صفحة من حديث الثورة

19/01/2016 - 7:39:53

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

صلاح زبادي

خمس سنوات مضت على ثورة قام فيها الشعب بدور المؤلف والممثل والمخرج، لم يكن ثمة دخيل يقوم بتعديل السيناريو أو يغير فى ترتيب المشاهد أو حتى فى توزيع الأدوار، ولكنها يوميات كتبها من ذاقوا طعم الظلم وتجرعوا مرارة ديكتاتورية عصفت بكل أحلامهم وذهبت بها إلى مجهول.
عن ثورة 25 يناير التى شارك بها المصريون فى صناعة التاريخ أحدثكم، ثمانية عشر يوماً قامت فيها كاميرا الثورة بتصوير مشاهد على غير ترتيب مسبق كان أولها نهار خارجى لشوارع مصر مكتظة بشباب أرادوا كسر حاجز الظلم وكبت الحريات وتحطيم صنمى الفقر والبطالة فى ميدان عام فكان ثانى المشاهد فى هذا الميدان الذى شهد باقى أيام التصوير. طبيعى أن يبدأ كل شىء من أسفل ثم يتصاعد تدريجياً حتى يبلغ مداه، كذا الموجة الثورية بدأت بمطالب تمس آدمية الإنسان فكان الهتاف "عيش - حرية - عدالة اجتماعية " ولكنها سرعان ما تصاعدت إلى المطالبة برحيل من تسبب فى تعطيل هذه الحقوق أعواماً كان فيها الشعب كماً مهملا بالنسبة لهذا النظام الذى لم يعرف حقوقاً لمواطنيه ولا فكر يوماً فى سماع آهات مرضى فى ممرات مشاف تكدست بقاطنيها حتى أصبح الموت أمنية من أسمى أمانيهم، ولا شغل باله بأجيال قد عانت رداءة التعليم وانحطاطه حتى ظهرت أجيال لم تجن من التعليم شيئاً وكأنهم كانوا يحرثون فى البحر، ولم تكن الحريات فى اعتبار هذا النظام حتى أنه أنكر على الشعب غضبته عندما طفح الكيل وانفجر بركان الغضب بل إنه تعامل مع الأمر بسطحية حتى آخر لحظة. رجال ونساء عجائز وأطفال ظهروا فى الميدان لم يجمعهم إلا حلم الخلاص من طاغوت جثم على صدورهم فجعل أبسط حقوقهم حلماً بعيد المنال، هتافات تعلو بحماس وقوة، ومكبرات صوت تجهر بمحاضرات المثقفين وذوى الخبرات فى التاريخ النضالى، وأحاديث جانبية كطنين النحل تحكى حكايات من كتاب ظلم النظام ، فهذا رجل يرتدى قبعة ومعطفاً داكن اللون وتظهر عليه الشيخوخة وما إن تقترب منه وتسمعه يحدث من حوله حتى تعرف أنه رجل أربعينى أصابته الخصخصة فخلعت عليه مظاهر رجال المعاشات الذين يكبرونه بعشرات السنوات، وهذه سيدة تحكى عن أبنائها الأربعة الذين تخرجوا فى الجامعات المصرية ولم يعثر أحد منهم على فرصة عمل حتى فكر أصغرهم فى هجرة غير شرعية فلقى مصرعه فى أحد قوارب الموت، وهذا رجل سبعينى يتحدث عن ابنه الوحيد الذى حصل على تقدير عال فى إحدى كليات القمة ولم يتم تعيينه فى كليته فاتجه إلى العمل فى أحد المعامل الأوروبية وطلق البلد وما فيها طلاقاً بائناً لا رجعة فيه وترك أباه ذا الشعر الأبيض بلا سند، وغير ذلك من عجائب حكاها من وجدوا فى الميدان ورأوا فى الثورة متنفساً لما يكبتونه فى نفوسهم وقلوبهم بل حلاً جذرياً لمشكلاتهم المختلفة بتغيير هذا النظام فتغير الهتاف إلى "ارحل". وهذا مشهد من مشاهد ليل الميدان، أحاديث ومواقف يرويها بعض الخارجين من الميدان عن يومهم الذى قضوه بين المعتصمين وأغلب هؤلاء قاهريون يمضون نهارهم بين الناس فى الميدان حتى إذا جاء الليل ذهبوا إلى بيوتهم ليعودوا فى الصباح وينضموا إلى صفوف الثوار، أحلام متشابهة تطوف بمن توسدوا أرصفة الميدان، مدينة فاضلة تمحو آثار الإهمال والجهل واللامبالاة التى غرقنا فيها إلى الرؤوس كانت هى المشهد المشترك فى كل حلم رآه العجائز قبل الشباب ، حتى إذا استيقظ الحالمون وجدوا أنفسهم فى مشهد ثورى جديد يعتبرونه معولاً يشقون به الطريق إلى مدينتهم الفاضلة. سقط النظام فى الحادى عشر من فبراير وانتظر الثوار الحالمون تغييراً فى مناحى حياتهم إلى الأفضل كعادة الثورات فى تغيير حياة الشعوب، سياسة داخلية وخارجية تضمن للمصرى كرامة بين الجنسيات المختلفة، تحسين فى معيشة الطبقات المهملة ينتشلهم من وحل الفقر الذى لازمهم، واهتمام بطاقات الشباب التى تهدر فيما يضر المجتمع، هيكل إدارى للدولة عموماً يخلصهم من الروتين الممل الذى عطل مصالح المواطنين وفتح باب الرشوة على مصراعيه، وأمنيات لا تحصى رآها هؤلاء فى سماء الثورة وتمنوا لو أمطرتها السماء عليهم. والآن وبعد خمسة أعوام مرت على أحلام الثوار، هل أمطرت سماء الثورة ما فيها من أحلام هؤلاء العطاشى الذين ينتظرون الغيث ليحصدوا ثمار ثورتهم ؟، أم أن السماء أمسكت على ما فيها من خير ليظل الحالمون فى انتظار تحقيق أحلامهم؟، وهل ما صورته كاميرا الثورة من مشاهد ورآها كل ذى عين كانت مطالب وأحلاماً مشروعة يرجى تحقيقها أو يتوقع؟، أم أنها مجرد مشاهد تم تصويرها على أنها للعرض فقط وبعد انتهاء العرض تغلق السينما أبوابها ليذهب كل إلى حيث جاء؟!، دون التفكير فى تحقيق ما شاهدوه داخل صالة المشاهدة.