300 مسرحية خلال نصف قرن .. سعيد صالح علي يسار المسرح المصري

18/08/2014 - 11:03:08

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتب : محمد جمال كساب

سعيد صالح فنان شامل .. رقص ولحن ومثل وغني.. مشاغب من الدرجة الأولي.. وسلطان تربع علي عرش الكوميديا وهو كبير العيال الذين رحلوا جميعاً.. ترك قطار الحياة وبقيت محطاته الفنية وأعماله المسرحية «مدرسة» .. في الكوميديا.. تناول من خلالها القضايا الاجتماعية والسياسية وهاجم الرئيس الأسبق حسني مبارك ودخل السجن علي جرأته..


محمد جمال كساب


حقق الفنان في البطولة الجماعية لأغلب أعماله وفي قراءة متعمقة لأهم أعماله المسرحية نجد أنه كان حريصاً علي طرح القضايا التي تهم الناس.


وتعد مسرحية «كباريه» إخراج جلال الشرقاوي لفرقة المتحدين عام 1976 أول أعماله التي يتهم فيها بالخروج علي النص حينما ارتجل العديد من الجمل التي انتقدت المسئولين بالدولة وتصل ذروة العبث باتهامه من قبل الرقابة بنفس التهمة أثناء مشاركته في مسرحية «لعبة اسمها الفلوس» التي عرضت بمسرح سيد درويش بالإسكندرية عام 1983 بطولته مع مديحة كامل وإنتاج فرقة الفنانين المتحدين لسمير خفاجي وحصل علي حكم بالحبس لمدة اسبوعين بحجة واهية وهي الخروج علي الآداب العامة.


وقرر سعيد صالح بعدها اعتزال الفن وعن ذلك يقول: قدمت شخصية رجل مصاب بالتخلف العقلي الذي يسخر من الواقع حوله وبالتالي فقد يهذي أحياناً ببعض الجمل المنتقدة للمسئولين لأن هذه طبيعته، وأنا مظلوم من هذه التهمة فالجميع يحملني وحدي مسئولية الخروج علي النص رغم أن هذا متاح في الكوميديا المرتجلة.


ويضيف للأسف الشديد النصوص المكتوبة مستهلكة وضعيفة وميتة لا تناقش أي قضية معظمها مقتبسة وممصرة وليس بها أي مواقف مضحكة وهذا يثيرني للبحث عن الجمل التي بها إسقاط علي مشاكلنا لخلق مواقف ضاحكة لنربط الناس بواقعهم فالجمل التي ارتجلها ضرورية لنجاح المسرحية ولو لم أفعل ذلك لترك الناس المسرح من أول دقيقة.


أما قمة نجاح سعيد صالح من خلال مسرحية «مدرسة المشاغبين» عام 1972 تأليف علي سالم وإخراج جلال الشرقاوي وبطولته مع عادل إمام ويونس شلبي وأحمد زكي وجسد سعيد دور «مرسي الزناتي» الطالب المشاغب والتي أحدثت انقلاباً في الشارع والوسط الفني المصري والعربي نظرا لجرأتها والقضية الخطيرة التي تناقشها وهموم الشباب ومشاكل التعليم والعلاقة بين الطالب والمدرس بالإضافة لتغيير أذواق الجمهور والتقاليد الراسخة التي أدت إلي تراجع نجومية كبار الفنانين آنذاك أمثال فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي وأمين الهنيدي وعلي الكسار ونجيب الريحاني.


وطرحت مسرحية «قصة الحي الغربي» لنفس الأبطال ومعهم لبلبة وحسن يوسف وصلاح السعدني المشاكل والفوارق الطبقية وتأثيرها علي الشباب في العمل والحياة وتم ايقافها من قبل الحكومة نظرا لتضمنها النقد اللاذع لرئيس الجمهورية والمسئولين.


وتطرقت مسرحية «أولادنا في لندن» لمشاكل السفر والغربة للمصريين في الخارج وعلي نفس الخط قدمت مسرحية «العيال كبرت» أعدها سمير خفاجي وبهجت قمر وإخراج سمير العصفوري وبطولة حسن مصطفي وكريمة مختار وقدمت المشاكل الأسرية بين الآباء والأبناء وجسد سعيد دور الابن المستهتر غير المسئول الذي يمثل النموذج السلبي لبعض الشباب وتؤكد رسالة المسرحية علي ضرورة توطيد العلاقات الإنسانية بالحب داخل الأسرة المصرية حتي تستمر الحياة بلا متاعب.


