د.أحمد يوسف أحمد: الأمن القومى العربى الآن = صفر

13/01/2016 - 1:09:20

  د. أحمد يوسف فى حوار الأسبوع مع أسرة تحرير «المصور».. يكشف المخططات ويحلل الأوضاع فى المنطقة     عدسة: إبراهيم بشير د. أحمد يوسف فى حوار الأسبوع مع أسرة تحرير «المصور».. يكشف المخططات ويحلل الأوضاع فى المنطقة عدسة: إبراهيم بشير

أعد ورقة الحوار: نجوان عبداللطيف أعدت الندوة للنشر: فاطمة قنديل

ونحن فى بدايات عام ٢٠١٦ يغادرنا العام الماضى بالام واحباطات عربية كبيرة، عام كنا نحلم أن نرى فيه العراق وسوريا وليبيا يضمدون جراحهم، فاذا بجرح جديد فى اليمن.. سلاح عربى مشهر فى وجه عربى اخر.. دول عربية تهوى وشعوب تتحول إلى لاجئين، فى كل أنحاء الدنيا، يفضلون الموت غرقا عن البقاء فى جحيم الحروب فى أوطانهم.


كنا نتصور مع نهايات هذا العام أن هناك بارقة امل فى حل المعضلات.. مفاوضات بين فرقاء اليمن فى «سويسرا» واتفاق بين الأخوة الليبيين الأعداء فى «الصخيرات بالمغرب» وحوار فى الرياض بين الفصائل السورية المتناحرة المتحاربة، ولكن جاء عام ٢٠١٦ فى بداياته بقنبلة جديدة انفجرت فى المنطقة بين السعودية وإيران على إثر تنفيذ السعودية لحكم الإعدام فى الداعية الشيعى السعودى «نمر باقر النمر»، مما يكاد ينذر بتحويل الصراع على الأراضى العربية إلى صراع طائفى بامتياز بين السنة والشيعة، لتزداد الصورة العربية قتامة..


د. احمد يوسف احمد -أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ومدير معهد البحوث والدراسات العربية سابقا، والباحث السياسى المرموق- الذى لم يتردد يوما عن قول ما يمليه عليه ضميره العلمى والوطنى فى شئون أمته العربية التى تسكن قلبه، والذى قضى عمره فى محاولة كشف أغوارها وتقديم الحقائق امام شعوبها وأصحاب القرار السياسى فيها لعلهم يتركون أهواءهم الشخصية وينتبهون للمخططات الاقليمية والدولية التى تستهدف هذه الامة.


د. احمد يوسف أحمد يؤكد لنا فى حواره مع «المصور» أن الصراع بين إيران والسعودية لن يشهد مزيدا من التصعيد، وان عام ٢٠١٦ للأسف لن يكون عام التسويات للأزمات العربية بل ربما يشهد التقسيم الفعلى على الأرض، وان الأمن القومى العربى الآن = صفرا..


المصور: ما تقييمك للشان السعودى الإيرانى وما هى تداعياته من وجهة نظرك؟


د. احمد يوسف: بالطبع ما حدث من تطورات اخيرة فى العلاقات السعودية الإيرانية للاسف هو مزيد من التصعيد فى المنطقة، وأنا لا اتصور تصعيدا اكثر من الذى حدث, هناك صراع عسكرى فى اليمن والصراع السورى مازال محتدما والعلاقات السعودية الإيرانية بطبيعتها كانت متوترة وبالطبع الخطوات الاخيرة تزيد من توتر العلاقات بينهما ومن ثم تزيد التوتر فى المنطقة ولكن لا اتوقع أن يكون هناك تصعيد خطير.


المصور: تقصد تصعيد خطير يمكن أن يصل إلى حرب مباشرة؟


د. احمد يوسف: لا اتوقع نشوب حرب مباشرة بين السعودية وإىران لأن ما يحدث الآن بالفعل هو حرب بالوكالة، اليمن فيها حرب بالوكالة وسوريا فيها حرب بالوكالة «اقصد بين السعودية وإيران» حيث أن إيران تؤيد النظام السورى والسعودية تؤيد فصائل معارضة إسلامية مسلحة، وبالتالى اقصى سقف للتصعيد اتصوره هو ما يحدث الآن من الحروب بالوكالة، ربما تزداد الدرجة ولكن لن ننتقل إلى مرحلة اخرى أو نقلة نوعية.
ولعلنا نلاحظ أن ردود افعال الدول اعضاء مجلس التعاون الخليجى, وهذا متوقع لم تساير التصعيد الاخير تماما وحتى الآن الدولة الوحيدة التى قطعت علاقتها الدبلوماسية هى البحرين وهو ما كان متوقعا من الوهلة الاولى لأن البحرين هى الهدف الاول للتوسع الإيرانى فى الخليج، لكن نلاحظ أنه كان متوقعا من البداية أن سلطنة عُمان لا يمكن أن تستجيب ولا حتى بالادانة اللفظية لأن عُمان معروفة بسياستها الخاصة المتوازنة, وكما هو معروف قد لعبت دورا فى مرحلة ما فى الاتفاق النووى الإيرانى الغربى, ولعبت دورا فى محاولة الوساطة فى الصراع اليمنى، أيضا الكويت اكتفت بالادانة اللفظية ثم استدعت سفيرها وهذا اعلى سقف لها، لأن الكويت فيها نظام ديمقراطى وخُمس سكانها من الشيعة وبالتالى أى إجراء حاد من الممكن أن ينعكس على الأمن الداخلى، أيضا الإمارات وهى حليف قوى للسعودية اكتفت بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسى، ونحن نعلم أنه بالرغم من الخلاف الاقليمى بين الإمارات وإيران على الجزر الثلاث لكن العلاقات الاقتصادية على سبيل المثال بين إمارة دبى وإيران قوية جدا لكل دولة السياسة الخاصة لها.


وبالتالى ما أريد قوله أنه حتى داخل مجلس التعاون الخليجى لا يوجد اتجاه واضح للتصعيد الدبلوماسى، ولكن بالتأكيد ما حدث من توتر بين الطرفين هذا التصعيد سيضيف مزيدا من العراقيل لجهود التسوية فى الصراعين السورى واليمنى ونحن نعلم أنه فى الاونة الاخيرة حدثت تطورات إيجابية فى الصراعات الثلاثة المحتدمة «السورى واليمنى والليبى» ففى وقت متزامن تقريبا تم توقيع اتفاق الصخيرات وأيده مجلس الأمن وجرت مباحثات فى منتصف ديسمبر الماضى فى جينيف حول اليمن برعاية الامم المتحدة ومجلس الأمن اصدر قرارا بتسوية الصراع السورى وفى الوقت ذاته عُقد مؤتمر الرياض الذى كان من إحدى نتائجه تشكيل وفد لمفاوضة النظام فى منتصف هذا الشهر يناير, وهذا كان تطورا نوعيا لاننا نعلم أن الموقف السعودى قبل ذلك كان رافضا أن يكون للنظام ورأس النظام أى دور فى التسوية.


