محمد عبد الحليم عبد الله .. البراءة موضوعا وأسلوبا

19/01/2016 - 7:27:51

محمد عبد الحليم عبد الله محمد عبد الحليم عبد الله

محمود القاعود - كاتب مصري

الإنسان ابن البيئة.. وثمة شبه اتفاق بين النقاد على أثر البيئة في "المؤلف" عند الحكم على "النص" وديناميكية السرد، وإن كانت بعض مدارس النقد الحديثة كالبنيوية والتفكيكية في مقارباتها النقدية تسعى لإزاحة المؤلف وتقول بموته، كما عبر الناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه الشهير "موت المؤلف": الكتابة هي السواد والبياض الذى تتوه فيه كل هوية بدءا بهوية الجسد الذي يكتب.(142).
وتبقى البيئة بطبيعة الحال من التأثير بمكان بحيث إن حضور النص يكاد يُعبر عن البيئة التى ألهمت "المؤلف – الراوي" بالنص وأثرت بالتبعية في المتلقي "القارئ". وبالنظر إلى العالم الإبداعي عند محمد عبد الحليم عبد الله، نجد طغيان البيئة (الريف) على غالبية أعماله، حتى شكلت حالة خالصة من النشوة تقابلها حالة مماثلة من الشهوة الحكائية، ليتحول النص في رواياته وقصصه من سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية الجمالية، ليبلغ الذروة الرومانتيكية في كل النصوص التي تناولت العاطفة بتقلباتها وتنوعاتها.
ولد محمد عبد الحليم عبد الله في يناير 1913 في كفر بولين بمحافظة البحيرة، وتخرج في مدرسة "دار العلوم العليا" عام 1937. نشرت أولى قصصه وهو طالب عام 1933، وعمل بعد تخرجه محررا بمجلة "مجمع اللغة العربية" حتى أصبح رئيسا لتحريرها، وأصبح من أشهر كتاب الرواية، ونشرت له عشرات الأعمال وتحول بعضها إلى أفلام سينمائية، وتوفي في 30 يونيو 1970.
في البدء كان الحُب! وقد حول عبد الحليم عبد الله موضوعات الحُب إلى دراما، وكانت روايته الأهم في تناول الحُب بإخفاقاته ونجاحاته "الوشاح الأبيض" أنموذجا في الدفق القصصي المتمكن من سبر أغوار النفس وتقلباتها، وإظهار خبيئة تختفي خلف قناع لا يُعبر عن الجوهر الحقيقي، فجاءت الرواية لتسطر قصة ربما عاشها الكثيرون، ولكن "الفعل الروائي" عنده يتفرّد في الشكل البنائي والمضمون الحكائي.
تنتمي الرواية إلى رومانسية حالمة تصطدم بصخور الواقع الصلدة التي تكسر الأحلام البريئة، وتُحيل بكارة الحُب وطهره إلى أحزان تستمر مع الإنسان حتى آخر العُمر! تحكي الرواية قصة "درية" الفتاة البسيطة الطالبة بالمرحلة الثانوية التي تقع في حُب "راضي" الشاب الميسور الذى أخلص في حبه، وعرض أمر الزواج على حبيبته، لكنها تتناسى كل العهود، وتفضل "الوظيفة" لتعمل مُدرسة بإحدى المدارس، ليُعاني راضي آلام الهجر وشعور اغتيال الحُب وخيانته، ويظهر "سعيد" الصديق الصدوق لراضي، ويعمل صحفيا وشاعرا غنائيا، ثم تمضي الحياة ثقيلة كئيبة على راضي، بينما انتقلت درية لتعمل بمحل أزياء كبير بالقاهرة، وتتعرف على زوجة "الأستاذ رضوان" الموسيقار، ومن خلالها دخلت درية عالم الغناء ثم تعرفت على الملحن منصور تلميذ الأستاذ رضوان، في الوقت نفسه كان كمال بك الشاب الجواهرجي سعي للاقتران بها، معتمدا على ثروته. لكنها تقع في حُب الملحن منصور، وتكتشف أنه كان زوجا لصديقتها، وبعد فترة تقرر الزواج منه وتنجب طفلا سرعان ما تخطفته يد الردى في سن الثالثة، ويُصبح منصور موسيقارا مشهورا وتعتزل درية الغناء، وتنجب بنتا.
في المقابل كان راضي يُعاني ويلات الفراق، ويبكي الحُب الضائع ويشتكي لصديقه سعيد في خطابات حارة ملتهبة تعبر عن مكابدة الشوق، وفى النهاية لم يجد مفرا من الزواج بزينب شقيقة زوجة الأخ الأكبر، وتنتهي الرواية باعتراف درية أنها ظلمت راضي، وتخلت عنه من أجل طموحها الذى جعلها تتهاوى لتعيش في سجن التعاسة والملالة.
