ثورات تحت الطلب

13/01/2016 - 2:11:42

جمال أسعد

الأسبوع القادم تحل الذكرى الخامسة لهبة ٢٥ يناير ٢٠١١ التى أسقطت مبارك والتى أسست لدور شعبى ومهدت لمشاركة شعبية غير مسبوقة فى التاريخ المصرى الشئ الذى جعل هبة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ أن تكون الموجة الثانية ليناير والتى استرد فيها المصريون الوطن حفاظاً على الهوية المصرية التى صنعها وشكلها وحافظ عليها الشعب طوال التاريخ وذلك بإسقاط حكم الإخوان الذين أرادوا اختطاف الوطن حتى يحققوا حلمهم بقيام الخلافة لكى تصبح مصر إحدى ولاياتها. نعم قد تم التعامل مع مصطلح الثورة منذ الأيام الأولى ليناير خاصة بعد رحيل مبارك. نعم الجميع خاصة الإعلام يتحدث عن يناير ويونيه باعتبارهما ثورتين وذلك لمشاركة الشعب فى تلك الهبات خاصة لمشاركة هذا الكم غير المسبوق من الملايين التى نزلت إلى الشوارع والميادين فى ٣٠ يونيه و ٢٦ يوليو ٢٠١٣.


ولكن من الناحية السياسية العملية والناحية الأكاديمية العلمية هل تحققت الثورة بمفهومها العلمى وهو تغيير جميع مناحى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأحسن ولصالح الغالبية الغالبة من الشعب؟ بالطبع لا نستطيع هنا أن نقر بأن يناير ويونيه كانتا ثورتين قامتا بتغيير الواقع جذريا للأحسن. ولكن لماذا لم تتحقق الثورة عملياً على أرض الواقع فى ٢٥ يناير ؟ من المعروف أن الثورة والفعل الثورى ينضج ويمكنه ممارسة الثورة عندما تشعر الجماهير بسوء النظام الحاكم وتدرك مدى استبداده وقدر فساده وتدنى خدماته للجماهير وعدم قدرته لتحقيق آمال الشعب وتبنى قضاياه وحل مشاكله وتحقيق الحد الأدنى من الحياة الإنسانية لكل مواطن.. تبدو بوادر الثورة وإرهاصاتها عندما يفقد النظام الحاكم الشرعية الجماهيرية وإن كان يملك الشرعية القانونية وذلك عندما تسيطر الطغمة الحاكمة وأتباعهم ويتم خلط الثروة بالسلطة ويملكون ويستحوذون على كل شئ ولا يملك الشعب أى شئ هنا يكون الظرف الموضوعى للثورة قد نضج وهذا ما كان وما حدث لنطام مبارك قبل يناير ٢٠١١ وبسنوات وقد تلخص هذا فى مقولة مبارك عند افتتاحه مجلس شعب ٢٠١٠ والذى كان القشة التى قصمت ظهر البعير»خليهم يتسلوا « ولكن لكى تنجح الثورة وتتحقق على أرض الواقع لابد أن يكتمل الظرف الموضوعى هذا بالظرف الذاتى للثورة وهو ذلك التنظيم الثورى الذى يمتلك الأجندة الثورية الواضحة التى تكون بديلاً لأجندة النظام الحاكم الفاقد للشرعية والتى تكون هذه الأجندة شاملة ومعبرة عن طموحات وآمال جماهير الشعب مع امتلاك الأدوات والآليات الثورية التى تمكن هذا التنظيم الثورى من أن يكون بديلاً ثورياً للنظام الساقط حتى تتحقق الثورة وهذا لا ولن يكون بغير ارتباط هذا التنظيم ارتباطا عضوياً بالجماهير طوال الوقت باعتبارهم هم الوقود الفعلى والحقيقى لهذا التنظيم ولهذه الثورة فماذا حدث فى يناير ؟ كان قبل يناير بعدة سنوات قد شاخ وكبر وتهدل نظام مبارك لطول فترة حكمه ولسيطرة جماعات المصالح التى استحوذت على القرار السياسى لصالحها ولارتكاز النظام على القبضة الأمنية تصوراً أن هذه القبضة هى التى ستحمى النظام وتعده للوريث. وذلك فى الوقت الذى تحرك فيه المد والمناخ الثورى خاصة بعد إعلان حركة كفاية عام ٢٠٠٤ والتى كان شعارها لا للتمديد لا للتوريث. ولكن هل كانت حركة كفاية وباقى المشهد السياسى ينبئ بوجود تنظيم ثورى يمكن أن يكون بديلاً للنظام؟ لا شك لم يكن مجمل المشهد السياسى والحزبى والجماهيرى لم يكن معداً ولا جاهزاً لكى يكون هذا البديل وذلك لأن الأحزاب فى ذلك الوقت كانت أحزاباً ثابتة مهمتها تحسين وجه النظام كشكل ديكورى لأنها كانت ولازالت أحزاباً ورقية لا علاقة لها بالعمل الحزبى والسياسى ولا الجماهيرى بقدر اهتمامها بالمصالح الذاتية والظهور الإعلامى وممارسة النضال الشعاراتى الصالوناتى. كما أن حركة كفاية بالرغم من أنها كانت قد كسرت حاجز الخوف وقضت على الرقابة التظاهرية فى الحشد والشعارات ولكنه للأسف فقد تم القفز على كفاية من كل القوى والأحزاب بهدف احتوائها والسيطرة عليها لصالح كل حزب وتنظيم وجماعة وقد مارس هذا الدور كل الأحزاب وعلى رأسهم جماعة الإخوان. ولذا فقد تم سحب وتحويل المشاكل والصراعات الحزبية والسياسية إلى كفاية وهذا ما نبهنا اليه مراراً ورسمياً باعتبارى أحد مؤسسى كفاية حيث نبهت وقتئذ أن تكون العضوية شخصية وليست حزبية حتى لا تتحول كفاية إلى تحالف أحزاب فاشلة وكانت كفاية إحدى الأسباب والفرص التى فتحت أبوابا للإخوان خاصة فى الشارع بعيداً عن المقرات. ولذا وجدنا الجهات الداخلية والخارجية التى استغلت زخم كفاية وما أحدثته فى الشارع وبدأوا فى تشكيل تنظيمات لها ارتباطات خارجية بصورة أو بأخرى ولذا فمجمل الصورة وجل المشهد لا ينتج تنظيماً ثورياً موحدا لديه أجندة ثورية متوافق عليها. وعلى ذلك فهبة يناير لم تكن ثورة بالمعنى السياسى والعلمى ولكنها هبة رائعة أنتجتها الظروف الاستبدادية والفاسدة للنظام ونتيجة للأمن وممارساته والتى كانت انتخابات ٢٠١٠ الفعل الكاشف لكل هذا. فنزلت الجماهير كمظاهرة كبيرة وحاشدة امتداداً للمظاهرات التى قامت بها القوى السياسية منذ محاكمة الطيران بعد نكسة ١٩٦٧ مروراً بمظاهرات ١٨, ١٩ يناير ١٩٧٧ وصولاً إلى مظاهرات ٢٠٠٣ عند سحق الأمريكان للعراق تلك المظاهرات التى أنزلت صورة مبارك وتم دهسها وحتى مظاهرات المحلة فى ٢٠٠٨. بل كانت مظاهرات يناير موجهة فى الأساس ضد الشرطة فى يوم عيدهم ٢٥ يناير. ولكن كانت هناك قوى لا علاقة لها بالثورة بقدر مالها مصلحة فى السلطة فالوصول للسلطة فقط لا يعنى الثورة لصالح الجماهير. وهذا ما حدث من الإخوان نظراً لتنظيمهم الأوحد وسط تفتت وتشرذم حزبى وسياسى وغياب تنظيم ثورى حقيقى بديل ولذا كانت مظاهرات يناير تحلم بعدة إصلاحات وليست ثورة تلك المطالب الإصلاحية التى كانت تتبناها القوى السياسية بمجملها مثل تعيين نائب للرئيس. نزاهة الانتخابات تعديل بعض مواد الدستور رفض التوريث حل مجلس شعب ٢٠١٠ ولكن جاءت الأحداث بما ليس هو متوقع وذلك بإثارة الفوضى