فى ذكرى ثورة: كيف يمكن أن يتغير المجتمع؟

13/01/2016 - 1:16:03

  السيسى يشارك البابا والأقباط الاحتفال بعيد الميلاد من الكاتدرائية السيسى يشارك البابا والأقباط الاحتفال بعيد الميلاد من الكاتدرائية

بقلم - د. سامح فوزى

خمس سنوات مرت على ثورة ٢٥ يناير، جرت خلالها مياه كثيرة، بين حالة وله، وإعجاب، وحب فى الثورة التى أحدثت تغيرات عميقة فى المجتمع إلى حالة أخرى لا يزال فيها من يؤمن بالثورة، ولكن قطاعا لا يستهان به أصبح يرى أنها جذبت المجتمع إلى الخلف فى أحسن الأحوال، أو يوصمها بالمؤامرة فى أسوأ التفسيرات.


وبين شد وجذب، خطاب إعلامى وسياسى مع، وآخر ضد، ينبغى أن يطرح الباحثون سؤالا مهما: هل الثورة تغير؟ هل مصر بحاجة إلى ثورة؟ الإجابة عن هذا السؤال بتجرد ضرورية خاصة إزاء من يتحدث عن إمكانية ثورة جديدة لا تتوافر شروطها، وندخل فى أسئلة لا تنتهى عن الثورات التى تقلب الموازين، ثم ما تلبث أن تواجه بتحركات أخرى تعيد تشكيل المشهد، وهلم جر...


فى تقديرى أن مصر بحاجة إلى تغيير من داخلها، يراعى إيقاع الحياة، ولا يقفز على نفسية مجتمع أتعبه بشدة التحولات الدرامية.


تغيير المجتمعات


تتغير المجتمعات عبر دورات زمنية، ويبقى العنصر الحاسم فى التغيير ما يطلق عليه «الفعل الجماعي» أى أن يصبح التغيير المراد بلوغه سلوكا عاما يشترك فى حدوثه عدد كبير من الأفراد.


ينبغى أن ندرك أنه ليس كل «فعل جماعي» ينتج التغيير، لأن هناك أشكالا من الفعل الجماعى قد تحدث تأثيرا أو تعبر عن مشاعر بعض الوقت لكنها لا تؤدى إلى التغيير المراد حدوثه. مثال على ذلك مشاركة عدد كبير من المواطنين فى مظاهرة، بالتأكيد يعبرون عن مشاعر مشتركة، وقد يسعون إلى خدمة قضية، ولكن قد لا يؤدى عملهم إلى تغيير فى أى اتجاه أو فى الاتجاه الذى يسعون إليه. وقد جربنا من قبل كيف أن شعارات العيش الحرية العدالة الاجتماعية اجهضت على يد شعارات تعبوية إسلامية، وحكم دينى يسعى إلى السلطة بعد أن صادر زخم الجماهير المطالب بالحرية.


التغيير الاجتماعي: التنمية الشاملة


أحد الأسباب التى تحملنا إلى الاعتقاد بأن المجتمع بحاجة إلى هندسة جديدة تطبق تدريجيا، ولم يعد يحتمل تغييرا فجائيا جذريا، يفجر الخصومات، ويهز العلاقات المستقرة على نحو يهدد استقرار المجتمع ذاته، ويعيد دفة الأمور لما هو أسوأ، وليس الأفضل دائما.


نحن بحاجة إلى تنمية، والتنمية بحكم التعريف عمل متدرج بناء تراكمي..


التنمية مفهوم مركب، يُفهم أحيانا فى بعده الاقتصادي، فى حين أن له أبعادا أخرى متشابكة. هناك التنمية البشرية، التى تتعلق ببناء القدرات البشرية من خلال التعليم والصحة والتدريب. وهناك التنمية الاقتصادية التى تتمثل فى رفع مستوى معيشة الأفراد، والحصول على نصيب عادل من ثروات المجتمع. وهناك التنمية السياسية التى ترمى إلى رفع مستوى الوعى السياسي، والمشاركة السياسية، والانخراط فى العمل العام، واحترام حقوق الإنسان. وهناك التنمية الاجتماعية التى تصب مباشرة فى بناء الروابط الاجتماعية بين الأفراد على أساس من الثقة والاحترام المتبادل، ونموذجها الأشهر هو المنظمات غير الحكومية، والحركات الاجتماعية. وهناك التنمية الثقافية التى تهدف إلى تطوير القدرات الذهنية للأفراد فى فهم الواقع، والتعامل معه، ورفع مستويات الحوار الثقافى فى المجتمع. وهناك التنمية الإدارية التى تسعى إلى الحد من الروتين، وتطوير قدرات الأجهزة الإدارية، ومكافحة الفساد، ونشر ثقافة المساءلة والشفافية، وارتفاع مستوى الحساسية لمطالب المواطن اليومية.


