كيف نقاوم الإرهاب في الفضاء الجامعي؟

19/01/2016 - 7:42:08

شكرى بلعيد شكرى بلعيد

د. خالد الغريـبـي - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صفاقس

إنّ السؤال الإشكاليّ الذي يمكن أن يطرح في ضوء ما تعيشه الجامعة في تونس وفي أقطار عربية أخرى ينخر الإرهاب كيانها بتفاوت: كيف يمكن مقاومة الإرهاب في الفضاء الجامعي؟
وما هذا السؤال إلاّ موصولا بالدور المدني الذي تلعبه الجامعات في تاريخها الأصيل والحديث. فأيّ دور للجامعة في إرساء القيم المدنيّة وتثبيتها في ضوء متغيّرات تاريخية حفّت وما زالت تحفّ بالمجتمعات العربية، توهم بالتغيير والقطع مع الاستبداد من حكم متسلّط إلى حكم يروم الديمقراطية والسلطة التشاركية؟ مَن هي الأطراف الكفيلة بحماية المكاسب المدنية داخل الجامعة، إن تحقّقت. وكيف السبيل إلى إرسائها إن غابت؟
وهل للأستاذ الجامعي وللقوى المدنيّة ومن بينها النقابات دور في رسم معالم الأفق التعليمي الجديد القائم على الوعي بضرورات ما يحيط بأوطاننا من مخطّطات مختلفة المشارب محليّا وعربيّا وعالميّا؟ كيف يمكن للجامعة أن تحافظ على استقلاليتها العلمية وحرمتها المؤسّساتية وأن تقاوم كلّ ما يمسّ حريتها وتقاليدها الأكاديمية بما في ذلك مقاومة أشكال التطرّف العقدي مهما كان لونه أو طعمه أو خلفياته أو مرماه؟
كيف يمكن للجامعة أن تمارس فعل التكوين والتعليم خارج كلّ ممارسة سلطوية أو حزبية وأن تواجه ما يحفّ بجيل من الطلاّب من مخاطر التطرّف ومزالق التوظيف مهما كان مأتاه؟ كيف يمكن للجامعة أن تسهم في بناء شخصيّة طالب واع بشروطه التاريخيّة، مدركا أنّ المواطنة والمغايرة وقبول المختلف هي الشروط الحقيقيّة لممارسة أيّ فعل ديمقراطي؟
ما البرامج التعليمية والتثقيفية التي يجب على الجامعة - بكل مكوّناتها - أن تضطلع بها؟ كيف يمكن لتقويم تجاربنا التعليمية وإرساء أسس متينة لإصلاح جذري وتشاركي لمنظومتنا التعليمية أن يسهما في إرساء القيم المدنية من حرية أكاديمية وخلق مناخ تعلّمي حرّ وتطوير كلّ القدرات والكفاءات؟ كيف يمكن للجامعات المحلّية تطوير إشعاعها العلمي وبناء تجارب ديمقراطية تشاركية بين مختلف مكوّناتها العلميّة والبيداجوجيّة؟
لا شكّ في أنّ لكلّ الأطراف دورا مميّزا وأن تشريك كلّ الطاقات الفاعلة من قوى المجتمع المدني بما في ذلك النقابة الوطنية للتعليم العالي واتحاد الطلبة وكافة الجمعيات التي لها بالموضوع صلة هو الكفيل وحده بإحداث النقلة الممكنة لجامعاتنا العربية في سياق تحدّيات تاريخية قاهرة.
لعلّي من خلال هذه الأسئلة وبمقتضى مواكبتي للشأن الطلابي والنقابي وانخراطي فيهما طالبا وأستاذا وبحكم اضطلاعي الإداري بمسؤوليات متعدّدة ومتابعتي لأنظمة التعليم الجامعي، وبموجب انخراطي في العمل الجمعياتي المدني يمكن أن أسهم بمشروع أفكار ترصد الواقع وتستشرف الأفق.
إنّ بلوغ هذه الأهداف لا يمكن أن يتمّ بدون معرفة دقيقة بأوضاع الجامعة التونسية وسائر الجامعات العربية الأخرى في مختلف مراحل بنائها وتطوّرها وفهم الدور الطليعي الذي لعبته وتلعبه في الإنماء الحضري والتطور التقني وفي مجالات الإبداع والخلق بمستوياته العلمية والفكرية والأدبية والفنية عموما. ولا ينكر إلاّ مكابر أنّ الجامعات العربية بمختلف تخصّصاتها قد أنتجت عقولا مفكّرة وطاقات مبدعة أسهمت وما زالت تسهم في حركة التحديث والتنوير رغم ما يسود بعض هذه الجامعات من حالات ارتداد وانكماش في العقود الأخيرة.
