خلاف داخل أمريكا حول طريقة التعامل مع السيسى!

13/01/2016 - 2:18:35

  إدارة أوباما غاضبة من ثورة ٣٠ يونيه لكنها تتعامل مع مصر بمنهج براجماتى إدارة أوباما غاضبة من ثورة ٣٠ يونيه لكنها تتعامل مع مصر بمنهج براجماتى

بقلم - عبدالقادر شهيب

لا يخالجنى أدنى شك فى أن واشنطن ليست سعيدة بتولى عبدالفتاح السيسى رئاسة الجمهورية ومقاليد الحكم فى مصر.. صحيح الإدارة الأمريكية بحكم البراجماتية الأمريكية الشهيرة مضطرة للتعامل معه واستئنافت شحن طائرات عسكرية كانت قد أوقفت مد جيشنا بها فى إطار تجميد المساعدات العسكرية عقب الإطاحة بحكم الإخوان فى بداية يوليو ٢٠١٣.


لكن الإدارة الأمريكية، أو ولنقل بصراحة القوى المؤثرة والمتحكمة فى أمور أمريكا، لم تكن تحب أن يصير عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية فى مصر بل لعلها لم ترغب فى الإطاحة بحكم الإخوان، وكانت تفضل بقاء محمد مرسى رئيساً للجمهورية، وعندما تبين تعذر ذلك فى ظل الانفجار الشعبى الهائل ضده، وذلك الطوفان الجماهيرى الهادر الذى كان قوامه أكثر من ثلاثين مليون مواطن، كانت واشنطن تفضل ألا يتمخض الأمر فى نهاية المطاف عن تولى عبدالفتاح السيسى رئاسة الجمهورية، ليس لأنه كما يردد البعض بدون فهم باعتباره قادما من المؤسسة العسكرية وإنما لأنها تدرك لمعرفتها به أنه سينتهج سياسات مصرية مستقلة تراعى أساسا المصلحة الوطنية المصرية وتراعى الأمن القومى المصرى، ولن يقبل الانصياع لمحاولات فرض الهيمنة الأمريكية علينا.


وبذات القدر لا يخالجنى أدنى شك فى أن واشنطن تتمنى أن تغمض عينيها وتفتحها ولا ترى عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية فى مصر.. بل وأزيد دون أى مبالغة أو تهويل، أن واشنطن تسعى لأن يتحقق ذلك.. أى أن يترك السيسى رئاسة الجمهورية ومقاليد الحكم فى مصر.


هذا ما يتفق عليه الفرقاء فى واشنطن.. الهدف.. ولكن الوسيلة أو الأسلوب هو ما يختلفون عليه.


فهناك من يعتقدون أن تكرار ما فعلته واشنطن تجاه مصر خلال السنوات التى سبقت يناير ٢٠١١ سيكون مجديا.. وهذا معناه من وجهه نظر هؤلاء تخصيص أموال لاستقطاب عناصر من الشباب وتدريبهم على آليات ووسائل وأدوات التغيير وبشكل تفصيلى، والإنفاق أيضاً على حركتهم وأعمالهم وأنشطتهم الاحتجاجية داخل المجتمع، مع دعم عدد من منظمات المجتمع المدنى فى إطار المجال الحقوقى حتى تقوم هى الأخرى بدور فى تكوين رأى عام داخل مصر يتشكك فى الحكم القائم فيها ومن ثم يكون قابلاً للتحول من موقف التأييد إلى موقف المعارضة أو الرفض له، ويكون بالتالى مهيأ فيما بعد للمطالبة بتغييره.


فإن هؤلاء يرون ما قامت به واشنطن خلال السنوات ٢٠١٤ ٢٠١٠ كان مجديا ومؤثراً وساهم فعلاً فى تغيير الأوضاع السياسية داخل مصر عندما حض المصريين على الانتفاضة ضد حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولذلك فإن تكراره سوف يفضى لذات النتائج.. أى حض المصريين على الانتفاضة ضد الحكم الحالى فى مصر.


