنما أيضًا فى الإلتفات إلى تخصيص نسبة من أسهم حفر القناة إلى الشباب بفئات أقل ، وذلك لا يصطدم بقاعدة تساوى الأسهم مادامت فئة السهم مرعية فى تداول الأسهم وأرباحها.


تابعت الفقرات ، وخطاب الرئيس ، بانتباه كامل ، فوجدتنى أشرف على مرحلة جديدة فعلاً : حملت إشارات وومضات .. لا إقصاء لأحد ، فلفكره وآرائه ما شاء ويشاء ، ولكن بلا إيذاء للوطن والمواطنين ، أما من أجرم فعليه تحمل مسئولية ما أجرم فيه .. من يهدم لا يبنى ، وما هُدِمَ لا يعود مرة أخرى .. التقدم إلى المستقبل يجئ وسط رؤية شاملة لا تقتصر على المشروعين ، وإنما تمتد إلى ما سواهما .. ما تحتاجه مصر من تمويل لعبور أزمتها ، لا يجزئ فيه الاقتراض والدين والفوائد ، وأن من يقدم إنما يقدم لمصر لا إلى أشخاص .. الوقت نملكه طالما نقدم للمشروع وسائله الكفيلة بإنجازه دون تفريط فى المقومات ، فليس لدينا وقت وإنما نحن نسابق الزمن .. لا نقول «أنا» إنما نقول نحن» مصر سوف تتقدم بأيدى أبنائها جميعا .. المشروع الحالى الذى وافقت عليه القوات المسلحة يختلف عن المشروع السابق المرفوض الذى كان يترك فراغًا مساحيًا تقام عليه مشروعات بين القناة الأولى والقناة الجديدة ، فذلك التصور كان يضيف إلى المانع المائى الذى وَعَيْنَا درسه ، مانعا آخر يجعل الأمن المصرى رهينة بمانعين لا بمانع واحد .. للأجيال القادمة حق مشروع على الحاضر ، والشباب عدة الوطن لمستقبله .. نعم هناك مخاطر تحيط بالمنطقة ، ولكن لا خوف علينا مادمنا على قلب رجل واحد ، مستيقظين منتبهين لما يجرى من حولنا ..


كنت أتمنى أن أستفيض فيما شاهدته وسمعته وعاينته ، وأن أروى لكم تفاصيل المشروع القومى العملاق المنطوى على مشروعين : حفر القناة الموازية الجديدة ، وتنمية المنطقة بخطط تفصيلية دقيقة وطموحة واضح الأخذ فيها بكافة الاعتبارات ، وأن أتوقف طويلاً عند المنعطفات المهمة جدًا فى الخطاب المرتجل للرئيس فى انسيابية ذكرتنى بخطب الزعيم جمال عبد الناصر ، وأعادت إلى ذهنى ومضات الرئيس الشهيد أنور السادات الذى لم يفتنى وصف الرئيس له بالشهيد .. فذلك وصف صادق له توابعه .. وكنت أتمنى أن أتحدث أكثر عن ما عاينته فى هذا اليوم التاريخى الذى كان من حظى حضوره ، ولكن حسبى فى إطار المتاح أن قدمت انطباعات وإشارات لعلها تصور وتستحضر الأمل الذى طوينا عليه الضلوع، ونتطلع إلى أن تتقدم به مصر إلى مكانتها اللائقة المستحقة تحت الشمس .


كان من حظى أن كنت شاهدًا على العبور الأول ..


وها أنذا قد قيض لى بعد واحد وأربعين عامًا أن أكون شاهدًا على العبور الثانى .