وفي مسرحية «كعبلون» عام 1987 شارك فيها بالتمثيل والتلحين والغناء بطولة فاروق الفيشاوي وسحر رامي وأشعار بيرم التونسي التي لحنها سعيد عقب خروجه من السجن وناقشت في إطار غنائي استعراضي كوميدي مشاكل المجتمع وجسد صالح دور «حمدون» السائح الشجاع الذي يرفض الظلم ويتزوج الأميرة وينتصر الحق في النهاية.


أما مسرحية «حلو الكلام» تأليف محمد شرشر وإخراج عصام السيد وتمثيل مديحة كامل وعبدالحفيظ النطاوي وعهدي صادق وأشعار فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وبيرم التونسي وتستعرض مشاكل التعليم والاقتصاد والصحة وعلاقة التبعية للغرب.


وطرحت مسرحية «البعبع» عام 1989 تمثيل شيرين وعهدي صادق وسعيد طرابيك وتعتبر أول كوميديا تقدم الرعب في مصر متناولة أزمة الإسكان وتناول الإنسان المثقف الذي يضحي بعلمه في سبيل الإيمان بالخرافات والعفاريت الذي يستغله بعض المشعوذين وتجار الدين من المتأسلمين المتشددين للنصب علي الناس وهي صيحة ضد الخرافات وتطالب بإعمال العقل وفيها اتهم سعيد صالح بالخروج علي النص وانتقادها للمسئولين.


وتطرقت مسرحية «سداح مداح» تأليف محمد شرشر بطولة سعيد صالح ويونس شلبي وسعاد نصر مشاكل الزواج العرفي بالجامعات في قالب غنائي استعراضي كوميدي.


فيما ناقشت مسرحية «كرنب زبادي» عام 1997 تأليف أحمد عوض وإخراج عصام السيد بطولة دلال عبدالعزيز وأحمد بدير ونجوي فؤاد قضية الإرهاب الفكري والديني الذي مارسته التيارات الإسلامية المتشددة ضد المصريين السياح الأجانب في فترة التسعينيات محذرة من خطورته.


وفي عام 2004 قدم سعيد صالح مسرحيته الرائعة «قاعدين ليه» المأخوذة عن نظيرتها «كاسك ياوطن» للمؤلف السوري محمد الماغوط وإخراج حسام الدين صلاح وطرحت مشاكل المواطن البسيط الذي يواجه واقع الحياة اليومية خاصة من ارتفاع اسعار فواتير الغاز والكهرباء والتليفونات وأقساط الديون. ويجسد سعيد فيها دور «صابر» الرجل الفقير الموظف بالحكومة وتموت ابنته لعدم قدرة المستشفي علي علاجها فيقرر محاربة السلبيات والفساد وواجهت المسرحية تعنتاً من الدولة والرقابة وغني سعيد ولحن للشعراء فؤاد حداد وبيرم التونسي وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وحققت نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا.


رحلة المشاغب الراحل سعيد صالح مليئة بالمآسي رغم أنه من كبار نجوم الكوميديا في مصر والوطن العربي وحياته المسرحية بها الكثير من المحطات التي لعبت دوراً هاماً في تشكيل وعيه وثقافته وتمرده علي الواقع ورفضه للظلم والفساد والقهر الذي يمارسه الحكام علي الشعب.


وصالح عشق المسرح فشارك الكثير من العروض بالقطاعين العام والخاص والثقافة الجماهيرية والمدرسية والجامعية وكان يقول المسرح شريان حياتي بدونه لا أعرف للمعيشة طعما لأنه يمدني بالقوة ويأسرني بسحره وخياله وجماله ويحقق لي المتعة..


ويضيف: الفن والمسرح أعطياني الكثير السجن والشهرة وحب الناس الذي لا يقدر بثمن.


ورغم أن أسرة سعيد صالح لا صلة لها بالفن إلا أنه عشق التمثيل عن والده الذي برع في تقليد أقاربه وأصدقائه بشكل ساخر وعن ذلك يقول: أبي وراء حبي الشديد للمسرح واعتبره أستاذي في التمثيل ومع ذلك رفض عملي بالمسرح المدرسي بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية وثار علي وضربني عندما علم بمشاركتي في التمثيل بالمدرسة، لكني تحاملت علي نفسي صبرت كي أحقق أمنيتي وتأتي المرحلة الثانوية التي تشكل البداية الحقيقية لعملي بالفن فمن حسن حظي أن ناظر المدرسة كان مغرما بالمسرح ولذا فقد تعاقد مع الكثير من المخرجين والفنانين ليعلمونا أصول المسرح منهم النجم حسن يوسف الذي علمني كيف أخطو بثقة في التمثيل وأعتبره قدوتي ومثلي الأعلي في الفن بعد والدي.


