هجرة العقول .. بين قوى الجذب وعوامل الطرد

19/01/2016 - 7:35:09

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

هالني، ونحن بصدد الاهتمام بتطوير البحث العلمى والسعى الحثيث لحل مشاكله، ما سمعناه من خبر سريع ـ صرحت به بعض المصادر الإعلامية مؤخرا_ أشار إلى تزايد معدل الهجرة من مصر بنسبة تقترب من 25 ٪ عن ما قبل، ومن جهة أخرى ولأسباب كثيرة، تتعرض مصر والمنطقة العربية منذ فترة ليست بالقصيرة إلى موجات متوالية من نزيف العقول (Brain-Drain)، أو هجرة الأدمغة، إلى البلدان الغربية، وهى من المسائل التى ينبغى أن تُواجَهَ بكل حزم وصرامة، ومن الضرورى أن نصمم على النجاح فى معالجتها، بكل الطرق، وبما يضمن لنا احتفاظنا برؤوس أموالنا الحقيقية، وهى الموارد البشرية المُدرّبة، عقول مصر والمنطقة العربية، وخيرة أبنائها، فكيف نتركهم هكذا يتفلتون، لكى يبنوا ويعمروا ويعملوا على تقدم بلاد غير بلادهم، على حساب بلادهم؟!
ومن الضرورة العمل على اجتذاب هؤلاء الأفراد المدربين المُتميزين بشتى الطرق، وفى الوقت ذاته يجب التلويح ببعض الإجراءات القاسية التى لا يستطيعون أمامها اختراق الخطوط الحمراء، والإقدام على مثل هذه التجاوزات الخرقاء، كما فعلت القيادة السياسية ممثلة فى الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر ـ فى وقت من الأوقات ـ حينما لمح إلى هؤلاء الطلاب ـ الذين تبتعثهم البلاد للتعليم والتدريب ونيْل أرقى الشهادات كالماجستير والدكتوراه ـ ويعيد إلى أذهانهم أنهم مَدينون إلى بلادهم الفقيرة، التى تنفق عليهم أموالا طائلة؛ وبهذا يحثهم على ضرورة العودة للمساهمة فى تنمية بلادهم وإعمارها، ومن ناحية أخرى أوصى عبد الناصر ـ كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز فى 9 يناير 1966 فى صفحتها 18 ـ الحكومة أن تستثمر طاقات هؤلاء الدارسين العائدين فى الأماكن المناسبة التى تتلاءم مع إمكاناتهم ومكانتهم؛ فى محاولة منه للحدِّ من خيبة الأمل التى تستشعرها هذه العقول والكفاءات فى مستقبلهم ومستقبل أولادهم وبلادهم لدى عودتهم بالمقارنة إلى وضعهم فى البلاد التى تعلموا وتدربوا فيها.
ويعترف مدير معهد أدلاى ستيفنسون بشيكاغو وليم بولك William R. Polk أن البلدان النامية تخسر حوالى 25 ٪ من المفكرين ورجال الاختصاص بسبب الهجرة. كما جاء فى تقرير أشرفت عليه الأمم المتحدة سنة 1966 أن الدول النامية تخسر عددا كبيرا من عقولها المهرة إلى الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة التى تستقبل كل عام 5000 مهندس معظمهم من الدول النامية التى تحتاج إلى خبرتهم وعلمهم، كما تستقبل أيضا حوالى 50 ٪ (أى 7000) من الأطباء الذين تحتاج إليهم من الدول النامية ـ مع ملاحظة أن هذا التصريح أدلى به صاحبه فى أواخر ستينيات القرن العشرين.
لحل أية مشكلة من المشاكل المعقدة المتشابكة مثل مشكلة الهجرة، لابد أولا من تعقب أسبابها، والتعرف إليها جيدا، ومحاولة التصدى لها لحلها حتى يمكن أن نصل إلى نتيجة مُرضية بشأنها. وفى هذا الصدد جاء فى صحيفة "الأهرام الاقتصادى" حول هذه المشكلة: سيظل موضوع الهجرة شاغلا ومحيرا لنا مادامت ظروف الجذب والإغراء الخارجية مستمرة ومتزايدة بالصورة التى تضعُف أمامها مقاومة الآخرين. وما دامت ظروف الفنيين والخبراء فى الداخل مستمرة بالشكل الذى هى عليه الآن، والتى يمكن أن نصفها بأنها غير مشجعة على مقاومة الإغراءات الخارجية، بل إنها ظروف "طاردة" فى بعض الأحيان!
وقد لخص الدكتور إلياس زين في كتابه "هجرة الأدمغة العربية" الأسباب الأساسية التى تدعو الكفاءات العربية المدربة إلى الهجرة فيما يأتى:
1ـ البحث عن المال والربح المادى.
2ـ عدم توافر فرص عمل مناسبة لهؤلاء المتخصصين.
3ـ عدم احترام وتقدير العلماء.
4ـ الزواج من أجنبيات.
5ـ عدم توافر الاستقرار السياسى والاقتصادى.
6ـ عدم وجود تخطيط تربوى وتوجيه وإرشاد مهنى.
وقد أجرت اليونسكو دراسة حول هجرة الأدمغة من مصر بين عامي 1956 و1966، وعرضت النتائج فى المؤتمر الخاص بالعلوم والتقنية الذى انعقد بالجامعة الأمريكية فى بيروت فى ديسمبر 1968، وركزت الدراسة على فحص ملفات 148 طالبا مصريا ممن بعثوا إلى الخارج بمنح ولم يعودوا. وهذا جدول إحصائى يبين أعداد الدارسين المهاجرين والبلاد التى درسوا فيها والبلاد التى هاجروا إليها:


