الثورة هل هى أفضل الحلول.. دائما؟

13/01/2016 - 1:22:05

بقلم - أحمد بان

كلما أظلنا شهر يناير من كل عام أصبحنا أمام مشهد لمن يجد الثورة سبيلا للتغيير انطلاقا من يناير، الذى وافق ما سماه البعض ثورة وما سماه البعض هبة وسماه آخرون انقلابا، بينما سماه البعض فوضى تمهد للخراب وتدهور الأحوال وهدم الدولة.


بقليل من الهدوء والتعقل دعونا نناقش معنى الثورة، وهل هى أفضل الطرق للتغيير نحو الأفضل، لكن قبل ذلك يجب التأكيد على أن أى نظام حاكم هو فى النهاية الذى يصنع مسارات المعارضة، إما بفتح أفق السياسة وحرية التعبير التى تقود إلى حرية التغيير، وإما بغلق فضاء السياسة واستبداد الأمن بكل الحسابات وغلق كل الآفاق، بحيث تنتفى كل طرق تداول السلطة أو التغيير تماما كما يعبر جون كيندى بالقول «إن الذين يرفضون الثورة السلمية إنما يعجلون بحتمية الثورة العنيفة».


فى نضال كل الشعوب لنيل حرياتها واستقلال قراراتها وإدارة مقدراتها طريقان، الأول هو الإصلاح الهادئ المتدرج الذى يتوسل بأدوات التغيير الدستورى والقانونى، ينشد الديمقراطية والتنمية بمعنى أن التغيير هو طريق الديمقراطية، وليس الثورة التى صدق البعض حين قال «لا يمكنك القيام بثورة لتحقيق الديمقراطية، بل يجب أن يكون لديك ديمقراطية لتحقيق الثورة – جلبرت شيسترون الكاتب الإنجليزى الديمقراطية هى التى تعبد لقرارات أى نظام حاكم الطريق لنفوس الشعب، كما يؤكد أيضا الكاتب الأمريكى إريك هوفر الذى يقول كنا نعتقد أن الثورات هى سبب التغيير، ولكن بالعكس التغيير هو ما يمهد للثورة على أرض الواقع».


الثورات هى هذا الفعل العنيف الهادر الذى يستصحب بوعى أو دون وعى الفوضى والعنف، وسط موجاته قد تجد المخلصين المؤمنين بحق الوطن فى الحرية والديمقراطية والتنمية، ولكن من قال إن هؤلاء هم من تؤول لهم الأمور فى النهاية أو يصنعون مشاهد النهاية، ففى كل ثورة كما يقول جوزيف كونراد «المخلص والعادل والنبيل والإنسانى وعاشق الطبيعة وغير الأنانى والذكى من الممكن أن يبدأوا ثورة، ولكنها تفلت منهم فهم ليسوا زعماء الثورة ولكنهم ضحاياها «إن تأمل مشاهد يناير وما أعقبها سيجد مصداقا لكلام الرجل، تلك الفئات بالضبط هى الفئات التى قدمت للشهداء الورد اللى فتح فى جناين مصر كما عنونت صورهم وحفرت فى قلوبنا جميعا، الثورة تلتهم أفضل ما لدينا من ثمار وتترك لنا الأدعياء واللصوص الذين يجيدون الاختباء فى انتظار الغنيمة الباردة.


فى التجربة الغربية كم دولة انطلقت من فعل الثورة إلى الحضارة والتقدم، سيقول لى الكثيرون فرنسا دون أن يكملوا إجابتهم بحجم ضحايا الثورة الفرنسية، والأهم ما أنتجته من طغيان واستبداد جديد، فكما يقول كافكا «كل ثورة تتبخر وتخلف وراءها وحلا من البيروقراطية الجديدة».


هل نحن فى مصر بإمكاننا دفع فاتورة ثورة بحجم الثورة الفرنسية، فى كل الأحوال لايمكننا أن نضبط إيقاع ثورة أو نتائجها فلها قانونها الخاص كما يقول لينين «من المستحيل التنبؤ بوقت قيام أو تطور الثورة، وإنما يحكم الثورة قانونها الغامض» طبعا غامض لدى الجماهير، لكنه ليس غامضا أمام تلك الطغمة التى تختبئ فى انتظار القفر على الحكم توسلا بالفوضى التى تخلفها الثورة، التى تمثل نهايتها كما يقول اليكس دى تشيفيل الثورة مثلها مثل الرواية أصعب جزء فيها كيفية إنهائها.