بالطبع هذه الانجازات أدت أن البعض قال إن عام ٢٠١٦ سيكون عام التهدئة والتسويات, والحقيقة أن المؤشرات كانت تشير إلى ذلك لولا أننى كنت اختلف مع الذين قالوا إن التسويات فى طريقها للحل, لأن التسويات كان امامها عقبات هائلة والمشكلة الآن اننا لدينا الصعوبات الاصلية ولدينا ردود افعال التصعيد الجديد خاصة على الصراع فى سوريا والصراع فى اليمن.


المصور: من المسئول عن هذا التصعيد إيران أم السعودية.؟


د. أحمد يوسف: دعونا نتلمس البدايات: الشىء المؤكد أن إيران لها مشروع اقليمى فى المنطقة, وهذا المشروع بدا واضحا فى لبنان وسوريا منذ ما قبل الغزو الأمريكى للعراق, حزب الله ولاؤه المعلن لإيران والنظام السورى وعلاقته التحالفية مع إيران منذ الحرب العراقية الإيرانية, سوريا كانت الدولة العربية الوحيدة التى تقدم خدمات لوجيستية وعسكرية للطرف الإيرانى فى الحرب مع العراق منذ ذلك الوقت جاءت مؤخرا مشكلة الحوثيين وعلاقة الحوثيين بإيران والثورة الإيرانية تعود إلى عقد التسعينيات من القرن الماضى هم وكيل إيران فى اليمن.


إذا نقطة البداية أن إيران لها مشروع فى المنطقة ونجحت فى تجسيد هذا المشروع على الاقل فى ٤ دول عربية وهى اليمن ولبنان وسوريا والعراق بعد الغزو الأمريكى، لأن العراق فى ثمانينيات القرن الماضى كان حائط الصد ضد امتداد النفوذ الإيرانى داخل المنطقة العربية, ولكن بعد واقعة غزو الكويت ثم الغزو الأمريكى للعراق وتفتيت الدولة العراقية وتفكيكها «واعطاء افضلية لشيعة العراق فى مؤسسات الحكم الجديد وكان هذا مدخلا لنفوذ كبير لإيران فى العراق حتى منذ ما قبل الانسحاب الأمريكى.


إذا نقطة البداية أن هناك مشروعا إيرانيا اقليميا فى المنطقة ومن المؤكد أن السعودية تضار من هذا المشروع لانه يهددها ويمكن أن يتمدد ويعمل على اثارة الشيعة سعودية كما حدث فى البحرين، إذا هذا المشروع يمثل تهديدا كبيرا للسعودية, وهذه هى نقطة البداية فى التوتر الحالى وما حدث فى الايام الاخيرة مجرد خطوة تصعيدية تضاف إلى خطوات ربما تكون اهم.


النقطة الثانية المكملة هى أن السياسة السعودية وخاصة فى عام ٢٠١٥ بدأت تتسم بمزاج معين يخرج عن الطابع المحافظ الحذر لهذه السياسة والذى ميزها عقودا طويلة، وقد استشهد بالموقف السعودى من الصراع فى اليمن فى الستينيات من القرن الماضى بحيث كانت القوات المصرية والتى كانت تمثل مشروع جمال عبد الناصر فى المنطقة موجودة على الحدود السعودية تناصر الجمهورية اليمنية وكانت السعودية تناصر الملكيين، ولكن كانت تناصرهم بالمال أو بالسلاح أو بتجنيد المرتزقة ولكن لم تفكر فى أى وقت من الاوقات أن تقوم بعمل عسكرى مباشر, كما قررت فى عاصفة الحزم.


المصور: هل السبب فى ذلك أنها لم يكن لديها قوة عسكرية حقيقية فى ذلك الوقت بينما الآن لديها جيش حقيقى بالمعنى العسكرى؟


د. أحمد يوسف: هذا امر صحيح ولكن أنا اردت هنا المقارنة فقط بين موقفين، فى عاصفة الحزم لم اكن اتصور أن يأتى رد الفعل بهذه السرعة وبهذه القوة, والحقيقة أن هذا التصرف فى حد ذاته بالرغم أن الكثير عارضوه نظرت له نظرة إيجابية من منظور أنه ربما يكون قد آن الأوان للتصدى الواضح لمحاولة إيران أن يكون لها وجود، كما يقال بألفاظ مستشار الرئيس الإيرانى «وجود امبراطورى فى المنطقة» وكما قال فى تصريحه أن إيران أصبحت امبراطورية ممتدة فى ٤ دول عربية وعاصمتها بغداد وليست حتى طهران.


وعاصفة الحزم من هذه الزاوية كانت فى رأيى اشارة ايجابية أن هناك قوى مقاومة للتغلل الإيرانى فى المنطقة ونعلم أن هناك من يقول إن إيران ثورة وأنها تقف معنا ضد إسرائيل فى الصراع العربى الإسرائيلى لكن بالاضافة إلى هذا إيران دولة قومية وليست دولة دينية بالاساس بمعنى أنها دولة لها مصالح قومية وبالتالى الأمن القومى العربى يتطلب التصدى للنفوذ الإيرانى.


من هذين العاملين المشروع الإيرانى والمرحلة الجديدة فى السياسة السعودية التى تقوم على المواجهة المباشرة حدث هذا التصعيد فى التوتر فى الاونة الاخيرة.


المصور: هل تعتقد السعودية التى كانت فى الفترة الأخيرة تقود العمل العربى ولكن بهدوء وأما الآن.. هل تعتقد أنها وهى تمضى الأن فى سياسة المواجهة المباشرة وتدشن قيادتها للعمل العربى باستخدام القوة؟


د. أحمد يوسف: الدور القيادى للسعودية أصبح حقيقة واقعة, ولكنه ليس دورا منفردا لأن السعودية لا تستطيع أن تقود وحدها الوطن العربى, ولكنه بالتأكيد دور مؤثر وخاصة أن الدول العربية الرئيسية لها ظروف خاصة... العراق تفككت وسوريا نعلم جميعا ما يجرى فيها ومصر مشغولة الآن اولا باستكمال مواجهة الإرهاب والانطلاق فى مرحلة اعادة البناء، بينما السعودية دورها برز فى الاونة الاخيرة ربما لانها الدولة العربية الوحيدة التى مازالت موجودة وتلعب دورا حقيقيا ومتنفذة فى بعض البلدان العربية هناك دول اخرى عربية مهمة مثل الجزائر ولكن الجزائر تبدو منشغلة بمحيطها الجغرافى الفرعى فى المغرب العربى.