وما هذا التوازن المنشود في التكوين في قطاعات العلوم الصحيحة والإنسانية إلاّ من بين المداخل الأساسية لإرساء الثقافة المدنية ودعم القيم الوطنية. فبقدر ما تؤثّر هذه الاختيارات التعليمية وهذه البرامج الاستراتيجية في نحت كيان المتعلّم والمعلّم يكون لتأثيرات المحيط السياسي والمناخ الاجتماعي والواقع الثقافي الأثر البيّن في تلوّن أيّ مشروع مدني بإحباطه أو بتيسير دوره في خدمة الصالح العام.
وفي هذا السياق يندرج سؤالنا: ما دور الجامعة في مقاومة الإرهاب وكسر شوكته؟ وكيف تسهم الجامعة في بناء أسس التنوير الفكري بعيدا عن التجاذبات السياسية والحزبية؟ أي كيف تمارس الجامعة حيادها الإيجابي دون أن تتخلّى عن رسالتها العلمية والفكرية والإنسانية؟
وإذا قلنا إنّ الجامعة فضاء علم وبحث وإبداع أمكن لنا أن نحدّد رسالتها في تشكيل هذا العقل العلمي، مهما تكن مشاربه ومكوّناته الأصليّة التي أسهمت في صقل معالم هُويّته الذاتية والجماعية: أعني تأثير المدرسة والأسرة والمحيط.
ولا شكّ في أنّ لهذه الأوساط أدوارا تتفاوت قيمتها في توجيه مناحي التفكير والسلوك عند الطالب انطلاقا من البرامج وطرق التعليم وما توفّره المؤسسة من أنشطة ثقافية وترفيهية وما يتوفّر للطالب من خدمات، أعني كل ما يتعلّق بظروف العمل والإقامة والتنقّل وغيرها من الخدمات الشبيهة.
لعلّنا - ونحن نتحدث عن الإرهاب - نركّز في حديثنا على الجامعي المثقف المنتمي إلى تيار التقدم والحرية والديمقراطية المسكون بالوطنية. هذا الجامعي هو الذي واجه ويواجه العسف والتسلّط مهما تكن أنواعه سواء أكان استعمارا استيطانيا أو سلطة سياسية قامعة أو جماعات إرهابية حاقدة. ولست أذكّر بما حصل لعلماء العراق وأساتذة جامعاتها أثناء مسلسل الحصار والاغتيالات في مطلع الألفية الجديدة فترة العدوان الأمريكي البغيض. ولست أذّكر بما لقيه المفكرون والجامعيون والإعلاميون وأهل الفن والإبداع من ملاحقة في الجزائر حين استشرى المدّ الديني المتطرّف.
تكفينا قولة "أحلام مستغانمي" وهي ترصد اللحظة الدموية: "سبعون كاتبا وصحافيا سقطوا في الجزائر في عشريّة الدم وسنوات الإرهاب مخضّبين بحبرهم على يد قرّاء لم يقرؤوهم، لكنّهم على قناعة بأنّهم يملكون حقا إلهيا يفوّضهم واجب محاسبتهم وقطع رؤوسهم وكسر أقلامهم إلى الأبدّ".
ولو لم يكن لسلطة الدولة القدرة على رده وردعه لعبث الإرهاب بالبلاد والعباد شرّ عبث. ليس الإرهاب ما نرى ونسمع ونعيش في وسائل الإعلام مجسّدا في وقائع فحسب، وإنما هو إرهاب مستتر يلبس أقنعة ويسكن البيوت والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والشوارع والبرّ والبحر والجو، يتسلّل من وراء الحدود، ومن وراء سياجات عقولنا.
إنّ الإرهاب يسكن سلوكنا حين نروّج للخرافات والشعوذة والسحر، ونؤمن بختان البنات وبوصايا وتعاويذ أئمة يرفلون في الجهل المكين، وفي الحقد الدفين.
إنّه إرهاب يقول عنه محمود درويش: "إرهاب يميني ولو وقف على يسار الضحية، إرهاب أصيل عروبي نابع من ذواتنا غير مستورد، مُستشر خلف حجاب رغم أنّه ذكر ويصلّي خمس مرات في اليوم إذا شئتم، تقيّ أصولي يقطع اليد الممتدّة إلى الرغيف والحرف بحدّ السيف، وفق الشريعة. وأحيانا متمدّن، يستخدم أرقى أدوات التعذيب البشري ومراقبة الأحلام على الشاطئ " (1).
