ثورة فى كل عام.. رؤية فى فقه المقاصد

13/01/2016 - 1:30:32

بقلم - د. ناجح إبراهيم

هناك فقه عظيم من أنواع الفقه الإسلامى اسمه" فقه المصالح والمفاسد"، وقد دشن هذا النوع من الفقه شيخ الإسلام العز بن عبد السلام فى كتابه "قواعد الأحكام فى مصالح الأنام".. وهذا الفقه يعلّم المسلم أن يقيس فى كل أموره الصغيرة والكبيرة حجم المصالح والمفاسد ومقدار المكاسب والخسائر.


وهناك فقه عظيم أيضاً اسمه "فقه المآلات" أو فقه "النتائج" وهذا الفقه العظيم ينظر إلى نتائج الأعمال ومآلاتها وهل تصب فى صالح الأوطان والإسلام والشعب أم تصب فى عكس ذلك، فالإنسان لا يحاسب على العمل فحسب، ولكن يحاسب أيضًا على نتيجته ومألاته.. لاسيما إذا كانت ظاهرة واضحة لكل ذى عينين.


وهناك فقه ثالث يختص بزمن الفتن التى يتصارع فيها الناس صراعاً مدمراً على الدنيا أو السلطة..أو يتقاتل فيها أبناء الدين الواحد أو الوطن الواحد أو الأسرة الواحدة ويقتل بعضهم بعضا.. دون أن يدرى القاتل لِم قتل غريمه أو صاحبه وأخاه.. ولا يدرى المقتول فيما قُتل.


وفى هذه الفتن تختلط الأوراق، وتغيب الرؤية الصحيحة، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتسيل الدماء المعصومة بغير حق، ويتفحش الناس ويشتم بعضهم بعضا.


وللفتن فقهها الخاص الذى يوجب على المسلم المتدين الذى يحب دينه اعتزال هذه الفتن وعدم الخوض فيها وألا يكون طرفاً فيها.. فلا يظلم أحداً ولا يجعل نفسه فى مرمى ظلم الآخرين أو يعينهم على ذلك.. ولا يأكل أموال أحد، ولا يجعل نفسه غرضاً لتؤكل أمواله، ولا يلقى بنفسه ولا بأحد من أبنائه أو تلاميذه فى التهلكة.


فمهمة الداعية أو القائد فى الحركة الإسلامية أن يسعى لإخراج الناس من السجون وليس إدخالهم فيها.. ومهمته إخراجهم من الفتن وليس دفعهم دفعاً إليها..ومهمته الإحياء للأنفس وليس مهمته تشجيع أبناء الوطن الواحد على التقاتل والصراع الذى يضعف الفريقين أو يهلكهما.


وهناك قاعدة رابعة على الحركة الإسلامية المصرية أن تعمل بها وهى أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون ولا تبدأ من حيث بدأوا، وألا تعمل بنظرية التجربة والخطأ أو العمل بنظرية "يوم بيوم" وهى نظرية مهلكة للأفراد والأمم والجماعات.


وهذه النظرية هى السبب فى ضياع قرابة ثمانين عاماً من عمر الحركات الإسلامية هباءً منثورا.. فلا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت.. ولا وصلت إلى سلطة، ولا أبقت على دعوة.. ولا حافظت على الموجود من الشريعة والدين، ولا جلبت المفقود منها.. بل ضيعت الموجود ولم تأت بالمفقود.. وكررت الخطأ الواحد عدة مرات، ومع كل جيل دون أن يتعلم كل جيل من أخطاء سابقيه.


فالأخطاء التى تكررت سنة١٩٥٤هى نفس الأخطاء التى حدثت بعد ثورة ٢٥ يناير سنة٢٠١١.. فلا ينبغى للحركة الإسلامية أن تلدغ من الجحر الواحد مرتين.. فما بالنا وهى تلدغ من الجحر الواحد عشرات المرات.. وتقع فى نفس الحفرة التى وقعت فيها من قبل.


أما القاعدة الخامسة فهى منع الاحتراب الداخلى بين أبناء الوطن الواحد مهما كان.. فمهما ظلمت أو بخست حقك ينبغى عليك الصبر والعفو والصفح تطبيقاً لأمر الله "فاصفح الصفح الجميل"، "فاعف عنهم واصفح" فاصفح عنهم وقل سلام".. وذلك تفادياً للصدام بين أبناء الوطن الواحد.. لأن الصدام إذا بدأ فإنه يكبر ويزداد ويتوسع ويتحول من سياسى بارد إلى عنيف مسلح، ثم إلى دماء وقتلى وثارات وأحقاد وكراهية وتربص.. وكل ذلك يصعب علاجه ومداواته.