إذا السعودية بالتأكيد تلعب دورا قياديا ولكننى أؤكد أنه ليس دورا قياديا منفردا لأن منذ هزيمة ٦٧ وثورة اسعار النفط، أصبح النظام العربى بعد أن كان يتميز بقيادة شبه احتكارية لمصر أصبح هناك تعدد فى مراكز القوى من بينها مصر وإن تراجع نفوذها وخاصة فى عهد الرئيس مبارك لأن حتى فى عهد الرئيس السادات ظل نفوذها موجودا، وأنا دائما استشهد بانه رغم أن العرب قد رفضوا تماما مسلك التسوية السلمية للسادات لكن الشىء اللافت أن بعد ثلاث سنوات فقط من المعاهدة المصرية الإسرائيلية إذا بمنهج التسوية السلمية يصبح منهجا عربيا شاملا معتمدا كما حدث فى قمة (فاس) عام ١٩٨٢ حيث اقرت مبادرة الامير فهد فى ذلك الوقت للتسوية السلمية للصراع العربى الإسرائيلى، والسعودية ليست ولن تكون قيادة منفردة لأن هناك تعددا فى مراكز القوى ومازال موجودا وكل ما فى الامر الأن هذه المراكز بعضها يتعرض لمخاطر تصل إلى حد التفكيك كالعراق وسوريا أو فى احسن الفروض عدم الاستقرار.


بالطبع مصر قوة مؤثرة جدا على عكس مايرى البعض لأن التطورات التى حدثت فى اعقاب انتفاضات ما سمى بالربيع العربى أكدت بوضوح ما هو معنى القوة المصرية فى المنطقة لأن مصر كانت ومازالت القوة الوحيدة المؤهلة للتصدى للمد المتستر بالدين تحت شعار الاخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات التى تنسب نفسها للدين الإسلامى وهذا دور ليس بقليل الاهمية واعتقد أن هذا يفسر استقرار العلاقات المصرية السعودية، رغم أن السياسة المصرية تتباين مع السياسة السعودية فى قضايا مهمة ولا اعنى التباين بمعنى التصادم ولكن اقصد أنها تختلف وتتنوع مثل الموقف فى سوريا والموقف فى اليمن، فى سوريا نعلم أن هناك اصرارا سعوديا على رحيل بشار الاسد وفى المقابل أعتقد أن السياسة المصرية لا يعنيها بشار الاسد ولكن يعنيها أن رحيله قد يكون نقطة البداية فى انهيار الدولة السورية وهناك اعتقاد راسخ لدى الدولة المصرية أنها لا تريد تكرار تجربة العراق فى سوريا لأن تاريخيا سوريا بالفعل ترتبط بالأمن القومى المصرى ارتباطا حقيقيا وهذا جانب اختلاف مهم.


فى اليمن مصر اتفقت مع السعودية على المواجهة العسكرية للخطر الحوثى الإيرانى ولكنها كيفت مشاركتها باعتبارات امنها الداخلى, لأن القوات المسلحة المصرية مشغولة بتصفية خطر الإرهاب فى سيناء, وهى ايضا قد تكون مشغولة فى أى وقت بمهام داخلية مثل تأمين الانتخابات, أو إذا حدثت اية تحركات تمس الأمن الداخلى، إذا ليس هذا هو الوقت المناسب لتورط مصرى عسكرى كبير وخاصة برى, وفى هذا السياق اقول إن اقرار مشروع القوة العربية المشتركة والذى جاء بمبادرة مصرية يمثل الاطار المثل لكل من يريد من مصر أن تشارك فى مهام حفظ الأمن القومى العربى.
المصور: لكن السعودية قامت بعمل التحالف الإسلامى الذى تقريبا اجهض مشروع القوة العربية المشتركة بحيث أصبح غير مطروح ولا احد يتحدث عنه؟


د. أحمد يوسف: بالطبع اعلان التحالف الإسلامى كان مفاجئا بالرغم من أنه يتسق مع التوجه السعودى القيادى, ويتسق مع المكانة السعودية فى منظمة التعاون الإسلامى, ولكن المفاجأة لى كانت أن مشروع القوى العربية المشتركة تعثر بعد أن استكمل كافة اجراءاته السياسية ومضامينه باعتماد وزراء الخارجية العرب له, ثم اعتماد قمة شرم الشيخ فى مارس الماضى، ثم دُرس من قبل رؤساء الاركان العربية وأصبح المشروع جاهزا للاعتماد وفى ليلة الاجتماع طلبت السعودية التأجيل, وأنا شخصيا لا اعلم السبب إلا إذا كان نوعا من التحفظ على الفكرة واعتقد أنه ليس سرا أن الوفد السعودى فى قمة شرم الشيخ كان متحفظا, وان الرئيس السيسى لعب دورا مهما فى اقناع باقى الدول ومشاركته هى التى حسمت الموافقة على هذه القوة وواضح أن الموافقة مرت ولكن فيما بعد ظهرت المعارضة فى صورة طلب التأجيل.


المصور: ولماذا السعودية تعارض فى حين أنها تطلب مشاركة الدول العربية، هى لم ترفض فقط بل قامت بعمل التحالف الإسلامى، أليس ذلك مضادا للموقف المصرى، هل للسعودية مشروع امبراطورى مثل مشروع إيران؟


د. أحمد يوسف: رؤية القيادة المصرية شديدة الوضوح أن مصر وإن كانت تستعيد مكانتها المحورية فى النظام العربى وتستعيد تأثيرها إلا أنها لا تفكر من قريب أو من بعيد فى اعادة نموذج الستينيات، والحقيقة أن هذا التصور هو الذى يتسق مع الواقع الفعلى فى النظام العربى الآن بحيث لا توجد دولة تستطيع أن تهيمن بمفردها على النظام العربى.


وبالتأكيد هناك طموحات سعودية بان يكون لها الدور القيادى والاوحد فى قيادة النظام العربى, لكن فى رأيى هذا من المستحيل واعلان التحالف الإسلامى من الممكن أن يعوق مزيدا من المشاركة المصرية العسكرية، مصر لها معاييرها فى التدخل العسكرى، لكن إذا كانت القوى العربية المشتركة قد اقرت ومصر صاحبة المبادرة فيها أعتقد أنه كان سيصعب على مصر رفض المشاركة فى مهام هذه القوى، البعض قال وأنا لا استطيع أن احسم هذه المقولة أن السعودية ربما تخشى من الوزن المصرى فى القوى العربية المشتركة ومع ذلك دعونا نتحدث عن تكوين هذه القوى لا مبرر أن تطغى دولة على دول اخرى فى هذه القوى وخاصة أن هذه القوى لن تتدخل إلا بطلب من الدول المعنية، وأذكر فى هذا السياق لكى ادلل على التوجه السليم لمصر حتى فى ذروة المد الثورى فى عهد عبد الناصر أنه عندما دعت مصر إلى تشكيل قوة حفظ سلام لحماية الكويت من التهديد العراقى فى ١٩٦١ تعمدت مصر أن يكون المكون السعودى فى القوة اكبر من المكون المصرى تفاديا للحساسيات وحسب تقاليد القوات الدولية تعطى القيادة لمن هم اصحاب النسبة العددية الاكبر فى هذه القوات, وبالتالى كان قائد هذه القوة سعوديا رغم أن العلاقات فى ذلك الوقت بين مصر والسعودية كانت متوترة.. أنا لا ارى مجالا للخشية من القوى العربية المشتركة.