لكن على الجانب الآخر.. هناك من يرون فى واشنطن أن تكرار واشنطن ما قامت به تجاه مصر من قبل ليس مضمونا أن يفضى لتحقيق ذات النتائج، وذلك لاختلاف الظروف الموضوعية التى تعيشها مصر حالياً من تلك الظروف التى كانت تعيشها من قبل.. فإن الرئيس الحالى للجمهورية فى مصر لم يأت فقط بأصوات انتخابية ضخمة وبأغلبية ساحقة فى انتخابات حرة مباشرة، وإنما وهذا هو المهم جاء تلبية لطلب شعبى كبير، حينما ألح عليه كثيرون لأن يتقدم للترشح فى انتخابات رئاسة الجمهورية.. كما أن الرئيس السيسى رغم ارتفاع أصوات البعض بانتقادات للسياسات والمواقف والقرارات، مازال يحظى بقدر كبير من الشعبية والقبول لدى المصريين.. كذلك عدم توفر الآن ذلك القلق الذى كان يسود المجتمع فى الأعوام التى سبقت ٢٥ يناير وكان يتصاعد عاما بعد الآخر داخل مصر حول مستقبلها خاصة مستقبلها السياسى فى ظل دعوات متزايدة لتوريث الحكم وسط غموض متعمد وإجراءات تتم عمليا لنقل صلاحيات السلطة من الرئيس الأب إلى الابن.. فالآن المستقبل السياسى لمصر بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، و ٣٠ يونيه ٢٠١٣ صار واضحاً حتى وإن غمز البعض هنا ولمز هناك.. فإن دستورنا حدد وبشكل نهائى غير قابل للتعديل ألا يزيد تولى أى رئيس الجمهورية عن فترتين متتاليتين فقط.. أى أن الرئيس الحالى سيكون متاحا له إذا خاص الانتخابات الرئاسية القادمة وفاز فيها فترة رئاسية أخرى وثانية وأخيرة.


ولهذا كله يعتقد هؤلاء أن تكرار واشنطن ما سبق أن فعلته مع مصر أو بمصر من خلال وكلائها فيها لن يكون مجديا أو مؤثرا بما يكفى توفير ظروف مماثلة لما عاشتها مصر فى يناير ٢٠١١، أو بما يتمخض فى نهاية المطاف عن إعادة تشكيل وصياغة الحكم فى مصر بشكل يرضى الأمريكان، ويأتى بمن ترضى عنه رئيسا للجمهورية فى مصر على غرار ما حدث فى يونيه ٢٠١٢، حينما تولى محمد مرسى القيادى الإخوانى رئاسة الجمهورية فى مصر، وذلك فى أعقاب صفقة كشف أمريكيون النقاب عنها، وأشار إليها الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، حينما قال: إنه حصل على تعهد مكتوب من مرشد الجماعة محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر على كل المطالب الأمريكية.. وفى مقابل ذلك وافقت واشنطن على ترشح مرسى فى الانتخابات الرئاسية، وهذا ما أبلغه كيرى، وهو سيناتور وقبل أن يتولى وزارة الخارجية الأمريكية قيادة الجماعة فى زيارة للقاهرة ولقائه معها بمقر الجماعة فى نوفمبر ٢٠١١.


