سياسة برقبتي ياريس

19/08/2014 - 10:20:05

إيمان رسلان إيمان رسلان

بقلم : إيمان رسلان

أعادتني الحلقة الأولي من مسلسل مرافعة حبيب العادلي عن نفسه والتي استمرت ما يقرب من خمس ساعات متواصلة تخللها فاصل واحد من الاستظراف أحياناً وخفة الدم أحيانا أخري بجانب شوية دين ووعظ وتقرب لله - فالشيء لزوم الشيء - إلي أرض الواقع المرير مرة أخري.


فأرض الواقع المرير يبدو أنها سياسة مستمرة منذ فترة طويلة رغم أنني كنت أحلق عالياً في سماء أخري هي سماء المستقبل ، وأقصد أنني كنت قد قررت الكتابة عن الوصلة الجديدة لقناة السويس وأخذت أجمع وأستمع لكل «الأطروحات والشرح عن المشروع الجديد حتي يأتي الحديث عنه متوازناً بعيداً عن نغمة المعارضة للمشروع وهي معارضة من أجل المعارضة .. أو التطبيل له.


فقد كنت أحلق في سماء حب مصر مع هذا المشروع خاصة أنه تواكب معه إذاعة فيلم «ناصر 56» علي عدد كبير من القنوات الفضائية ووجدت الدموع تنساب من عيني حينما أعلن جمال تأميم قناة السويس لتصبح قناة السويس شركة مساهمة مصرية، وهي القناة التي بناها الشعب المصري الشقيق بعرقه ودم أبنائه وأخذت أهتف في المنزل : ينصر دينك يا جمال وطبعاً أقصد جمال عبدالناصر وليس جمال مبارك الذي سيشارك حبيب العادلي في الحلقة الثانية من مسلسل محاكمة القرن والتي سوف تذاع اليوم - الأربعاء.


فرحت بالمشروع والوصلة الجديدة داخل القناة لأنها تعني .


أننا علي الطريق الصحيح ولم نفقد البوصلة بعد لدورنا الهام، لأن أهم ما في المشروع الجديد من «وجهة نظري» أننا أوقفنا المراكب السائرة لمخطط إسرائيل لتبني لنفسها قناة جديدة تهمش بها قناة السويس فالرسالة واضحة أننا مازلنا في الصورة ونستطيع أن نوجه البوصلة نحو المستقبل.


كل هذا الكلام الجميل وأكثر كنت أنوي أن أكتبه مفصلاً بعيداً عن الاستهتار بالمشروع ومهاجمته ومعارضته من أجل المعارضة أو مدحه والطلوع به إلي مصاف الأفعال الخارقة التي يزيد ويرغي فيها السادة الخبراء الاستراتيجيون في كل القنوات.


ولكن مسلسل العادلي أعادني إلي هموم المصريين علي أرض الواقع ليس في دفاعه عن نفسه فذلك متوقع بالطبع ومنطقي جداً، ولكن لأن مرافعته كشفت جزءاً هاماً من أفعال وتصورات رجال السلطة والحكم في مصر وفترات طالت أكثر مما ينبغي ويستهزئ من الآخرين ومن شهادة البعض ورأيهم كالعادة ، وتشعر من كلامه أن الشعب المصري الشقيق! لا يعرف مصلحته ومستعجب من أنه ثار عليه وعلي نظام ممارسة داخليته وحتي يوضح مدي عظمة إنجازاته وديمقراطيته الشديدة أخذ بالغمز واللمز والتلسين علي النظام الحالي والحكومة الحالية و30 يونيه في أنه سمح بالمظاهرات والاعتصامات حتي في ميدان التحرير .. رغم منعها الآن، وآخذ يرغي ويزيد ويلت ويعجن في أن ما حدث هو مؤامرة مكتملة الأركان بدأت منذ سنوات ما قبل ثورة يناير 2011 وتحديداً من 2002 و 2004 ولم يفسر لنا جنابه عظمته هل هناك علاقة بين هذا التاريخ مثلاً وبدء ظهور جمال مبارك في الساحة أو مشروع التوريث الذي كان موجوداً علي أرض الواقع فعلياً وليس بورق وتعليمات مكتوبة وكأن التوريث سيكون قراراً مكتوباً أنه بناء علي تعليمات الرئيس، كما استهزأ سيادته ونفي مشروع التوريث فهل غابت عن عظمة وفطنة معاليه هذه الملحوظة أو الربط أم أنها كانت تجليات الشعب المصري صانع المؤامرة!