المصور: وبالنسبة للدور المصرى فى الأمن القومى العربى، كثيرا ما يؤكد الرئيس السيسى فى أحاديثه على مسئولية مصر تجاهه مثل استخدامه لعبارة «مسافة السكة والأمن الخليجى خط احمر» بالاضافة إلى تصريح وزير الخارجية المصرى أن امن السعودية هو الأمن القومى المصرى؟


د. أحمد يوسف: على مستوى الرؤية الرسمية هذه مسألة محسومة منذ الحملة الرئاسية للرئيس السيسى, وفكرة ارتباط الأمن الخليجى بالأمن العربى أصبحت فكرة راسخة فى العقيدة السياسية والأمنية المصرية ولكن المشكلة فى التطبيق, ولنفرض أن الإمارات أو البحرين أو السعودية تعرضت لخطر عمل عسكرى إيرانى «وانا استبعد ذلك تماما ولكن اقول هذا للتوضيح» بالتأكيد مصر سوف تشارك فى دفع هذا الخطر ولكن فى احوال اخرى هناك شروط أو قيود مثلما ذكرت أن الجيش المصرى مشغول الآن بتصفية الإرهاب فى سيناء بالاضافة إلى ازمة الحدود الغربية وايضا الحدود الجنوبية هذا بخلاف مهامه الداخلية فى الاشراف على الانتخابات وتأمين الجبهة الداخلية...الخ.


التهديد المباشر لامن دولة عربية ما بصفة عامة وخليجية بصفة خاصة يجعل تدخل مصر للدفاع عنها امر محسوم، غير ذلك الامر مطروح للنقاش والحسابات, وعلى سبيل المثال عندما صرح احد المسئولين الأمريكيين بأن داعش لن يُقضى عليه إلا بقوات عربية وكأنه يستملح أن مصر تكون هى المكون الرئيسى لها لهذا كان واضحا أن الموقف المصرى أنها لن ترسل جنديا مصريا واحدا لسوريا لأن الموقف شديد التعقيد فلن تقبل أن يحارب جنود مصر لصالح أى من الفرقاء السوريين شديدى التنوع والخلاف فيما بينهم، وعلى سبيل المثال عندما تعرض العراق لخطر تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية هل ترسل مصر قواتها لحماية نظام كان متهما بالطائفية.. ومشاركة مصر فى هذه الصراعات المعقدة لابد أن تقيم فى كل صراع على حدة.


المصور: وبالنسبة لما حدث من تصعيد ما بين السعودية وإيران فى الفترة الاخيرة وتشكيل السعودية للتحالف الإسلامى، هل هذا ينقل الصراع فى المنطقة إلى صراع طائفى بين السنة والشيعة وهل ذلك تنفيذ للاجندة الأمريكية التى نعلمها جميعا أم هذا صنع ايدينا نحن مع الأخذ فى الاعتبار ردود افعال الشيعة فى المنطقة العربية بحيث كانت ردود افعال العراقيين عنيفة جدا لصالح إيران، وردود افعال حزب الله نفس الشىء وايضا شيعة البحرين بل وفى السعودية نفسها، إذا بالفعل أصبح هناك تحرك يؤجج الصراع الطائفى ما بين الشيعة والسنة فى المنطقة؟


د. أحمد يوسف: أريد أن ابدا بالنهاية أنه للاسف أصبح هناك صراع فى الوطن العربى وفى الشرق الاوسط بصفة عامة صراع يمكن أن يكيف على أنه صراع طائفى، ولا استطيع أن اقول إن الصراع فى العراق أو سوريا أو اليمن مازال مبرئا من الاعتبارات الطائفية ولا الصراع بين السعودية وإيران مبرئا من الاعتبارات الطائفية وهذه النقطة الاولى.


النقطة الثانية: للاسف أن اذكاء هذا الخط من خطوط الصراعات فى المنطقة جاء بسبب السياسة الأمريكية بمعنى «اننا طول عمرنا شيعة وسنة وطول عمرنا لدينا خلافات ما» لكنها لم ترق ابدا إلى حد التناقض الرئيسى ولناخذ العراق مثالا نعم كان هناك خلافات والسنة يحكمون العراق منذ القدم ولكن سياسة نظام صدام حسين لم تكن تؤجج هذا، وحين قام الأمريكان بعمل قائمة الكوتشينة التى تضم المطلوب اعتقالهم وتصفيتهم من نظام صدام وحزب البعث كان نصفهم على الاقل من الشيعة، وصحيح أن الرئيس صدام حسين كان سنيا لكن رئيس المجلس الوطنى كان شيعيا وعدد ليس بقليل من الوزراء والمسئولين من الشيعة ...الخ ولم تكن المصطلحات الطائفية موجودة حتى إن نسبة الزيجات المختلطة كانت نسبة لا تقل عن ربع الزيجات فى العراق، أما الآن فأصبح هناك ما يشبه العزل الطائفى ومن فعل ذلك هى الولايات المتحدة الأمريكية لأن التدخل الأمريكى, جاء فى الاساس بفعل احزاب شيعية معارضة موالية للولايات المتحدة الأمريكية, والادارة الأمريكية اقامت نظاما جديدا فى العراق قائما على المحاصصة الطائفية ونصيب الشيعة فى هذه المحاصصة كان كبيرا, وبالتالى بدا الصراع للاسف يتطور وفقا لاسس طائفية، وعندما تفجر الصراع فى سوريا فوجئنا ايضا بنفس المسألة أن هذا صراع يكيف وكانه صراع طائفى وهذه ليست الحقيقة تماما لكن الظروف للاسف بلورت هذا, ومازالت القوى الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تؤجج هذا الصراع وفى هذا السياق يأتى الموقف الأمريكى مؤخرا عندما اعلنت الولايات المتحدة أن التحالف الإسلامى يتسق مع رؤيتها وهى أن الدول السنية آن لها أن تقوم بدور اكثر فاعلية فى مواجهة خطر داعش, وللاسف الصراع وفق خطوط طائفية أصبح موجودا والخارج الذى فجر هذا الصراع مازال يزيده تفجيرا وللاسف عندما نرى ردود افعال القرارات السعودية الاخيرة سواء بالاعدامات الاخيرة أو بقطع العلاقات مع إيران نرى ردود فعل شديدة الغضب وردود الفعل لهذه القرارات فى إيران وفى لبنان على ايدى حزب الله ايضا شديدة الغضب ولدى شيعة البحرين ايضا شديدة الغضب وايضا فى داخل السعودية فى المناطق الشيعية...الخ.


المصور: هل المنطقة تدفع الآن ثمن الصراع بين الفكر الوهابى والفكر الشيعى؟


د. أحمد يوسف: الطريقة السعودية فى نشر المذهب الوهابى اكثر حذرا من الطريقة الإيرانية بحيث أصبح لإيران الآن احزاب وقوى مثل حزب الله فى لبنان والحوثيين وغيرهم، ولكن فى الوهابية الطريقة مختلفة.


المصور: إلى أين سيذهب هذا الصراع؟


د. أحمد يوسف: ما لم تبذل جهود حقيقية لردع هذا الصراع سيصبح وللاسف مرشحا للتصاعد وعلى سبيل المثال احد التداعيات لا قدر الله للتطورات الاخيرة أن تزيد الفتنة داخل البحرين والسعودية وهذا شىء محتمل وبالتالى سيكون على النظام السعودى والنظام البحرينى أن يبذل مجهودا اكبر من اجل دمج المجتمع فى اطار وطنى وليس اطارا طائفيا.


