ثورة جديدة أم ثورة مضادة؟!

13/01/2016 - 2:14:26

أ.د. جمال شقرة

الذين يتحدثون عن ثورة جديدة أو موجة ثورية جديدة يجهلون طبيعة ظاهرة الثورة، ويجهلون أيضاً طبيعة الشخصية المصرية. وفى تقديرى أنهم ينتمون إلى عناصر الثورة المضادة. أما العناصر التى تدعو لذلك من خارج مصر خاصة من مراكز الفكر الأمريكية، فهى عناصر تخدم أهداف وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد.


ولنبدأ بالسيدة «ميشيل دانى» مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد كارينجى الدولى، الذى يعمل لخدمة ال CIA تقول السيدة التى لا تفهم جيداً ظاهرة الثورة ولا تعرف الكثير عن تاريخ مصر وطبيعة الشخصية المصرية تقول: «إن مصر بعد ٣٠ يونيو تعانى من عدم الاستقرار وتموج بالصراعات السياسية، كما تعانى من أزمة خانقة على كل المستويات والأصعدة، وبالتالى كما تستنتج فمصر على شفى ثورة ثالثة حتى بعد إجراء الانتخابات البرلمانية».


وتتردد مقولة «ميشيل دانى» هذه على ألسنة من يطلقون على أنفسهم «النخبة الثورية» وهم أيضاً لا يعرفون الكثير عن تاريخ الثورات، وتاريخ مصر وخصوصية الشخصية المصرية.


وفى الأغلب لم يقرأ هؤلاء جمهورية أفلاطون ولا كتابات أرسطو السياسية، ولا كتابات بوليبرس وتيوسيديدس وميكافيلى وشبنجلر واورتيجا، وربما لم يتعرفوا كذلك على ما كتبه جان جاك روسو وهوبز وجون لوك وجون ديوى.


وفى الأغلب كذلك لا يدركون حقيقة موقفهم وموقعهم وتصنيفهم وفقاً لعلم الثورات، بمعنى فى أى خندق يقفون بعد نجاح ثورة ٣٠ يونيو.


فالثورة ظاهرة استثنائية لا تقع كل يوم أو كل شهر أو كل سنة، بل تحدث عندما يفقد المجتمع توازنه الذى يحفظ عليه نظامه، بمعنى أن الثورات تنفجر عندما يبلغ تفكك النظام الاجتماعى نقطة تجعل من المستحيل استمرار الأوضاع على ما هى عليه.


وبهذا الصدد يعد الاستيلاء على السلطة مقدمة لنجاح الثورة. فجوهر الثورة ليس مجرد التدمير والتخطيط العنيف والحرق والقتل، إنما جوهرها يكمن فى إعادة الاستقرار وإعادة الاتزان للمجتمع ثم يتحقق بعد ذلك التغيير الجذرى.


وإن كان»ريمون آرون» قد أكد على أن الثورة تعنى إحلال سلطة محل سلطة أخرى إحلالاً مفاجئاً وعنيفاً، ليتبعه التغيير الاجتماعى العام، إلا أنه يكاد ينعقد الإجماع على أن التغيير يحدث بالتدريج بعد إسقاط السلطة، وإن إلغاء الدستور وعزل رأس السلطة ليس أهم ما فى الثورة.


لعل هذا العرض النظرى المختصر ينطبق على ما جرى فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو، فالمحاولة غير المكتملة للثورة فى ٢٥ يناير ٢٠١١ التى أطاحت برأس السلطة سرعان ما أدركت أن التغيير المطلوب لم يقع، وأن جماعة الإخوان انحرفت بالموجة الثورية، وأدخلت مصر فى نفق مظلم لذلك استمرت الموجة الثورية وأطاحت برأس النظام مرة ثانية، وانعقد الإجماع على خارطة الطريق التى نفذت مراحلها المختلفة.


وبالتالى بعد ٣٠ يونيو بدأت خطوات إعادة الأحزاب والاستقرار والقضاء على أعمال العنف والبلطجة والتمرد، فضلاً عن إعادة التماسك الاجتماعى بين عناصر الأمة.


ولن يحدث الاستقرار بالطبع فجأة وإنما واجه النظام الجديد مقاومة وتمردا من العناصر المعادية للثورة.


ولا تزال المؤامرات السياسية مستمرة ونقصد بها هنا الاتفاق السرى بين بعض الأشخاص بقصد تغيير شكل الحكم أو تغيير الحاكم لصالح هؤلاء وليس استجابة لمطلب اجتماعى.


ووفقاً لفقه الثورة، فإن مثل هذه الحركات تصنف على أنها محاولات للثورة المضادة، أو تحركات مضادة للثورة.


والثورة المضادة هى ظاهرة تلازم الفعل الثورى وتولد فى أعقاب الثورة، فالثورة تُثير حقد وسخط الذين تغيروا نتيجة التغيير والاستقرار، وعناصر الثورة المضادة تستهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومن بين عناصر الثورة المضادة، ولعلها أخطرها، العناصر التى لم تحقق أحلامها مع الثورة الجديدة، وبعض هذه العناصر ينتمى إلى الثورة الأم، لكنها لم تحقق أحلامها كفئات أو أفراد بعد أن انتصرت الثورة واستقرت الأمور.


ويعلن هؤلاء أن الثورة توقفت فى منتصف الطريق ولم تحقق أهدافها كاملة، لذلك يندفعون ليتأمروا ويتمردوا ويحاولوا بكل الوسائل جذب الجماهير لصفهم.


لقد نجحت ثورة ٣٠ يونيو، ويحظى الرئيس عبدالفتاح السيسى بشعبية لم يحظ بها من قبل إلا الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وتفسر هذه الشعبية بأن مفجر ثورة ٣٠ يونيو لمس وتراً سحرياً عند الجماهير المصرية، وتمسك بثوابت الشخصية المصرية، ويفسر ذلك بأن الشعب المصرى تواق إلى الاستقرار، وأنه عبر تاريخه كان يتمترس خلف «الرئيس» أو «الزعيم» أو «الكبير»، ويفسر كذلك بالنجاحات السريعة والمتلاحقة التى أنجزها النظام الجديد على كافة المستويات، وليس معنى هذا القطع بأن كل أحلام الثورة تحققت وإنما الثورة لا تزال فى مرحلة الإنجاز والتغيير بالتدريج.


لذلك فعلى رموز الثورة المضادة وكل المتآمرين على مصر أن يراجعوا فقة الثورة وتاريخ مصر وطبيعة وخصوصية الشخصية المصرية ليدركوا أنهم فى خندق معزولين عن غالبية الشعب المصرى الذى ينتظر أن يجنى ثمار ثورته، بعد أن دفع الثمن غالياً من دم أولاده الذين استشهدوا منذ ٢٥ يناير وحتى الآن، كما ينتظر ان تعود البسمة لبلاده ويؤمن مستقبل أولاده وأحفاده، ويعود لمصر دورها الأقليمى والعالمى.