فإذا طبقنا هذه القواعد عملياً على المظاهرات والصدامات التى تتكرر سنوياً فى ذكرى ثورة ٢٥ يناير، والتى يشتبك فيها الشباب مع قوات الشرطة، ويسقط فيها قتلى وجرحى من الطرفين نجد الآتى :


أولاً : اعتصم مئات الآلاف من الشباب فى ميدان رابعة اعتراضاً على عزل د. مرسي.. وأدى هذا الاعتصام إلى أكبر مأساة فى تاريخ الاسلاميين المصريين ولم يحقق أى مصلحة فلم يعد د. مرسى إلى الحكم.. ولم يحقن الدماء بل كان سبباً فى تفجر وسيلان الدماء فى مصر بطريقة لم تحدث من قبل، وكان سبباً فى كل المآسى التى حدثت بعده ومسؤولية ما حدث فى رابعة موزعة بين قادة الاعتصام من جهة وقوات الفض من جهة أخري.


ثانياً : فى العام الذى يليه وفى ذكرى ثورة ٢٥ يناير تدفق الشباب فى مظاهرات صاخبة فى شوارع بعض المحافظات، وحاول بعضهم دخول ميدان التحرير عنوة بعد أن أغلقته قوات الجيش والشرطة وحذرت من دخوله.. وأدى الصدام بين الفريقين إلى مقتل عشرات المتظاهرين وجرح ٥٠٠ آخرين والقبض على ألف شاب فضلاً عن مقتل وجرح العديد من ضباط ورجال الشرطة.


ولم تؤد هذه المظاهرات إلى أى نتيجة فلا هى أعادت د.مرسى إلى الحكم، ولا حقنت الدماء، ولا أفرجت عن السجناء، ولا حققت المصالحة، ولا جلبت أى مصلحة، ولا درأت أى مفسدة.. بل زادت الإسلاميين رهقاً وعنتاً.. وزادت الدولة شدة وقسوة عليهم.. وأدت إلى مزيد من التفجيرات والاغتيالات فى جنود ضباط وجنود الشرطة والجيش دون ذنب جنوه أو ارتكبوه.. وكانت سبباً فى مزيد من الاحتقان بين الفريقين ولم يحقق أى طرف من الدولة أو الإسلاميين أى مصلحة.


ثالثاً : فى العام الماضى هدأت وتيرة المظاهرات فى ذكرى ثورة ٢٥ يناير عن العام الذى قبله.. فخرجت مظاهرات محدودة فى عدة مدن منها أطراف القاهرة والجيزة والفيوم وبنى سويف وغيرها.. وحدث صدام بين هذه المظاهرات مع قوات الشرطة مما أدى إلى خسائر كبيرة بين المتظاهرين منها ٥ قتلي.. وقرابة ١٠٠ جريح وعشرات المقبوض عليهم.. ولم يعد د. مرسى أيضاً للسلطة، وحشر العشرات إلى السجون.. وزاد الاحتقان.. وبعد الصلح والتصالح.. وساءت السجون.. وفتحت الأبواب مرة أخرى للدماء المعصومة لكى تسيل.


فترى هل نكرر مأساة الأعوام الثلاثة الماضية.. لنريق مزيداً من الدماء.. وندخل مئات آخرين من الشباب إلى السجون.. ونحرض مجدداً على الجيش والشرطة فتحدث التفجيرات والاغتيالات.. ويقع أبناء الوطن مجدداً فى صراعات ودماء وأحقاد وضغائن.


فهل يتصور عاقل أن نكرر مظاهرات السنوات الحاشدة، التى لم تكن لها أى ثمرة سوى المزيد من الأرامل والثكالى واليتامى فى الفريقين.


فهل اشتقنا إلى مزيد من بكاء اليتامى وعويل الأرامل وحزن الثكالى.


أم اشتقنا إلى مزيد من تدمير الاقتصاد والسياحة ووقف عجلة التنمية التى بدأت بالكاد.


أين فقه النتائج والمآلات، وأين فقه المقاصد، وأين فقه المصالح والمفاسد، وأين فقه المراجعة، وكيف يغيب العقل فى كل عام ؟!


إننى أطالب الشباب أن يبتعد عن الصدام والمظاهرات فى هذه المناسبة، فالثورات لا تتكرر فى كل عام إنما هى فلتات فى عمر الأمم قد تحدث كل ٥٠ عاما.


كما أطالب الدولة أن تفتح ذراعيها لكل التيارات وللشباب خاصة، وأن تبدأ فى حوار مفتوح مع الجميع فى كل قضايا الوطن، ما لم يحمل سلاحاً أو متفجرات، أو يقوم بعنف


وأن تبسط عدلها ورفقها على هذا الشباب من كل التيارات.


وأن تطلق عملية عفو واسعة عن كل السجناء الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء، لعل ذلك يفتح القلوب مع صفحة جديدة صافية نقية تنقل الوطن من مربع الدماء والأحقاد إلى مربع الحب والسلام.