المصور: ولكن إيران اعتذرت ومجلس الأمن اتخذ قرارا ضدها، والسفير السعودى فى الامم المتحدة قال إن العداوة بيننا وبين إيران ليست فطرية أو عداوة أصيلة؟


د. أحمد يوسف: لابد أن تهدأ الامور قليلا، هذه التطورات لن تؤثر على جهود التسوية فى سوريا واليمن ولكن فى الواقع هى ستؤثر ولو بعد حين.


المصور: موقف السودان مُستغرب بعض الشىء فى هذه العملية ونحن نعرف أن السودان له علاقات دبلوماسية وطيدة مع إيران وفجأة اخذت موقفا عنيفا بقطع العلاقات؟


د. أحمد يوسف: معروف أن للسودان علاقة بإيران وصلت إلى درجة ما من درجات التغلغل داخل السودان, ولكن واضح أن القيادة السودانية انقلبت على هذا، وكان لدينا مؤشرات واضحة اولا فى المشاركة السودانية البرية فى اليمن فى عاصفة الحزم صحيح أنها ليست واسعة لكنها مشاركة، وها هو المؤشر الثانى أن السودان احدى دولتين فى العالم كله حتى الآن قطعت علاقتها مع إيران، إذا هناك تغير ما فى السياسة السودانية والاولويات السودانية.


المصور: هل هى لعبة مصالح؟


د. أحمد يوسف: بالتأكيد.


المصور: دعنا نأخذ الحوار الى جانب اخر بمناسبة التطرق للسودان... ما رأيك فى العلاقات السودانية المصرية وخاصة فى قضية سد النهضة؟


د. أحمد يوسف: أعتقد أن هذه العلاقات ليست كما ينبغى والمسئولية فى هذا اكثر على السودان، بمعنى أن هناك قضيتين رئيسيتين: السودان يحكمها فرع ما من الاخوان المسلمين، وبالتالى امر طبيعى أن يكون هناك توتر ما لكن القيادة السودانية تدير علاقتها بشىء من الفطنة فى هذا الصدد لكن على سبيل المثال هى تدعم الفصائل الموالية للاخوان فى ليبيا وهى امور ثابتة وهذا نقطة خلاف.


النقطة الثانية هى أن هناك قضايا خلافية مابين مصر والسودان وعلى رأسها قضية حلايب وهى دائما قضية غير مشتعلة أولا لوجود سيطرة مصرية كاملة عليها ولأن مصر تستند فى ذلك إلى حقوق قانونية مؤكدة، ثم إن الشعب فى حلايب وشلاتين فى الانتخابات البرلمانية سجل أعلى نسبة مشاركة وهذا أحد مظاهر شرعية الوجود المصرى.
ولكن اللافت أن قضية حلايب موجودة على الاجندة السودانية حتى الآن ومنذ فترة وجيزة تحدث الرئيس السودانى عن حلايب وأن السودان صاحبة حق فيها رغم أنه لا توجد أحداث تستدعى ذلك وهى قضية خلافية قديمة لكن لا أحد من الطرفين يريد تصعيدها.


لكن الموقف اللافت هو موقف السودان من سد النهضة وأنا ليست لدى الخبرة فى قضايا المياه التى تجعلنى أحدد إلى أى مدى ستكون استفادة السودان من سد النهضة كما تقول، لكن فى ظل علاقة يقال أنها علاقة صداقة أزلية أو شىء من هذا القبيل كنت أتمنى أن السودان على الأقل يكون وسيطا محايدا ولا أطلب منه أن يدعم الموقف المصرى على حساب مصالحه، الواضح من متابعة المفاوضات أن السودان كانت أقرب لوجهة النظر الإثيوبية منها إلى وجهة النظر المصرية وكان هناك تصريحات محددة من مسئولين وخبراء سودانيين أن السودان صاحب مصلحة فى سد النهضة.


المصور: وآخر مقال كتبه وزير خارجية السودان قال إن سد النهضة مفيد لنا وهذا نشر فى الجرائد المصرية؟


د. أحمد يوسف: بالضبط وهذا معناه أن هناك لا أريد أن اقول تناقضا، ولكن هناك اختلافا فى المصالح وهذا الاختلاف من الواضح أن القيادتين لا تريدان تصعيده لأن بالفعل ليس من الصالح تصعيده ولكن السودان تركنا وحدنا فى قضية سد النهضة.
المصور: كيف ترى الأمن القومى العربى الآن؟


د. أحمد يوسف: للاسف لدى اغراء شديد أن اقول «صفرا» لأن الأمن القومى العربى أو أى أمن قومى لابد أن يقوم على وحدة التهديدات، الأول أتى علينا حينا من الدهر كانت إسرائيل هى التهديد وعندما كانت إسرائيل تهدد الأمن القومى العربى، كما حدث مثلا فى قضية تحويل مياه نهر الأردن عام ١٩٦٣ جميع الدول العربية استجابت استجابة فورية لدعوة الرئيس عبد الناصر للاجتماع وتكونت قيادة عسكرية عربية مشتركة وخُصصت الميزانيات, ودفعت, واختير القائد, ووضعت الخطط...الخ لماذا؟ لأن إسرائيل كانت الخطر المتفق عليه من قبل الغرب جميعا على الأمن القومى العربى.


المصور: وهل مازالت إسرائيل العدو الاخطر والاول الذى يهدد امتنا العربية ونتوافق جميعا على اعتباره كذلك؟


د. أحمد يوسف: بالطبع مازالت لكن الاولويات اختلفت بمعنى, على سبيل المثال مواجهة الإرهاب أصبحت فى المقدمة لدى بعض البلدان العربية, فعندما نقول لسوريا أين الجولان؟ ستقول إننى أولا أواجه الإرهاب، الامر الآخر والاخطر هو المشروع الإيرانى لانه مشروع متحرك وليس مشروعا ساكنا, ومن ثم يفرض مواجهته على بعض البلدان عندما يتمدد على الارض فعليا.


