لانجستون هيوز شاعر الأنهار العظيمة

19/01/2016 - 7:29:50

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

حسين عبد الزّهرة مجيد - كاتب عراقي

على الرغم من أن لانجستون هيوز شاعر مبتكر في الشكل والمضمون، ورائد كبير من رواد الحداثة الأمريكية في القرن العشرين، إلاّ أنه لم يلق من اهتمامنا ما يستحقه، وغاب صوته من حركة الحداثة الشعرية العربية، ولعل هذا يعود إلى عنصرية الثقافة التي لو عزلنا منها في جانب ت. س. إليوت، وفي الجانب الآخر بودلير ورامبو، لم يبق أمامنا غير القلة من الشعراء التي تستحق النظر إليها، ونادرا ما نجد فيها صوتا بارعا معذبا مثل صوت هيوز.
ولد لانجستون هيوز في الثاني من فبراير 1902 في مدينة جوبلن بولاية ميسوري الأمريكية، وعاش محروما من الوالدين. عرف الأب مبكرا أن لا كرامة في بلاد الدببة البيض، فسار يطلب الحرية حتى وصل إلى المكسيك. وذاقت الأم شظف العيش، وصارت تنتقل من مدينة إلى أخرى، ومن زوج إلى زوج، ومن فقر إلى فقر، أما الولد فكان يكبر في أحضان الغرباء. عرف كيف يسير من عمل إلى عمل في ظل العبودية العمياء. يلمع أحذية البيض في الفنادق، أو ينظف ما تركته أفواههم في المباصق النحاسية لقاء خمسة قروش في الأسبوع. لكن عقله الصغير كان يسرح بعيدا هناك. كيف يصبح العظيم عظيما؟ ماذا يفعل أبي الآن في المكسيك، وماذا تفعل أمي الآن في مجاهل مدينة ألينوي؟ كان يود لو كان له أخ يتحدث إليه بدلا من مناجاة نفسه. حينما أكبر، سأتزوج ويكون لي الكثير من الأولاد، ولن يكونوا وحيدين مثلي. في المدرسة الابتدائية السوداء تفتحت عينا الصبي الأسود على كلمات شكسبير التي كانت تقرأها المعلمة في الصف، حتى أنها قرأت على التلاميذ يوما قصيدة لشاعر ناشئ يدعى كارل ساندبيرج يصف فيها شيكاغو فيقول:
عمودٌ من الحديد ـ لا شيء غير
الدخان في القلب، دخان رجل ودمه.
أحس الصبي في وجدانه بكلمات هذا الشاعر المباشرة والقوية في حديثه عن العمال الذين يعرفهم. كان يغني للعمال الذين ذابوا في مصاهر الحديد والنار في مدن أمريكا الرأسمالية، وكان ساندبيرج قد خبر أعمالا عديدة في حياته، فاشتغل حمّالا، وسائق شاحنة، وغسالا، وبناء، وجنديا، وبوابا، ومراسلا أدبيا. عرف مدن أمريكا وشوارعها المزدحمة، وعرف صراع الرجال مع الآلة الكافرة. في قصائده حزن وألم، لكن الصغير لانجستون سمع فيها الغبطة والفرح، ووجد في ثنايا كلماتها حبا للحياة، وخيالا خصبا يتجاوب مع الرقة والعذوبة. صحيح أنه شاعر عنيف، لكنه كان أيضا رجلا غنائيا رقيقا. لم يكترث لانجستون كثيرا لمواضيع الشاعر بقدر ما انتبه إلى لغته البسيطة، لغة الشعب.
ها قد قبس شاعرنا على الجذوة البرّية التي أخذت تتأجج في قلبه لتملأ الدنيا محبة ووفاء. كانت أقدامه في الوحل، ورأسه متطلع إلى النجوم. حينما بلغ الثامنة عشرة ركب القطار وغايته رؤية أبيه البعيد الذي لم يره. كان يتساءل في نفسه عن سرّ كره أبيه لأهاليه السود الذين يحبهم. اقتربت ساعة الغروب، والقطار يتلوى على الجسر الذي يقطع نهر المسيسبي. نظر الشاب من النافذة إلى النهر الفوار بالطمى يحمله جنوبا إلى قلب المدينة، وأخذ يتساءل عما يعنيه النهر للزنوج في الماضي، وكيف عبره من قبل أبراهام لنكولن ورأى بعينيه بؤس الزنوج، فراهن على نفسه بإلغاء التفرقة العنصرية. أخذ النهر العظيم شاعرنا إلى أنهار أخرى، فعبر الكونجو، والنيجر، والنيل. قال إنه يعرف أنهارا كثيرة... كتب هذه العبارة على ظهر غلاف الرسالة التي جاءته من أبيه، وكانت ولادة قصيدة "الزنجي يتحدث عن الأنهار":
عرفتُ أنهارا كثيرة:
أنهارا قديمةً قِدمَ العالم وأكبر من سريان الدم في العروق.
كبرت روحي كالأنهار.
اغتسلتُ بالفرات وكان الفجر صغيرا.
بنيتُ كوخي على ضفة الكونجو الذي هدهدني لأنام.
نظرتُ من أعالي النيل وبنيت الأهرام.
سمعت غناء المسيسبي حينما كان لنكولن يمضي إلى نيو أورلينز ورأيت صدره الطيني ذهبيا في المغيب.
عرفتُ أنهارا كثيرة:
أنهارا قديمة، معتمة.
كبرت روحي كالأنهار.
ولدت القصيدة من لمحة خاطفة وسارت بين يدي الشاعر متدفقة كالنهر. عادة ما يكتب الشعراء البيت الأول من قصائدهم، والله وحده كفيل بالباقي. منذ القدم والإنسان مغرم بالأنهار العذبة، وقد جعل العيش على شواطئها أمرا مقدسا، وما تأريخ المدن العريقة كبغداد، ودمشق، والقاهرة إلاّ سجل للحياة بالقرب من دجلة، وبردى، والنيل. يقولون أبونا المسيسبي، ويقولون أمنا الفولغا. والحقيقة أن المواليد تخرج من فيضانها الأول حينما ينفلق كيس الحياة عن السائل المحيط بالجنين في رحم الأم. وكما أن المرأة تلد لبعلها، يكون من المعقول للرجل أن يعيد العملية معكوسة عن طريق الحلم، وهذا هو الجانب الرمزي في مياه النهر. لكن النهر هنا نهر زنجي أسود الروح. إنه تميمة إفريقية قاتلة كما يقول هيوز في قصيدة أخرى قصيرة جدا، لكنها مكتنزة بالصور:
وجه النهر
الهادئ البارد
طلب مني قبلة.
يعرف الشاعر كيف يختار رموزه المحلية الغنية، فحتى القمر عنده قمرٌ إفريقيٌّ خالٍ تماما من كل المعاني الأنجلو سكسونية المضببة. قمرٌ عالٍ، أنثويٌّ، ناصع البياض. إنه قمر البراءة الأولى الذي حمله السود معهم إلى أرض اللعنة:
القمَرةُ عارية.
عرّتها الريح.
خلعت ثيابَ السحابِ عنها
والآن عاريةٌ
عاريةُ تماما.