إذن مفهوم التنمية متنوع، متشعب، متعدد الأبعاد.


المجتمع المصرى فى حاجة ماسة إلى إدراك مفهوم التنمية فى كلياته، وليس فى جزئياته، إذ يصعب تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة دون تنمية سياسية وثقافية واجتماعية وإدارية. عناصر التنمية متشابكة، ويصعب الفصل بينها، أو تفضيل أحدها على الآخر.


فى الدولة الحديثة ترتبط المواطنة ارتباطا وثيقا بمفهوم التنمية. ففى الوقت الذى تتعدد، وتتنوع فيه أبعاد التنمية، تتعدد كذلك أبعاد المواطنة، ويتلاقى المفهومان معا فى نهاية المطاف. فالمواطنة فى معناها الشامل لا تتحقق إلا فى ظل وجود تنمية شاملة.


هناك مواطنة اقتصادية تتعلق باقتسام الثروة، والعدالة الاجتماعية. وهناك مواطنة سياسية تتصل بمباشرة الحقوق السياسية والمشاركة، واحترام حقوق الإنسان. وهناك مواطنة قانونية تتعلق بالمساواة أمام القانون بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو الثروة. وهناك مواطنة ثقافية تمس جوانب عديدة مثل الهوية، والحق فى التعبير، واحترام حقوق المختلفين نوعيا، ودينيا، الخ.


التنمية تحقق المواطنة. التنمية السياسية تحقق المواطنة السياسية، والتنمية الاقتصادية تحقق المواطنة الاقتصادية، والتنمية الثقافية تحقق المواطنة الثقافية، والتنمية البشرية والإدارية تساعد على تحقيق الكيان الإنسانى للمواطن، مما يمكنه من تحقيق المساواة المنشودة.


هذه هى المواطنة، وهذه هى التنمية، وما يفصل بينهما سوى خيط رفيع.


صفوة القول أن المواطنة تحتاج إلى أساس تنموى يحققها، ووعى اجتماعى وسياسى يصونها، ويقوى دعائمها، ويحولها إلى ممارسة أكثر من كونها نصا دستوريا.


هندسة التغيير


يحتاج المجتمع إلى هندسة سياسية، من أبرز تجلياتها تأكيد أسس بناء الدولة، وهو ما يتحقق فيما نطلق عليها التنمية الشاملة التى تستند إلى المواطنة.


هناك عدد من المهام الضرورية فى هذا الخصوص:


• استكمال بناء دولة القانون، وهو ما يحقق ليس فقط المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف فى النوع أو اللون أو الدين أو الجنس أو العرق، ولكن أيضا تيسير وصول المواطنين لمؤسسات العدالة، والتطبيق الصارم للقانون فى حالات الافتئات على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وتنفيذ الأحكام القضائية بشفافية.


• حرية المواطنين فى تكوين منظمات المجتمع المدنى من أحزاب ونقابات وجمعيات أهلية، وأندية وروابط، ورفع وصاية الحكومة على هذه التكوينات المدنية بما يتيح لها حرية الحركة، وأداء وظائفها باستقلال.


• تعميق مشاركة المواطنين فى الحياة العامة، ليس فقط فى الانتخابات ولكن فى التنمية الاجتماعية بكل مشتملاتها: وهو ما يتحقق فى التجارب التى حدثت فى دول عديدة مثل وضع الميزانية بالمشاركة كما حدث فى تجربة البرازيل، وغيرها مما يشعر المواطن أنه رقم فى المعادلة السياسية.


• حرية ممارسة الشعائر الدينية للمواطنين، كل حسب معتقده فى ضوء النظام العام فى المجتمع، بما لا يخل من حرية بناء المنشآت الدينية، وممارسة التعليم الديني، والتعبير عن الهوية الثقافية المتميزة، والحيلولة دون ازدراء أصحاب الأديان والمعتقدات والمذاهب التى تعتنقها أقليات عددية فى المجتمع.


• اعتبار «الكفاءة» هو العنصر الأساسى والوحيد فى أهلية تولى المناصب العامة، دون تمييز ضد الأفراد بسبب الدين أو النوع أو الجنس أو المعتقد أو الوضع الاجتماعي، وما شابه. وإقرار القوانين التى تعاقب الموظف العام على ممارسة التمييز فى حق أى مواطن أو جماعة من المواطنين لأى سبب من الأسباب.


• إصلاح الجهاز الإداري، همزة الوصل بين المواطن والدولة، على نحو يجعله أكثر نزاهة فى تنفيذ مهامه، ويشعر المواطن أنه «خدمة مدنية» بالمعنى الحقيقي، وليس جهازا يستعلى على المواطن، ولا يحقق الأهداف التنموية فى المجتمع.