طوق النجاة

14/01/2016 - 9:40:08

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

كنت مع مجموعة صديقات، وفي جلسات الصديقات تدور الحكايا، كن يتكلمن عن صديقة لنا لم تحضر اللقاء، فهي ملازمة لوالدتها المريضة، هذه الأم التي أنجبت أربعة ذكور وثلاثة إناث،كبرت ومرضت وصارت تحتاج رعاية خاصة،الكل إنفض من حولها، لماذا؟ هذه الأم كانت منذ ولدت أصغر أولادها أو آخر العنقود كما نقول، وهي تعطيه رعاية أكبر وتدليلا بشكل استفز باقي الأشقاء، كل الأخوة كانوا يشعرون بهذا وهي لا تهتم لمشاعرهم، كان المفضل، اختار عروسا لا تناسبه ولم يرض عنها كل إخوته بلا استثناء، واعترض عليها والده أيضا، بكل المقاييس لم تكن تناسبه أبدا، لكن كيف يطلب ولا يتم تنفيذ طلبه؟ رغم أنف الجميع تمت الزيجة، بل وأصرت الأم أن يعيش مدللها هو وزوجته معها في نفس البيت فهي لا تطيق البعد عنه، ولم تعبأ وقتها بنصيحة زوجها، رفض لأنه يعرف أن هذه الزوجة لن تستقيم معها الأمور، ولن يصبح بيته هو البيت الكبير للأولاد والأحفاد، فوجود هذه المرأة سيجعلهم لا يأتون كثيرا، كل هذا لم يهمها، المهم أن يكون حبيب القلب معها، أغدقت عليه ودللت زوجته حتى أنها كانت تفضلها على بناتها، سنتان ورحل زوجها، ترك ميراثا كبيرا معظمه كان قد كتبه باسمها، وحتى تكمل ظلمها لنفسها باعت صوريا معظم ما تركه لها زوجها، باعته لابنها الذي كان ينفق ببذخ واستهتار، للأسف كانت زوجته أسوأ منه وعرفت كيف تستغل حماتها جيدا، حتى ذهبها أصبح ملكا لها وكأنها ترثها بالحياة،مرت الأيام ومرضت الأم، العجيب أنها عندما مرضت أقنعها ابنها أن تسجل باسمه البيت الكبير الذي يعيش فيه معها، وأن تهبه ما تبقى لها من ميراث، وكأنها لم تنجب غيره فعلت ما أراد، لم يعد من حق باقي الأبناء أن يدخلوا بيت أبيهم، فزوجة أخيهم لا تطيق وجودهم، وأمهم لا تدافع عنهم فهي لا تريد إغضاب مدللها، اشتد مرض الأم، وصارت تدخل إلى المستشفى أكثر مما تدخل غرفة نومها، لم تجد الرعاية الكافية، وفي  ليلة إتصل أحد الجيران بالابنة الكبرى، قال لها إن شقيقها الأصغر طرد الأم من البيت وأنها موجودة لديهم، لم تصدق الابنة ما سمعت، ركضت واصطحبت أمها وأصبحت تلازمها هي وأبناؤها، يطردها؟ واجهته أخته رغم أنها صار لها سنوات لا تكلمه بعدما تعدت عليها زوجته بالقول وطردتها من بيت أبيها، واجهته، فماذا قال؟ "والدتك أصبحت تهذي وأصابها خرف الشيخوخة، ولا أنا ولا زوجتي نستطيع تحمل رعايتها، هي أنجبت بنات وهن أولى بها" الآن؟ الآن بعدما أخذتوا كل ما تملك؟ الآن أصبحت عبئا؟ وصارت ابنتها هي المسئولة عنها، تحمل جرحا في قلبها لكنها تعرف واجبها تجاه أمها، وتناوبت الشقيقتان الأخرتان، وحتى زوجات الأشقاء على رعاية الأم بعدما لفظها من كانت تضعه فوق الرئوس.


****


الحكاية الأخرى لأب، أيضا دلل أحد أولاده وكان يفضله على الجميع،الأب ثري، كان صاحب شركة كبيرة في مجال العقارات، أنجب أربعة أولاد، ثلاث فتيات وصبيا واحدا، كان الصبي هو من حاز كل اهتمامه، ورغم أن ابنته الكبرى درست في نفس تخصصه وصارت مهندسة معمارية، ورغم أن الصبي دخل مجالا مختلفا تماما إلا أنه كان يعهد إليه بكل شيء في الشركة، الابنة هذه تزوجت من زميل معها بشركة والدها، اكتشفا أن شقيقها يستغل والده وأنه وصل به الأمر أن يسرق من والده، بكل هدوء صرحت لوالدها بما حدث وأطلعته على الدليل، فما كان منه إلا أن اعتبرها تشوه سمعة ابنه، وأن زوجها حرضها على أخيها، وكانت مشكلة اضطرت الابنة بعدها هي وزوجها لترك العمل في شركة والدها، وطبعا في عدم وجودها صار الأمر أسهل بالنسبة للولد المدلل أن يسرق وينهب كما يريد طالما لا يوجد من يحاسبه، وعندما تجرأ محاسب الشركة وحذر الوالد تم طرده فورا، هذه التربية الفاسدة والتدليل الفاشل جعل الشركة تتعثر إلى أن أعلنت إفلاسها، لم يستطع الأب ذو السبعين عاما أن يحتمل الصدمة، خاصة وأنه تأكد بأن ابنه هو سبب الكارثة، ما جعله يشعر بالألم أكثر أن يكتشف أن هذا الابن، يمتلك حسابا ضخما في أحد البنوك، وعقارين في الثغر،و.. و..  لم يعرف الأب ماذا يفعل، لم يعد عنده إلا بعض المال اليسير في حسابه بالمصرف والفيلا التي يقطنها ومزرعة صغيرة، ويأتي هذا الابن ليطلب من والده أن يبيع ما تبقى لديه ويبكي بين يديه فهو يعاني الإفلاس ولن يتمكن من الإنفاق على بيته وأولاده! هنا واجهه الأب وأخبره ما عرف عنه، جن جنون الابن علا صوته على والده، صرخ في وجهه قال له كلمة هي خلاصة الموضوع"انت من أضاعني، جعلت الكل يكرهني وأولهم إخوتي، تقول أنني ظلمتك؟ أنت من ظلمتني وأفسدت حياتي" لم يحتمل الأب كل هذه المفاجآت ولم يحتمل قلبه فأعلن قلبه التوقف.