بهذا المنطق دعونا نتعرف أكثر على المفهوم الغربى للثورة من خلال أقوال أهم فلاسفة ومنظرى الغرب، فعندما يقول جورج أورويل الروائى الإنجليزى ذائع الصيت: «لازيادة الثروة ولا تحسن الأخلاق ولا الإصلاح ولا الثورة نجحت فى الاقتراب ولو مليمتر واحد من المساواة الإنسانية، ثم يقول السلطة ليست وسيلة وإنما هى غاية لا يوجد من يؤسس ديكتاتورية لحماية الثورة، ولكن يوجد من يقوم بثورة لتأسيس ديكتاتورية « هكذا ببساطة يكشف الكاتب العظيم عن حقيقة الثورة فى التجربة التاريخية، كل ثورة ناجحة ترتدى فيما بعد ثوب الطاغية الذى أطاحت به كما تقول باربرا توكمان المؤرخة الأمريكية، رفعت يناير شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية، لكنها لم تظفر سوى بفاشية دينية كشفت عن وجهها فيما أصدره محمد مرسى فى نوفمبر من عام ٢٠١٢ فى الإعلان الدستورى، الذى وضع أول مسمار فى نعش نظامه، صحيح أنه كانت هناك عوامل أخرى متعددة أدت الى ذلك، ولكن من قال إن الثورة يتم إعدادها فى المعمل والتحكم فى كل العوامل المرتبطة بها، إنها تحدث فى مساحة مترعة باللاعبين والرغبات المتعارضة والمتباينة جدا، بما يؤكد على استحالة التحكم بمآلاتها كما أسلفنا، كما أن أى ثورة لم يكن من أهدافها أو من نتائجها تحسن الأخلاق أو القيم بل بروز عادات وقيم جديدة هى ابنة الفوضى وغياب الحدود، بحيث تبقى أهم الثورات على الإطلاق هى الثورة على المشاعر وعلى العرف وعلى الأراء الأخلاقية كما يقول الفيلسوف الإيرلندى بيرك وهو ما عايناه فى واقعنا بعد ثورة يناير، تبدلت القيم أو انكشفت حقيقتها بالأحرى وخرج الناس من عقال القانون الذى لم يكن عادلا فى كل أحواله، لكنه يبقى قانونا مكان تغييره البرلمان والتشريع وليست فوضى المشاعر أو الأراء.


يبقى هم الثورة الأصيل أن تنتج فى واقع الناس مشاركة حقيقية فى السلطة وتوزيعا عادلا للثروة وقضاء على الفقر والبيروقراطية والفساد.


إذا كان علينا أن نختار بين سلطة ديكتاتورية أو انهيار الدولة وشيوع الفوضى، فالأفضل على أية حال أن تكون هناك سلطة حتى لو كانت تحكم بشكل غير ديمقراطى، وأنا أعنى ما أقول بالنظر إلى ما يجرى فى الإقليم وفى العالم يبدو حماس الغرب منقطع النظير للفوضى فى منطقتنا تحت قناع الثورة، بعد أن تحولت إلى سلاح يقلب منطقتنا رأسا على عقب، تأملوا فى خريطة الفوضى والحروب الأهلية تحت عنوان الثورة فى اليمن فى سوريا فى العراق فى ليبيا، وكيف أفلتنا نحن بحكمة هذا الشعب الجمعية بالأساس ثم بوعى وصلابة مؤسسة عسكرية تقدمت لملء الفراغ الذى تركه ضعف البنيان السياسى للقوى التى رفع بعضها شعار الثورة، تاركا السلطة للإسلاميين ورفع الآخرون شعار السياسة دون أن يقدموا بديلا سياسيا متماسكا من خلال أحزاب حقيقية لها تنظيمات تنتشر فى ربوع المحروسة.


الحرية ليست فى أن تدفع ثمن اختيارات الآخرين بل تدفع أنت ثمن اختياراتك العاقلة والرشيدة، إذا كنت مؤمنا بالحرية فالثورة قد تمنحك حرية إشعال فتيلها فقط، لكن حريتك تقف وتنتهى عند تلك اللحظة تماما كما يعبر بصدق المؤرخ الفرنسى فرانسوا جيزو «روح الثورة وروح التمرد تتعارض تعارضا جذريا مع الحرية».