ويضيف : هذا الحب من الاساتذة جعلنا نحصل علي كأس الجمهورية والميداليات الذهبية في التمثيل المدرسي وتأتي بعدها مرحلة الجامعة التي تمثل نقطة الانطلاق نحو الشهرة والنجومية والاحتراف، حيث انضممت مع عادل إمام وصلاح السعدني لفرقة مسرح التليفزيون في الدفعة الثانية التي كانت تقبل طلاباً وخريجين لا يشترط دراستهم للفن حيث تقدم حوالي 800 شخص للفرقة وتفوقت وكنت الأول عليهم جميعا وقدمنا العديد من المسرحيات الناجحة وأذكر أن السيد بدير مدير مسرح التليفزيون أعجب بشدة بموهبتي، وتنبأ لي بمستقبل واعد وأول أجر حصلت عليه كان 11 جنيها و75قرشا ثم زاد ليصل إلي 125 جنيها وانتهي بـ 400 جنيه.


ويواصل سعيد صالح: انتقلت بعد ذلك للعمل بفرقة تحية كاريوكا وشاركت معها بمسرحية «المتحذلقات» بعدها انتقلت إلي الفرقة الاستعراضية وقدمت مسرحية «الحرافيش»، بطولتي مع هدي سلطان ومحمود المليجي ومحمد رضا و«القاهرة في ألف عام» مع صفاء أبوالسعود، ويضيف صالح: عدت مرة أخري للعمل بفرقة المتحدين وقدمت فيها أجمل مسرحياتي «سري جداً جداً» مع عبدالمنعم مدبولي ومحمد صبحي وأحمد زكي «وهاللو شلبي» مع يونس شلبي.


وجاءت لحظة الصعود للنجومية والقمة من خلال مسرحية «مدرسة المشاغبين» تأليف علي سالم وإخراج جلال الشرقاوي وبطولتي مع عادل إمام الذي أعتبره أكثر فنان اضحكني وأحمد زكي ويونس شلبي وهي المسرحية التي أحدثت دويا في الشارع المصري والعربي وقلبت التقاليد والموازين الفنية آنذاك واستمر عرضها ست سنوات متواصلة لم يتح ذلك لأي مسرحية قبلها.


ثم جاءت «قصة الحي الغربي» وبعد ذلك استطاع سعيد صالح أن يحقق حلمه الأكبر بتأسيس فرقته «مصر المسرحية» علي غرار فرقة يوسف وهبي ونجيب الريحاني وعلي الكسار وتهدف للعودة للمسرح الجاد الذي يحمل رسالة الإصلاح والتوجيه والتغيير للأفضل وعن ذلك يقول سعيد: عشقي لبلدي جعلني اسمي الفرقة باسم «مصر» كي لا يقال إنني أمجد نفسي وأسعي من خلالها إلي تقديم الفن الهادف واكتشاف المواهب الجديدة ويؤكد صالح أن أهم ملامح مسرحه هو تقديم فن مصري خالص يتميز بمناقشة مشاكل وهموم الناس وخاصة نحن دولة نامية تعاني الجهل والفقر والمرض وتحتاج للمسرح والفن والثقافة ليلعبوا دوراً حيوياً في توعية الجمهور بقضاياه المختلفة ليعرف حقوقه وواجباته ليصبح قادراً علي فهم الحرية والديمقراطية لتصبح أسلوب حياته ليرفض الظلم والقهر والفساد الذي يمارسه الرؤساء عليه لذا فأحلم بوصول مسرحنا للعالمية خاصة وأننا نملك الكوادر الفنية لكن ينقصنا الامكانيات المادية خاصة لتجهيز المسارح بأحدث وسائل التقنية والقضاء علي البيروقراطية الإدارية.


قدم سعيد صالح ما يزيد علي 300 مسرحية بالمسرح المدرسي والجامعي والقطاعين العام والخاص والثقافة الجماهيرية حملت فكراً واعيا وانتقاداً لاذعاً للمسئولين والرئيس المخلوع حسني مبارك تناولها بشكل كوميدي ساخر رغم ما شابها من بعض الحركات والجمل التي رأها البعض خروجاً عن الآداب والتقاليد فاتهم بالخروج علي النص في العديد من مسرحياته ولجأت الرقابة وأجهزة الأمن إلي أساليب عديدة لاضطهاده والتضييق عليه بسبب الخروج علي النص ومهاجمته المسئولين وخاصة الرئيس الأسبق فحكم عليه بالسجن كأول فنان عربي يسجن بهذه التهمة.