إنه إرهاب يشلّ القدرات ويقتل الكفاءات ويستنزف الثروات ويطمس الحضارات.
ألا يعدّ تهويد القدس وتقويض آثار العراق وسوريا وتدنيس متحف باردو جرما إرهابيا فاق كل حدود العدوان على حضارات الأمم وتاريخها الأثيل؟
ألا يعد اغتيال المناضلين الكبيرين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي ورجال الأمن والجنود مؤامرة إرهابية نُسجت خيوطها في الداخل والخارج. ربما قد تكشف العدالة عن نسيج خيوطها يوما وهذا ما نأمل.
وليس الإرهاب إلاّ مؤامرة على الإنسان مهما تكن درجة علمه ومهما تكن جنسيته. إنّها مؤامرة متحرّكة ومتبدلة ومتشابكة، مؤامرة متعدّدة الجنسيات تحرّكها الصهيونية وأصحاب الشركات الاستعمارية الكبرى مسنودة بقوى رجعية ظلامية ومؤسسات سياسية عربية إسلامية.
وعليه يطرح سؤالان جوهريان: ما وضع الجامعي في مقاومة الإرهاب وما أثر تهميشه عن مشهد ثورة التغيير الحقيقية؟
وهل نحتاج اليوم إلى ثورة ثقافية نعيد فيها مراجعة الوظائف التاريخية لكلّ الأطراف الفاعلة في تغيير المجتمع وعقليات أفراده؟
لا يمكن أن تتحقّق هذه المراجعة في نظري إلاّ بـ:
1- نشر فكرة المواطنة الحقيقية بدون شعارات وتهريج فولكلوري.
2- زرع عقيدة العمل والشعور بالمسؤولية.
3- تحفيز الجميع على حب الوطن بوضع استراتيجيات تعليمية وثقافية وحقوقية مدنية.
4- ترشيد السلوك اليومي ومحاصرة الفساد بأنواعه.
5- إعلاء قيم الحرية المسؤولة والتسامح وقبول الاختلاف ونشر مبدأ العدالة الاجتماعية والحقوقية.
6- وضع خطة اقتصادية واجتماعية وثقافية للقضاء التدريجي على بؤر الفقر والجهل والبطالة.
7- مراجعة أهل السياسة لأساليب عملهم ودرء الأنانية والمصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة والمنطق الحزبي على حساب الانتماء إلى وطن.
8- تطوير الخطاب الإعلامي بمختلف مشاربه وأصنافه وتذليل عوائقه؟
ويبقى السؤال: كيف يمكن للجامعي أن يسهم - من موقعه الآن وهنا - في محاربة الإرهاب؟
والرأي عندي أنه لا بدّ من تشريك الجامعي، من خلال أطره العلمية والنقابية، في الاستشارات العامة والتسريع في الإصلاحات الجوهرية في التعليم والتشغيل والإعلام والثقافة بمشاركة أهل الذكر من هيئات فكرية ونقابية خاصة.
ويمكن أن يتمّ هذا عن طريق سلسلة من اللجان الدنيا والوسطى والعليا يديرها أكفاء في المجالات الحيوية المذكورة بتحديد أهداف عاجلة وآجلة مخطّط لها تخطيطا دقيقا.
هكذا يمكن أن أخلص إلى القول:
إنّ الإرهاب لم يعد ظاهرة محلّية وإقليمية، وليس له جغرافية محدّدة لأنّه صار يسري كالوباء في جسد البشرية مهما كانت أعراقهم أو ألوانهم أو دياناتهم، يأكل الأخضر واليابس. ولأنه كذلك، فإنّ مقاومته لم تعد شأنا خاصا يهم الأفراد والجماعات المحليّة والأوطان المغلقة، وإنما مسؤولية جماعية شاملة.
وليست المدرسة بكافة مراحلها والجامعة إلاّ من الأطراف الأساسية في تحمّل هذه المسؤولية. ذلك أنّ المدرسة والجامعة تسهمان مساهمة فاعلة في تشكيل عقل، قد يكون منغلقا متحجّرا وعنيفا أو متسامحا ومنفتحا ومختلفا.
ــــ
(1) شهادة محمود درويش وردت في كتاب عنوانه: في وصف حالتنا. وهي مقالات مختارة للشاعر كُتبت بين 1975و1985 في حصار بيروت وحصار المخيمات الفلسطينية.