****


الحالة الثالثة لامرأة كانت كبرى أخواتها،تزوج والدها بأخرى وبقيت هي في رعاية جدتها، لا تعرف لماذا لم تبق مع أمها مثل أشقائها وشقيقاتها؟ لماذا أصرت الجدة أن تأخذها لتربيها؟ كانت وحيدة رغم وجود الأشقاء، حقا دللتها جدتها لكن فرق الأجيال له اعتبار، تزوجت صغيرة، أنجبت فتاة وصبي، كانت تفضل الإناث، قد يرجع هذا لأنها شعرت بأن الحياة ظلمتها فأرادت أن تعوض ما فقدته في ابنتها، فضلتها عن وحيدها، دللتها، زوجتها بمن اختاره قلبها، لم تنجح الزيجة وتم الطلاق بعد أن أنجبت الابنة فتاة وصبيا،صارت حفيدتها هي مرآتها، فهي ترى طفولتها الحزينة فيها، اعتبرت أن هذه الحفيدة تحيا نفس مصيرها، فهي ابنة لأم مطلقة، وتحيا مع جدتها،نفس مع حدث لها مع اختلاف في بعض التفاصيل، كل تدليل الدنيا كانت تعطيه لها، لم تسأل نفسها هل سيفسدها هذا التدليل أم ينفعها، قمة الأنانية أن ندلل إنسانا فنصنع منه شيئا مكروها من الجميع، تزوج الابن لم يأخذ أولاده نفس الاهتمام، صارت حفيدتها المدللة تكره بنات خالها لماذا؟ لأنها معقدة، تصورت أن جدتها ملكها هي فقط، تصورت أن الدنيا لها هي فقط، هكذا أفهمتها جدتها، لكنها عندما كبرت ورأت الحياة على حقيقتها، أدركت أن جدتها خدعتها، فلا الدنيا ملك لها، ولا هي أجمل فتاة في الكون، ولا أحد يحبها، ولا هي الأميرة كما كانت تظن، فشلت في كل علاقاتها، فشلت أن يصبح لها بيت مثل صديقاتها، فشلت في عملها، فشلت في عائلتها، فقد تعودت أن تتم معاملتها كأنها الملكة المتوجة، ولن تقبل بتعامل آخر، وعندما لم تجد هذا انقلبت على الجميع، وأولهم من صورت لها الحياة بشكل مزيف، إنقلبت على جدتها، حملت أشياءها وهاجرت، لم تعبأ بدموع أمها ولا بتوسلات جدتها ولا بأي شيء.


****


حكايات تفضيل أحد الأبناء قصص لا تنتهي،وما أوردته لكم هنا هي قصص واقعية من الحياة رأيتها بنفسي، عندما تفضل أحد أبنائك فأنت تعلمه الظلم، وإذا تعلم الظلم سيصبح ظالما، وأول من سيظلمه هو أنت لأنه سيدرك أنك أنت السبب في اعوجاج حياته، حتى لو لم يفهمها بعقله الواعي سيدركها بعقله الباطن، جعلني هذا استنتج شيئا مهما، سيدنا يعقوبنبي، وسيدنا يوسف نبي، ولا يليق بالأنبياء أن يحدث معهم هذا، لذلك كان هناك تصرف إلهي في هذه الحكاية، النبي يعقوب كان يفضل ابنه يوسف على باقي إخوته، لو سار الأمر في مساره الطبيعي كان يوسف الصديق سيصبح مثل من تحدثنا عنهم، لكن لا يليق بنبي أن يصبح هكذا أبدا، لذلك تعرض يوسف لأن يجده أحد السيارة فيتم بيعه، ويشتريه عزيز مصر ليتربي في بيت غير بيته حتى وإن أكرمه أهل البيت، لكن الغربة مثل اليتم تعلم الإنسان أن يكون قنوعا، بعدها تعرض للسجن، والسجن يقوي العزيمة، بعدها صار على خزائن مصر لأنه أصبح يستحق بعدما تم صقل شخصيته، أما النبي يعقوب فقد فقد ابنه وبكى حتى ابيضت عيناه، وحزن وعاش فترة طويلة حزينا، لكنه في النهاية قابل ولده في أحسن حال، تصوروا معي لو ظل النبي يوسف في نفس مكانه مع والد يفضله على الجميع، هل كان سيصبح هكذا؟ لله دائما حكم فيما يفعل، وهو يعلمنا من القصص، علينا أن نتأمل ما يقوله الله لنا في قصصه، فهو يأتي لنا بالعبرة داخل التفاصيل.


****


ليتنا نتعلم جميعا أن العدل هو ميزان الحياة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا ضحكنا في وجه أحد الأبناء أن نضحك نفس الضحكة في وجه الآخر، وإذا قبّلنا أحدهم فلابد أن نقّبل الآخر،أنت لا تملك قلبك فقد يهفو لأحد أولادك أكثر من الباقين، لكنك تملك تصرفاتك، العدل في الحياة عموما هو طوق النجاة.