إذا الاولويات اختلفت وبالتالى اول شىء أنه لم يعد هناك اتفاق على وحدة التهديد, وأعتقد أنه من الصعوبة بمكان الآن القول أن إسرائيل هى الخطر الاول على الأمن القومى العربى، حتى فى مصر, هل الآن نحن فى الموقف الذى يمكنا أن نتحدث عن الخطر الإسرائيلى على مصر بينما لدينا خطر على كيان الدولة المصرية موجود فى سيناء التى تجاور إسرائيل, وان إسرائيل ولابد أن نكون صرحاء تغاضت عن انتهاك مصر الجسيم لمعاهدة السلام حيث إن الآن الجيش المصرى موجود بكامل عدته وعتاده فى الجزء المتاخم للحدود الإسرائيلية, وهذا يعنى أن هناك مصلحة مشتركة فى مواجهة الإرهاب، إذا الاولويات اختلفت، واذا كانت اختلفت بالنسبة لمصر فقد اختلفت بالنسبة لسوريا والعراق والسعودية وجميع دول المنطقة.
المصور: هل ذلك مصادفة أم مخطط؟


د. أحمد يوسف: فى رأيى أن هناك بعدا تخطيطيا, وان هذه الاحداث بالتأكيد جزء مهم منها أصيل, وهو أنه كان هناك نظم استبدادية تجثم على صدور وانفاس الشعوب العربية حتى انفجرت, وهذا هو الجزء الاصيل فى ثورات الربيع العربى.
أما الجزء الخارجى كيف توظف القوى الدولية والاقليمية هذه الصراعات الداخلية فى خدمة اغراضها وفى بعض الروايات أن بعض الانتفاضات جزئيا شُجعت من قوى خارجية ولكن أنا دائما اقول إنه لولا وجود رغبة شعبية عارمة فى التخلص من نظم معينة لما نجحت أى قوى خارجية فى أن تثير انتفاضات، وعلى سبيل المثال النموذج المصرى نعم كان هناك شباب فجروا التحرك الشعبى فى يناير وبعض هؤلاء الشباب تم تدريبه فى الخارج، لكن لم يكن لهذه التحركات أن تُفضى للتغيير الذى حدث إلا بالتأييد الشعبى لهذه التحركات الاولية.


المصور: وكان هناك شباب آخر ليس مرتبطا باى تدريبات خارجية وقادوا هذه الثورة؟


بكل تأكيد, وبالتالى الاجابة على سؤال أنه هل هو مخطط خارجى؟ ما حدث فى جزء اصيل منه تطورات داخلية لكن وهذا امر طبيعى أن الخارج تدخل ما قبل هذه التطورات أو بعدها لكى يوظف هذه التطورات فى خدمة مصالحه.


المصور: هل ذلك يعنى أن إسرائيل اليوم لم تصبح الخطر الانى للشعوب العربية، اليس ذلك المخطط منذ فترة كسينجر منذ ٤٠ عاما وهو استيعاب إسرائيل داخل المكون العربى والمنطقة بحيث يتم تأجيج الصراعات المذهبية وتصبح إيران هى العدو الاول ويصبح هناك صراع بين السنة والشيعة ويُستوعب هنا إسرائيل بحيث لا تصبح هى العدو هل نجح هذا المخطط؟


د. أحمد يوسف: نعم وهذا مخطط قديم وليست مسألة الشرق الاوسط الجديد واذكر أستاذنا الراحل الدكتور حامد ربيع له كتاب صدر فى الثمانينيات من القرن الماضى, يفصل بيننا وبينه حوالى ثُلث قرن ويقول فيه هذا الكلام، ولنتصور معا أن الصراع الطائفى أصبح ملمحا أساسيا فى المنطقة لأصبح لدينا دول سنية ودول شيعية ودولة يهودية، واذا كان المسلمون غير قادرين على الاتفاق على دولة واحدة واذا كان الشيعة يريدون دولة والسنة يريدون دولة لماذا لايحق لليهود أن تكون لهم دولة هم ايضا وهكذا، إذا هذا مخطط قديم وللاسف التطورات الحديثة جعلت تنفيذه ممكنا وامرا واقعا.


المصور: كيف ترى تهديد الأمن العربى الآن إذا اتفقنا أن إسرائيل لم تعد الاولوية؟


د. أحمد يوسف: التهديد الرئيسى الآن للامن القومى العربى هو تفكيك النظام العربى بحيث يصبح لا قدر الله لقمة سائغة لاى عدو وللإرهاب مجسدا فى شىء ما مثل داعش، ولإسرائيل بحث تصبح دولة عظمى وسط هذا التفكك، ولإيران ولقمة سائغة لتركيا بالطبع وللدول الكبرى.


وعلى سبيل المثال عندما نتأمل الوضع فى سوريا هذا كابوس لم يكن احد يتخيل حدوثه به فى يوم من الايام، واليوم هل يمكن لعاقل أن يتصور أن حل الصراع فى سوريا معلق بقرار عربى! هناك اطراف عربية مثل السعودية وقطر لها وجود فى الازمة السورية ولكن هناك أيضا تركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا وبريطانيا، وكل هؤلاء يحاربون فى سوريا وأظن أنه ليس هناك اختراق للامن القومى العربى اكثر من هذا.


المصور: بمناسبة ذكر روسيا فى الموضوع هى الآن تعرض الوساطة بين إيران والسعودية، وهى متدخلة فى سوريا جويا بشكل كبير بالاضافة إلى تطور علاقتها بمصر، إذا هل ترى أن المنطقة تعود مرة اخرى لصراع الحرب الباردة مابين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وهل روسيا ستلعب دورا فى المرحلة القادمة لضرب المخطط الأمريكى من وجهة نظرها ولمصالحها؟


د. أحمد يوسف: أريد القول أنه إذا استخدمنا تعبير الحرب الباردة بتحفظ ما فإنها قد عادت بالفعل أحيانا فى إطار تضاد واختلاف ما بين الطرفين ازاء بعض الازمات واحيانا كان هناك تنسيق أمريكى روسى فى الاونة الاخيرة، كما حدث فى الموقف ازاء حل الامة السورية مؤخرا بدليل أن الموقف الامريكى الذى كان يتطابق مع الموقف السعودى بشأن ضرورة رحيل بشار الاسد قبل أى خطوة فى التسوية تغير وأصبح يقال أن رحيله يمكن أن يصبح فى نهاية الفترة الانتقالية وان لكل حدث حديث، إذا قد يكون هناك تعاون لتعقد الموقف لكن بالتأكيد خطر الاستقطاب الدولى فى المنطقة قائم وبالنسبة لعرض روسيا بالتوسط فى الازمة السعودية الإيرانية، أعتقد أنه مستبعد لأن السعودية تعلم أن علاقات روسيا وإيران جيدة وبالتالى لن تكون روسيا هى الوسيط المناسب وبالنسبة لهذا العرض أنا متأكد أن الرئيس بوتين يعلم جيدا هذا لأنه قائد شديد الذكاء وفى الاونة الاخيرة اتخذ من القرارات والتحركات ما جعل روسيا عاملا فاعلا فى المنطقة وجزء من هذه الفاعلية عرضا للتوسط حتى ولم يتحقق لن نخسر شيئا وعرض التوسط يشير إلى ان روسيا هنا متواجدة ولها علاقات طيبة بكل من إيران والسعودية وهكذا.


المصور: كيف يتم انقاذ الأمن القومى العربى؟


د. أحمد يوسف: نظريا معروف كيف ولكن للاسف إنقاذه فى الامد القصير يكاد يكون مستحيلا لأن نظريا انقاذ الأمن القومى العربى يتطلب اولا تسوية الصراعات الداخلية فى عدد من الدول العربية المهمة مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا...الخ وهذه هى النقطة الاولى والاصعب.