استخدم عبد الحليم عبد الله أسلوب الغائب، وهو من الأساليب الشائعة، ليعطي نفسه الحرية في عرض السمات الفيزيقية للشخصية، وللتنقل بسلاسة بين المحورين الزماني والمكاني، فأجاد في السرد بطول المتن الحكائي، ليتجمع الخيط القصصي مع "الفعل الروائي" مشكلا نسيجا بديعا في العالم الرومانتيكي. وإن جاز لنا التعبير بعنوان عن الرواية فهو "انتصار البراءة على البرجماتية"! فالشاب المخلص أحب بكل جوارحه، وعانى كثيرا وظل سنوات أسير هذا الحُب، في الجانب الآخر كانت الفتاة "درية" البرجماتية تتعامل بمنتهى النفعية، وآثرت الوظيفة والسفر إلى طنطا، وصدت حبيبها بمنتهى القسوة ورفضت الزواج منه، واعتقدت أن الحياة ابتسمت لها، ثم تكون النهايات مناقضة تماما للبدايات.. فيتغلب الشاب على جراحه ويتزوج ويعيش باستقرار.. بينما تعيش "درية" أسيرة الانتهازية وحب الوصول الذي يدهس المشاعر دونما أي تأنيب للضمير، ليقدم المؤلف فكرته "هزيمة البرجماتية" أمام "براءة " الحُب.
جاءت عبارات الرواية متناسقة مع الإيقاع العام، وكأن الكاتب يعزف بالقلم، فتضمنت غالبية الصفحات مزيجا من الفلسفة والاستطيقا، ليلامس الأحاسيس الداخلية للقارئ، ويتركه في مساحة يختلي فيها بالماضي والذكريات وجماليات النص والصور البلاغية التي تعبر عن ثقافة موسوعية أضفت على "الفعل الروائي" مذاقا له رنين في نفس المتلقي:
"حتى خُيل إليها أن في قلبها من القوة ما يستطيع أن يلفظ من الأحباب حبيبا سكنه ستين عاما، وخيل إليها كذلك أن هناك نوعاً من الأمراض يصيب القلوب فيقتل فيها استعدادها الطبيعي لاستقبال أى رسالة فيعيش القلب عمره وهو لا يعرف إلا النبضات الرسمية التي يوزع بها الدم لا غير، أما النبضة الفتية ذات الألم اللذيذ والوخزة الحلوة فهي شيء لا تستطيع معرفته القلوب المريضة ".
"وكان قلبه يزعم له في كل مرة أنه خلو من الذكريات، وأنه أضرم النار في كل ما خلفته، فلم يبق أثر لماضيها"(ص 48)، "باتت درية ليلتها هذه تهيل التراب على الماضي بيد فيها قسوة وعين فيها دمعة" (ص 49).
ويوجه "سعيد" صديق "راضي" حديثه إلى درية: "هناك في حياة كل إنسان يا سيدتي ثغرة تبقى مفتوحة حتى آخر العمر وكثيرا ما يكون بقاؤها هكذا خيرا وأحلى مما لو قدر لها أن تسد لأننا في أواخر عمرنا نشعر بالسأم والملالة إن تحقق لنا كل ما كنا نشتهيه، أما إذا كان لنا فيما مضى أمل لم ننله، فإنه يتحول في هذه السنوات إلى ذكرى مدفئة حارة تسري حرارتها في برد شيخوختنا فتخفف عنا عناءها شيئا ما".
وتقول درية لابنتها: "كان ذلك في صدر شبابي أيام كنت ابنة رجل فقير. كنت جميلة طموحا وأحببت، لكني حنقت قلبي هو ومن أحبني واستمعت إلى نداء طموحي. ثم أحببت أباك وأحبني وجمعنا عش الزوجية يا بنتي ولكنني كنت سيئة الطالع سيئة التصريف". (ص 190)، وتضيف: "لكن يا بنيتي أعود فأقول لك: لقد فقدت الحبيب الأول متجنية عليه ثم اتهمته بالحق أو بالباطل.. اتهمته بأنه كان ضعيف الساعدين فلم يستطع أن يحتفظ بامرأة" (ص 191).
قد تبدو "الوشاح الأبيض" من ناحية المضمون، مكرورة حيث الحبيب المخلص والحبيبة الغادرة، وهي قصة موجودة بوجود الحُب على مرّ الزمان، مثلما يوجد الشر بصحبة الخير، لكن عبد الحليم عبد الله، استطاع ببراعة مدفوعا بشهوة القص الممتلئة بالأسلوب البلاغي المحكم، أن يحولها إلى عمل مهم يُلخص هذا الاصطدام بين الإخلاص والخيانة، ساعده على ذلك أنه أخلص لفنه، ولم يعبأ بالبروباجندا التي يُجيدها بعض الهواة.
كان محمد عبد الحليم عبد الله، كما الشاعر الفرنسي "فيليب جاكوتيه" الذى قال: الامّحاء طريقتي في التألق!