لكن لماذا لا تستحين
أنتِ يا عديمة الحياء؟
ألا تعرفين
أن ليس من العفّة أن تكوني عارية؟
عاد الولد خائبا من الرحلة. كان الأب قد قطع كل جذوره بأمريكا، وكان الابن سائرا خلف غواية الشعر. كان يشعر أنه أمريكي مثل كل الأمريكان، لكنه يبحث عن معانيه في أشد الزوايا ظلمة، تلك التي لا يريدها أحد:
الليلةُ جميلةٌ
كذلك وجه شعبي،
النجومُ جميلة
كذلك عيون شعبي.
جميلةٌ، أيضا، هي الشمس،
جميلةٌ، أيضا، نفوس شعبي.
عاد هيوز إلى خدمة الفنادق، وهو الآن صبي يحمل الطعام في فندق معروف بواشنطن. عرف يوما أن شاعر الشعب فاشيل ليندسي يقيم في الفندق. ما أن جلس الشاعر إلى المائدة حتى حضر هيوز. أعد له المائدة، وترك له في الصحن ثلاثا من قصائده، ولم يزد على القول إنه يحب قصائد الشاعر، وهذه هي قصائده، ثم أسرع عائدا إلى المطبخ. في تلك الليلة قرأ ليندسي عاليا على الجمهور قصائد الشاعر الناشئ في القاعة الكبرى في الفندق، وبشر الحضور بمولد شاعر أمريكي جديد، لكن هيوز لم يكن بين الحضور ذلك لأن إدارة الفندق تمنع السود من الدخول. في الصباح كان مراسلو الصحف ينتظرون رؤية هذا الشاعر الوليد الأسود، ماذا يشبه؟
وبين عشية وضحاها انتشر اسمه في كل المدن. تلك هي أمريكا، بلد الأحلام المكسورة. أحس الشاعر الكبير ليندسي بالخجل من رؤية هذا الشاعر المطرود من حفل عرسه الأول، فترك له على المنضدة في غرفة الاستقبال كتابا للشاعرة آمي لويل يحكي عن حياة جون كيتس، وكتب له على الصفحة الأولى من الكتاب رسالةً طويلة يحثه فيها أن لا يضعف أمام المتشدقين بالشعر، وعليه أن يتوارى وحده كي يكتب ويدرس ويفكر. شعر هيوز أنه الآن في حديقة للحيوانات، فالكل يريد رؤية هذا المخلوق الجديد النادر، فترك العمل في الفنادق. وضع على رأسه القبعة البيضاء العالية وصار يبيع السمك والمحار. بعدها، لا بد من نيويورك. وفي نيويورك يأخذ الناقد كارل فيختن قصائد هيوز لينشرها له في الديوان الأول: "الأغاني المملة". بعدها لم يعد أحد في أمريكا يخاف أو يخجل من القراءة لشاعر أسود، فالشعراء السود جميلون، وقبيحون أيضا مثل كل الأمريكان.
عذراء النبيذ
في ليلة الجاز،
شفاهٌ
حلوة كندى الأرجوان،
ثديان
كوسائد الأحلام الجميلة،
من عصر
أعناب الفرح
وقطّر رحيقها
فيك؟
غادر هيوز عالمنا في الثاني والعشرين من مايو 1967، ولم يكن معه غير الممرضة في المستشفى في مانهاتن. وفي اليوم التالي نعاه الشاعر الكوبي نيكولاس جوين قائلا: "الحقيقة أني كنت أتوقع كل شيء من هيوز إلاّ الموت".
كنتُ أتساءل
عن الحياة والموت ـ
أعتقد أن الفرق بينهما
كالفرق بين الدموع والنحيب.
كنت أتساءل
عن الهنا والها هناك ـ
أعتقد أن المسافة بينهما
غير موجودة.