النقطة الثانية أنه يتطلب الاتفاق على مصادر التهديد وهذه مسألة اصعب لأن بالتأكيد صورة إسرائيل كتهديد اختلفت، لأن هناك دولا أصبح لها معاهدات مثل مصر والاردن بل إن السياسة الرسمية للدول العربية هى المبادرة العربية، والخطر الإيرانى ليس واحدا بالنسبة للجميع وهذه ستكون المرحلة الثانية شديدة الصعوبة فى محاولة الحفاظ على الأمن القومى العربى.. الاتفاق على مصادر التهديد سيكون بمثابة عملية عسيرة للغاية.
النقطة الثالثة أنه حتى إذا اتفقنا إذا فكيف وما هى آلية حماية الأمن القومى العربى؟ واذا كان ما تتعرض له دولة عربية ما خطر داخلى فهذا امر سهل, بحيث الحكومة الشرعية تطلب والدولة الصديقة لها تلبى، انما ما هى الآلية إذا كان هذا الخطر خارجيا والقوة العربية المشتركة مشلولة حتى الآن أو مؤجل تفعيلها، إذا الخروج من المأزق الراهن للامن القومى العربى صار معضلة حقيقية.


المصور: بالنسبة للربيع العربى كما تحدثنا أن الظروف الداخلية لكل دولة ساعدت على هذه الثورات وهذه الانتفاضات، مصر الآن يوجد بها حالة هلع وخوف من «عفريت ٢٥ يناير» وهناك حديث عن ثورة ثالثة، ووزير الاوقاف صرح بأن خطبة الجمعة القادمة سوف تكون لتجريم النزول فى ٢٥ يناير، ما تقييمك للوضع؟


د. أحمد يوسف: تقديرى بالتأكيد هناك فصائل معارضة للنظام الحالى وللرئيس السيسى وبالتأكيد سيكون هناك مسعى للتحرك فى يناير من قبل البعض، لكنى أعتقد أن هناك قدرا من المبالغة فى تصور المعارضين بان ٢٥ يناير سيكون هو نهاية النظام الحالى ويتسق مع هذا المبادرة الغريبة التى تقدم بها عبد المنعم أبو الفتوح والتى تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة لأن الوضع فى مصر وإن بقيت فيه بؤر للإرهاب وأزمات متعددة فى عدة مجالات ولكنه بالتأكيد لم يصل إلى حد وجود رفض شعبى للرئاسة الحالية يقارن بالرفض الشعبى للرئيس الأسبق مرسى كى يتطلب تحركا شعبيا أو الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.


وأنا أتصور أن ٢٥ يناير سيمر بسلام وهنا لا أقصد أنه لن يكون هناك عنف ولكن ما يقال عن احتمالات إسقاط النظام هو مبالغة غير مقبولة.


المصور: بمناسبة الوضع الداخلى...هل لدينا من مراكز البحوث ما يوثق أن مصر مدركة أهمية المخاطر الداخلية والخارجية لأنه من الواضح أننا فى مكان وأصحاب القرار فى مكان آخر، ؟


د. أحمد يوسف: من جهة مراكز بحوث تنبه بمخاطر وتقترح وسائل وكتابات أيضا ليس بالضرورة أن تأتى فى إطار مراكز بحوث ولكنى أعتقد أن هذا متوفر، ما مدى تأثير هذا على صنع القرار؟ هذا شىء لا أعلمه وما أعلمه أن هناك استشارات واجتماعات وأن هناك من يدعى لإبداء الرأى...الخ ولكن ما الذى يتم فى هذه العملية أنا لا أعلم.


بالنسبة لتأثير الوضع على التحرك المصرى العربى أنا شخصيا لا أعتقد أن التحرك المصرى العربى الحالى كاف ولكن فى إطار الوضع المصرى الحالى أعتقد أنه شىء إيجابى بمعنى أن مصر على سبيل المثال أعادت شبكة علاقتها العربية على نحو جيد ليس فقط مع دول الخليج ولكن مع معظم وإن لم يكن جميع الدول العربية تحتفظ بموقف مستقل مع عدد من القضايا الرئيسية ومنها القضية السورية والقضية الليبية...الخ، وآفاق الدور المصرى الحالى بالطبع ليست كما نريد بسبب الأوضاع الداخلية والمشاغل الداخلية.


المصور: معضلة الإخوان المسلمين فى مصر تؤثر على موقفها فى القضايا الخلافية الموجودة على الساحة العربية ومنها ما يتعلق بالأزمة الليبية فمصر ليست فاعلة بالأمر الكافى لأن لديها موقفا انحيازيا مع فريق ضد فريق الإخوان المسلمين وفى سوريا نفس الموضوع وأيضا فى السودان من الصعب على مصر أن تدعم أى نظام إخوانى أو أن تكون على علاقة طيبة بالإخوان المسلمين فى أى مكان كيف ترى معضلة الإخوان المسلمين فى موقف السياسة الخارجية لمصر؟


د. أحمد يوسف: إذا انتقلنا إلى معضلة الاخوان فى السياسة الخارجية لمصر نعم هى معضلة حقيقية لسبب بسيط وهو أن مصر فى حالة صراع مع الاخوان المسلمين وهى لا تستطيع أن تغير وجهتها إلا إذا حدث تغير جذرى فى سلوك هذا التنظيم بمعنى قبول العملية السياسية السلمية والاعتذار عما حدث...الخ وأعتقد أن هذه مرحلة لم يأت دورها بعد وبالتالى هذا الموقف بالتأكيد يؤثر على سياسة مصر الخارجية لدرجة أننى كانت أتوقع أن مصر ستكون متحفظة على اتفاق «الصخيرات» بين الفرقاءالليبيين ولكن مصر أيدته وهذه حكمة سياسية وذكاء دبلوماسى, ولكن بشكل عام بالنسبة للأزمة الليبية انحياز مصر لطرف فى الصراع قلل من أهمية الدور المصرى فى الوساطة ولكن ليس من أهمية الدور المصرى بصفة عامة, مصر تتجه لدعم الطرف الأقرب إلى المصالح المصرية وإضافة إلى ذلك مصر لم تحاول عرقلة الاتفاق وتعاملت بمنهج أنه إذا استطاع أصحاب الشأن التفاهم فيما بينهم هذا أفضل من الصراع الدائر وبالنسبة للصراع الدائر فى سوريا، وبصراحة أنا لا أستطيع أن أبدى حماسا هائلا لإسقاط بشار الأسد ونظامه رغم كل رفضنا لممارسات هذا النظام لأن وريثه لن يكون تنظيمات إخوان مسلمين ولكنها ستكون تنظيمات إرهابية حقيقية وبالتالى لا أستطيع أن أقبل تهدئة مع تركيا والشائعات التى قيلت أن هناك وساطة بين مصر وتركيا ليست بصحيحة,كيف يكون هناك وساطة بين مصر وتركيا وأردوغان «قايم نايم» ليس فقط ينتقد السياسة المصرية ولكنه ينتقدها بشكل غير مهذب وخارج عن كل معايير اللياقة الدبلوماسية.


المصور: ليس هذا فقط بل ويحتضن جماعة الإخوان المسلمين والهاربين منهم والمحكوم عليهم..