ثم يستطرد فخامته في سرد وقائع المؤامرة التي علم بوجودها من مصادره وأجهزته وأن هناك معلومات موثقة عن دخول عناصر أجنبية إلي مصر «وأنا لا أنفي صحة المعلومات» ولكن لم يفسر لنا عظمة سيادته لماذا لم يستفد بهذه المعلومات الهامة جداً هو وأركان الدولة في حماية أمن نظامه أو كما يقول هو حماية مصر من المؤامرة؟!


لأن المعني ببساطة أن ترهل داخليته وتجاوزات أجهزتها تجاه المواطنين التي يعترف بها جعلت الغرور يتسلط عليهم ويتقمصوا دور أبو العريف ويطبقوا سياسة «برقبتي ياريس» التي أعتقد أنها السياسة المعتمدة لأجهزة السلطة في الحكم والتي نتمني أن تنتهي من حياتنا تماماً لأنها سبب الكوارث الي تعرضت لها مصر أو ما سوف تتعرض له مستقبلاً من تقزيم لدورها وعرقلة نموها.


سياسة برقبتي ياريس التي أدت إلي هزيمة منكرة في 1967 بفعل المشير وأصدقائه وأحبائه، هي نفس سياسية برقبتي ياريس التي استنتجتها من كلام العادلي وهو أن كل شيء كان تمام وأنه لم يكن في الإمكان أروع مما كان ولكنها المؤامرة؟!


وفات العادلي كما فات عبدالناصر رغم إنجازاته العظيمة جداً وعلي رأسها إعادة قناة السويس للشعب المصري أن هذا الشعب المصري العظيم وليس الشقيق أدرك ما يحدث وفهم ما يدور وأنه رغم وجود المؤامرة التي لا تنفي وجودها أبداً بل سلم بها، إلا إن الشعب أوقفها في خروجه الباسل والواعي مثلا في 9 و 10 يونيو 1967، فهذا الخروج لم يكن للدفاع عن «برقبتي ياريس» وإنما كان دفاعآً عن وجوده واستمراره كشعب وكما خرج في مظاهرات حاشدة في 1968 يرفض أحكام قادة الهزيمة وكما صحح الخطأ بالعمل العلمي المدروس في حرب أكتوبر وانتصارنا بها ليهزم مقولة برقبتي ياريس تماماً خرج هذا الشعب المصري العظيم إلي الشوارع في 25 يناير وما تلاها من أيام عظيمة خاصة في 28 يناير وطوال 18 يوماً.


المؤامرة الحقيقية التي تعرض لها الشعب المصري هي وجود هذه الشخصيات وهذا النظام الذي كان العادلي أحد رموزه الرئيسية في الحكم، لأن هذا النظام «باعترافه هو شخصياً» هو الذي سمح للإخوان بالوجود والترعرع في التربة المصرية بل إنه هو شخصياً كان يدير الحوارات معهم ومع غيرهم وكان يتجسس علي جميع القوي السياسية باعترافه أيضاً وكل ذلك لم يكن لحماية الأمن القومي المصري ولكن كان الهدف حماية النظام السياسي الحاكم .


ولأن سيادته لو كان يعمل عند الشعب المصري العظيم وليس الشقيق لكان أدرك كم مساوئ هذا النظام وأننا كمصريين لا نحتاج إليه أو الوجه الآخر له وهو الإخوان لكي ننطلق إلي الأمام وبالتالي فإن المحاكمة الحقيقية التي يستحقها العادلي هو أنه كشف بنفسه عورات هذا النظام «التي للأسف ما زال البعض يدافع عنها» وأن نظام برقبتي ياريس يجب أن يسقط وينتهي تماماً كما انتهي مع نكسة 1967 ولابد أن ينتهي بـ 25 يناير و30 يونيه وأن المؤامرة الحقيقة كانت في وجود هذه الشلة التي أحمد الله أنني كنت واحدة من أعضاء المؤامرة التي خرجت لإسقاط نظامي مبارك والإخوان.


أن مسلسل العادلي لن يؤدي إلي أن نعتذر له والي حكمه عما فعلناه ونلتزم باتعاب المحاماة والتعويض أيضاً