فى السياق الذى تلى خروج الإخوان من الحكم لم تمض الأمور كما تريد قطاعات مؤثرة من المصريين، لا زالت تؤمل فى ديمقراطية أوسع وحرية أكبر ومشاركة فى السلطة والإدراة، لكن هل السياق الإقليمى المترع بالمؤمرات الحقيقية على بلادنا توقف أو منحنا وقتا لالتقاط الأنفاس، هل تعود الأسباب فى تدهور الأحوال فى كل المساحات إلى النظام السياسى وحده، أم للشعب معه من يمنع الشعب وقواه الحية أن يقود معركة لإصلاح الأخلاق والنهوض بأنسانية الإنسان المصرى من عثرتها، لازال يفزعنى ويخيفنى ما أعلنه مسئول أمنى كبير وعلى الهواء فى أحد البرامج أن فى مصر ٧٥٠ ألف مسجل خطر يمضون بيننا ويفرضون قيمهم بقوة السلاح والجريمة، تأملوا سينما السبكى ومشاهدها، والله لقد فاتنى أن أتابع مسيرة السينما منذ عشرين عاما فقررت أن أطلع على تراث تلك السنوا ت، فهالنى حجم الانهيار الأخلاقى والقيمى الذى تحفل به مشاهد تلك الأفلام وما تسجله من انهيار قيمى فادح.


سؤال ظل يحيرنى فى مسيرة الفكر والتاريخ الإسلامى أنه بالرغم من أن القاطع والحاسم من الأحكام فى الشريعة جاء فى مساحة الأخلاق، وأن الظنى جاء فى مساحة الحكم إلآ من تحديد قيم الحرية والعدل والشورى كأعمدة للنظام الذى يتفق معه الإسلام فى الحكم، فقد انشغلنا طوال تاريخنا بإدارة المعارك والصراعات حول الظنى والذى لم يأت حاسما وصارما وهو الحكم وقوالبه، حتى أن المسملين خرجوا للسقيفة يتهارشون على الحكم تاركين جسد رسول الله مسجى فى فراشه، ولازالوا تاركين لما جاء به وحى السماء من الدعوة للقيم ولمكارم الأخلاق، لا يديرون أى معركة فى سبيل انتزاع نظام قيمى صارم يهذب تلك الفوضى التى أمسكت بخناق المجتمع، بينما تدور رحى المعارك دون هوادة من أجل انتزاع الحكم والدفع فى اتجاه عجلة الفوضى والعنف، والتى لا تنتهى ولا تتوقف عن إنتاج أسوأ الثمار.


لماذا يتمسك الغرب بقيم التدافع السلمى عبر المؤسسات، ويتمسك بإصلاح التعليم ومناهج التربية، بينما يشجعنا نحن على التغيير الثورى وما يحمله من فوضى لا تؤدى إلا إلى المزيد من الخراب، فى بلادنا أشياء يجب أن تتغير إلى الأفضل نعم فى الحكم وفى السياسة والأمن، لكن فى أخلاقنا وقيمنا ما هو أولى بالرعاية ومسئولية الحاكم والنظام السياسى أن يفتح أبواب التغيير عبر مؤسسات الدولة وتحت مظلة الدستور والقانون الذى ينبغى أن يطبق على الجميع دون تمييز والاحتكام إلى قيم الحرية والعدل والشورى واحترام حقوق الإنسان التى كفلها الدستور والقانون.


واقع مصر الاجتماعى فى ظل فقر وتراجع لسلطان القيم الوطنية أو الدينية الغائبة يؤشر إلى جحيم إذا انطلقت فوضى جديدة، حتى لو توسلت بشعارات التغيير إلى الأفضل، ما نحتاجه ثورة فى الأفكار تعيد تحديد وتجريد منظومة القيم الدينية والوطنية الصحيحة، التى تستعيد إنسانية الإنسان المصرى من جديد بعد أن أفقده الطغيان الطويل أهم مقومات إنسانيته، بحيث لم يعد قادرا سوى على إنتاج فوضى تلو الأخرى وأن تخفت العناوين، رفقا بأنفسنا وببلادنا مصر لا تحتاج مزيدا من الفوضى كفانا ما يسكن عقولنا من فوضى فى الأفكار والمفاهيم والقيم، وهذا هو التحدى الأولى بالرعاية والذى يحتاج جهود المخلصين والأنقياء والشرفاء الذين نضن بهم أن يندفعوا إلى محرقة الفوضى التى تسمى نفسها ثورة، فلا ثورة بلا ثوار يدركون معنى الثورة على النفوس وإحيائها بديلا عن زهقها على مذبح الحكم الذى لايرتوى من دماء الشرفاء، كما أن الرسالة للنظام الحاكم استثمر فى الإصلاح ولا تسثمر فى الفوضى بالإصرار على السياسات البائسة والنهج العبثى الذى لم ينتج سوى الفوضى أيضا وإن بدت منضبطة وتحت السيطرة والتحكم.