ونتيجة لذلك لا يراهن هؤلاء على تكرار ما سبق أن قامت به واشنطن تجاه مصر خلال السنوات (٢٠٠٤ ٢٠١٠) لكى تحقق ما تتمناه، وهو رؤية رئيس جديد للجمهورية فى مصر غير الرئيس عبدالفتاح السيسى، بل إنهم يراهنون على العنف والإرهاب أو تحديدا على جماعات العنف والإرهاب، وإن كانوا بالطبع لايمانعون فى أن تستمر واشنطن فى القيام بما كانت تفعله من قبل، وتكرر ذات لعبتها القديمة وهى تجنيد وكلاء لها داخل مصر يسهمون فى إشارة الإزعاج للحكم القائم من خلال الهجوم عليه وعمليات التحريض ضده، وهؤلاء يراهنون على جماعات العنف والإرهاب فى مصر لأنهم يقرأون الواقع الراهن فى مصر من خلال عيون هذه الجماعات، وهذا ما تكشف عنه دراسة خاصة عما أسمته الدراسة تصاعد التمرد الإسلامى فى مصر.. إنهم يتوقعون أن يتزايد ويتضاعف نشاط وعمليات هذه الجماعات، فى ظل حدوث انعطاف داخل جماعة الإخوان ذاتها نحو ممارسة العنف وسكوت قادتها على ذلك”. ويعللون ذلك بالرغبة فى الانتقام، التى تسود أعضاء وكوادر هذه الجماعات من الحكم القائم، الذى يحملونه مسئولية سقوط قتلى منهم خلال أحداث العنف، التى شهدتها البلاد بعد الثالث من يوليو ٢٠١٣ وفض اعتصامى رابعة والنهضة، وملاحقه أجهزة الأمن لأعضاء هذه الجماعات سعيا لتصفيتها والقضاء عليها.


الانتقام، من وجهة نظر هؤلاء وفى تقدير أصحاب هذه الدراسة لمعهد كارينجى هو وقود نيران ما يسمونه التمرد الإسلامى، الذى سوف يترتب عليه فى تقديرهم أيضا صعوبات متزايدة لحل المشاكل والأزمات الاقتصادية بعد حرمان البلاد من موارد السياحة والتأثير بالسلب على تدفق الاستثمارات الخاصة، المحلية والأجنبية، وإشاعة حالة من اضطراب الأمن، وعدم الاستقرار السياسى تقود فى نهاية المطاف كما يبغون إلى إضعاف الحكم القائم وتيسير انتفاض جموع الشعب عليه فيما بعد.


وهكذا.. إذا كانت واشنطن راهنت فيما قبل على كل من وكلائها والإخوان لإحداث تغيير سياسى فى مصر والإتيان بحاكم ترضى عنه ومستعد لتنفيذ طلباتها وأوامرها والانصياع لها، فإنها صارت الآن لاتراهن على ما أسمته الإسلام المعتدل، وإنما ها هى تراهن مع وكلائها على ما نسميه أيضًا والإسلام الراديكالى، ونسميه نحن جماعات العنف والإرهاب.


ولعل هذا يبين زيف كل الدعاوى الأمريكية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد أو حكم القانون التى ترغب واشنطن أن يتحقق فى بلادنا، فها هى لاتراهن فقط على جماعات دينية كانت تصنفها هى بأنها معتدلة وإنما تراهن أيضا على جماعات دينية تكفيرية ومتطرفة تمارس العنف والإرهاب فى إحداث تغيير فى بلادنا يرضيها ويأتى بحكم ينصاع لها.


إذن ..


لا ثورة ولا يحزنون هى ما تبغيه واشنطن لنا، وإنما هى مؤامرة تدبرها لنا.. مؤامرة مستمرة بدأت بالسعى للاستيلاء على ثورة، وهى فى المهد كانت تحفر بوادرها فى أحشاء مجتمع كان يشكو ظلما اجتماعيا وفسادا ماليا وإداريا وركودا سياسيا، ومازالت مستمرة لإجهاض ما قمنا به فى يونيه ٢٠١٣ للتخلص من نتائج هذه المؤامرة والمتمثلة فى حكم الإخوان، ولوقف بقية النتائج، التى كان مخططا لها والمتمثلة فى تقويض كيان دولتنا الوطنية من خلال تقزيم قواتها المسلحة والتفريط فى مساحات من أرضها وتكوين ميليشيات عسكرية فيها.. ولكن لكى تمرر واشنطن هذه المؤامرة سواء داخل مصر وخارجها فإنها تطلق عليها وصف (الثورة الجديدة).. فكما قال بيل كريستول أحد المحافظين الجدد لابد من هدف أخلاقى لعمليات الإطاحة بنظم الحكم والسيطرة والهيمنة على الدول حتى يتقبلها عموم الأمريكيين.