خاصة يوم ٢٨ يناير بهدف إسقاط النظام والوصول للسلطة وهذا ما حدث من الإخوان فقد تمكنوا من السلطة وذلك للظرف السياسى الذى حل بالبلاد نتيجة للفوضى وإسقاط مبارك والأهم غياب البديل الثورى فكانوا هم للأسف البديل الذى تم كشفه وإسقاطه فى ٣٠ يونيه حتى تعود ٢٥ يناير وتبدأ كحركة إصلاحية تؤدى بالتراكم الإصلاحى إلى تحقيق أهداف الثورة. إذن يناير كانت هبة جماهيرية نتيجة لوجود الظرف الموضوعى (الفساد والاستبداد.. الخ( ولكن لم تتحول إلى ثورة لغياب التنظيم الثورى البديل. أى أن الثورة بمفهومها الثورى والعلمى والسياسى والتاريخى ليست هى فورة أو فوضى أو نزوة أو متاجرة أو مناورة لتحقيق مصالح ذاتية أو حزبية لصالح الداخل أو الخارج ولكن للثورة قوانين وأسباباً وآليات بدونها لا تتحقق الثورة. فالثورة ليست سلعة يتم تسويقها بهدف بيعها فى الوقت المحدد وفى المكان المحدد الثورة فعل جماهيرى يحركه وينظمه تنظيم ثورى سياسى مرتبط بالجماهير ويمتلك المصداقية الجماهيرية. الثورة فعل ثورى يملك أدوات التغيير على أرض الواقع للأحسن ولصالح الجماهير. فهل هناك أسباب موضوعية للثورة؟ نعم هناك مشاكل جماهيرية هناك آمال كبار لم تتحقق هناك عدالة اجتماعية لا زالت غائبة. ولكن هناك تغيير للأحسن فى مناح كثيرة نسبة إلى ما بعد يناير وما اجتاح البلاد من فوضى وإرهاب هناك واقع عملى يؤكد إعادة هيبة الدولة هناك نية لم تتحول إلى رؤية لتحقيق الثورة والعدالة الاجتماعية وذلك فى ضوء مشاكل مزمنة ومتراكمة وخطيرة وفى ظل مشاكل اقتصادية فاقت الحدود وتخطت الإمكانيات. نعم هناك فساد لن يقضى عليه بغير دور جماهيرى جماعى وفردى واضح وممارس طوال الوقت. نعم هناك جوقة المطبلاتية والمنتفعين الذين هم مع كل نظام ولا يرون غير مصالحهم الذاتية المتاجرون بالوطنية الذين لا يختلفون عن المتاجرين بالدين فى كل زمان ومكان. وهنا لابد أن نفرق بين الاختلاف مع النظام أو الرئيس ومع الاختلاف مع الوطن. فالوطن غير النظام. والوطن هو مصر الأرض والبشر والتاريخ والحضارة والهوية فماذا يريد هؤلاء المتاجرون بالثورة ؟ الشعارات الحشد المظاهرت نعم وأين العمل والمشاركة والنضال ودفع الثمن لصالح هذا الوطن حتى لو اختلفنا مع النظام ؟ وهل المظاهرات فى ٢٥ يناير تعنى ثورة تغيير للأحسن؟ وأين البديل الثورى؟ وأين المساندة الجماهيرية الحقيقية التى تريد إسقاط النظام كما يريد هؤلاء ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل ما تريدون ثورة أم فوضى ؟ وإذا كان البديل الجاهز الذى يحلم بالعودة تحت شعار الشرعية هو الجماعة فهل هذا هو المطلوب ؟ وهل يقبل الشعب هذا ؟ الوطن لن يبنى والثورة لن تتحقق بغير توافق واتفاق بغير حب لهذا الوطن وصالح الجماهير قبل المصلحة الشخصية والذاتية. مصر وطن الجميع وتقدمه مهمة الجميع ونقد النظام حق الجميع وتقبل الرأى الآخر وحفظ كرامة المواطن وإقامة العدل ودولة القانون والمواطنة هى أمل الجميع بعيداً عن الفوضى حتى تظل تتأكد دائماً أن مصر هى وطن كل المصريين.