اسم البلد عدد الدارسين عدد المهاجرين إليها


الولايات المتحدة 85 107
انجلترا 22 9
ألمانيا الاتحادية 24 16
سويسرا 6 5
إيطاليا 1 1
هولندا 2 2
البلدان الاشتراكية 8 8


المجموع 148 148
وقد كانت نسبة من تخصصوا فى العلوم الأساسية هى الأعلى (22٪)، يليها الهندسة (21٪) والآداب (21٪) ثم علم الحياة والزراعة (14٪)، يليها الاقتصاد (13٪) والطب (9٪) الذي جاء فى المرتبة الأخيرة ـ على أهميته ـ نظرا لأن المتخصصين فيه يلقون من التقدير الأدبى والمادى فى بلادهم ما يضعف من إغراءات هجرتهم.
والجدير بالذكر أن إنجلترا حينما واجهتها هذه المشكلة بالنسبة لخبرائها الوطنيين، لجأت إلى حلول جذرية مثل: محاولة وضع قوانين تسد على الراغبين فى الهجرة الطريق، بيد أن الرأى العام رفضها حينذاك متعللا بأنه لا يجب أن تقام سدود أمام حرية البشر، ومن ناحية أخرى فقد أدركوا أن القهر والغصب لا يزدهر معهما عمل.
أما الحل الأمثل ـ كما ذكره محرر "الأهرام الاقتصادى" بتاريخ 17 يوليو 1970 ـ فقد تم حينما عمد المسئولون إلى وضع إغراءات حقيقية تتضاءل معها إغراءات الهجرة؛ ومن ثم عمدت بريطانيا إلى زيادة رواتب هؤلاء الأفراد زيادة كبرى، مع تسهيل وسائل البحوث لهؤلاء الشباب، مما أدى معه إلى حل، أو تخفيف لحدة هذه المشكلة آنذاك.
ولحل هذه المشكلة فى بلادنا لا بد من تضافر الجهود والعمل بأسلوبين أحدهما على المدى القصير والآخر على المدى الطويل. أما على المدى القصير فلا بد من توافر المناخ الذى يعمل بفعالية على اجتذاب هؤلاء الأفراد بتحسين رواتبهم وتخصيص مساكن لهم ومواصلات، وبعض المميزات الاجتماعية (كسهولة انخراطهم وأسرهم فى النوادى، وخلافه)، وتحسين بيئة العمل والظروف التى يعملون فى ظلها، وفصل السياسة عن العلم مما يعمل على توفير مساحة معقولة من الحرية التى تكفل لهم الإبداع والانطلاق كما مارسوا فى الدول الغربية التى تدربوا وتعلموا فيها.
هجرة من نوع آخر:
وهناك هجرة من نوع آخر، هجرة مقنعة، تتم أولا فى صورة إعارة لمدة خمس سنوات، وقد تمتد إلى عشر سنوات، يقوم خلالها المعار بعمل علاقات قوية بينه وبين زملائه فى الجامعة أو المركز البحثى المعار إليه ليتم الاتفاق على استمراره فى هذه الإعارة مع توفير معاذير شكلية تضمن له الحصول على إجازته من مصر، عن طريق منح زوجته عقدا شكليا يستطيع من خلاله الحصول على موافقة جهة العمل على مرافقة الزوجة، هو حق دستورى كفله القانون ولكنه فى الواقع حق شكلى يراد به باطل فعلى! وهكذا تستمر الإعارة إلى أكثر من ربع قرن على هذا النحو الغريب والمريب الذى لا تستطيع معه القيادات الجامعية عمل أى شىء لتوقف هذه التمثيليات السخيفة. فهى إذن هجرة على هيئة إعارة!! ومن ثم لا بد من النظر فى سد الثغرات القانونية التى تتيح لهؤلاء سلوك هذه الطرق اللولبية للحصول على مغانم شخصية بصرف النظر عن مصلحة البلاد.
أما الحلول طويلة الأمد فلن تتأتى إلا عن طريق التعليم الحقيقى الجيد، وهو الذى يؤدى إلى إنتاج خريجين على مستوى عال، يعملون على نهضة البلاد، وتقدمها فى جميع المجالات؛ مما يؤدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة بها، وازدهار الأحوال كافة، فتتحسن بذلك الرواتب والأحوال المعيشية، وتزدهر فى هذا المناخ قيم العدل والحرية والمساواة، وتخف حدة البيروقراطية والمحسوبية والروتين والتخلف، وهو ما يدفع بعض ذوى العقول إلى الهروب من البلاد إلى أرض الله الواسعة!