نعود إلى الوضع الليبى الذى يصنف بالخطر الأكبر على مصر أولا وعلى الوطن العربى ثانيا، ماذا عن الوضع فى ليبيا ودور الدول العربية ودور السعودية التى تطالب بتحالف إسلامى ولا تدعم الموقف المصرى فى ليبيا بمعنى أن كل ما يعنيها اليمن وإيران ونحن نواجه وحدنا ليبيا وداعش على أراضيها بينما العديد يواجه داعش فى سوريا وكأنهم يقضون على داعش فى العراق وسوريا ويأتون بهم إلى ليبيا حيث المنوط بنا مواجهتهم؟


د. أحمد يوسف: بغض النظر عن أنه مخطط لكن هذا ما حدث, وبالطبع الصراع فى ليبيا هو أخطر الصراعات بالنسبة للأمن المصرى لأن هناك حدودا مشتركة وعندما نقول إن سوريا مرتبطة عضويا بالأمن المصرى فهذا صحيح، واليمن أيضا كذلك بسبب مضيق باب المندب، ولكن ليبيا بيننا وبينها حدود مشتركة، وإذا لا قدر الله داعش أصبح لها دولة هذا خطر مباشر على الأمن المصرى وفى هذا الصدد أعتقد أن السياسة المصرية تقوم بما فى وسعها وهناك أشياء أخرى لا تعلن وأنا شخصيا لا أعلم تفاصيلها, ولكن أعلم أنها موجودة من أجل دعم الطرف الذى يعتبر مناوءا للقوى المتمسحة بالدين والتى تعارض النظام المصرى, وعندما تعرض الأمن المصرى ممثلا فى ذبح مواطنين مصريين ردت مصر بضربة عسكرية فورية ودون استئذان من أحد، وأنا كباحث أتصور أن مصر لها دور فى دعم الجهات التى تعتبرها اكبر وأقرب إلى مصالحها، لا أعلم تفاصيل هذا الدور لكن من خلال حوارات مع إخوة ليبيين هذا الدور موجود.


المصور: بالنسبة لليمن ايضا بعدما كانت هناك انفراجة الأزمة اليمنية بالحوار الذى جرى برعاية الأمم المتحدة خرج على عبدالله صالح فى تصريحات عنيفة ضد المفاوضات وهاجم الرئيس هادى منصور ووصف الحكومة بأنها مرتزقة وطلب الحوار مع السعودية، إلى أين ستذهب الأزمة اليمنية خاصة فى ظل توتر الأوضاع ما بين السعودية وإيران والتى من المؤكد أنها ستؤثر على المفاوضات التى من المقرر عقدها هذا الشهر فى جنيف؟


د. أحمد يوسف: الأزمة اليمنية مع أواخر عام ٢٠١٥ بدا للبعض أنها فى طريقها للحل بعد مفاوضات منتصف ديسمبر برعاية الأمم المتحدة فى سويسرا وهذا أعطى انطباعا للبعض أن الصراع اليمنى فى طريقه للحل، وأنا كمتابع للأوضاع الأوضاع العربية عامة ولى اهتمام خاص بالشأن اليمنى، كانت أقصى آمالى من هذه المفاوضات أن يكون طرفا الصراع قد أنهكا, وهناك مبدأ فى إدارة الصراعات الولايات المتحدة الأمريكية توظفه تماما أنه كلما كان هناك صراع من الصعب أن يحسمه أحد الطرفين، دعوهم ينهكون بعضهم البعض وعندما يعلمون «أن الله حق» حينها نستطيع التدخل وهذا ما حدث فى صراع البوسنة .


وتصورت أنه طالما اتفقت الأطراف على عقد المفاوضات برعاية أممية أن الصراع وصل إلى هذه المرحلة أن التحالف العربى بقيادة السعودية أدرك أن عملية تصفية الحوثيين ليست بهذه السهولة، والحوثيون أدركوا أن السيطرة على اليمن هى وجبة كبيرة جدا على معدتهم, وبالتالى جلسوا للتشاور والتفاوض، وأصبحت أقصى الآمال أنهم يبدأون فى طريق الاتفاق رغم أننى أعلم جيداً أن هناك صعوبات جمة فى اليمن لأن الصراع اليمنى لن ينتهى باتفاق حوثى مع هادى لأن اليمن فيها قاعدة وفيها داعش وفيها الإصلاح و(إخوان مسلمين) وفيها الحراك الجنوبى وهذا أخطر وإذا لاحظنا الآن ما هو التقدم الرئيسى لعاصفة الحزم سنجد أنه فى الجنوب وبالتالى لا قدر الله قد يكون أحد السيناريوهات هو التجمد ونعود إلى ما كنا عليه فى الماضى يمن جنوبى وآخر شمالى وبعد ذلك حدثت التطورات التى تعنى بصراحة أنه مازال للقوة كلمة فى الصراع اليمنى بحيث انتهى وقف إطلاق النار أثناء المفاوضات والمفارقة أن السعودية أعلنت أخيرا أن الذى أعلن وقف إطلاق النار هو الرئيس اليمنى والذى أعلن انتهاءه هو التحالف العربى وهذا يعنى أنه مازال هناك جولات فى الصراع ومن الطبيعى أن ينسحب الصراع السعودى الإيرانى على الموقف فى اليمن وسوريا.
المصور...هل ممكن أن يكون هناك حسم عسكرى لأى من الصراعات الموجودة على الأراضى العربية؟


د. أحمد يوسف: من حيث أنه ممكن نعم هو ممكن ولكن يختلف من حالة إلى أخرى وصعب للغاية ونلاحظ مثلا فى الصراع السورى أن الجيش السورى حقق تقدما بعد التدخل الروسى هناك مؤشرات لذلك آخرها كان انسحاب فيلق الشام من تحالف جيش الإسلام الذى يضم تنظيمات إسلامية حيث الأوضاع الحالية تقتضى وجوده فى حلب وهذا يعنى أن الضغط على حلب شديد، يوجد تطورات تشير إلى أن الجيش السورى ربما يحقق تقدما, وأما الحسم التام أستبعده ولكن إذا استمر هذا التقدم من الممكن أن يؤدى إلى تسوية معقولة لأن أى مفاوضات لابد أن يصاحبها هزيمة داعش وهزيمة النُصرة بالرغم من أن النُصرة متحالفة مع فصائل تدعمها السعودية وقطر ولكن لن يكون هناك استقرار فى سوريا إلا بهزيمة داعش والنُصرة وهذه المسألة مازال أمامها الكثير.


المصور: وماذا عن مواجهة داعش؟


د. أحمد يوسف: هناك بطء فى العمليات وعلى سبيل المثال مدينة الرمادى العراقية داعش صمدت فيها كثيرا ولازالت تقاوم ومعركة الموصل ستكون «أم المعارك بلغة صدام حسين»، وفى سوريا تمضى الأمور بشكل أفضل بعد التدخل الروسى ولكن تعدد المواجهات بين «الفصائل الإسلامية» والجيش السورى من جانب وبين الطرفين كل على حدة وبين داعش من جانب آخر يؤثر بالسلب على مقاومة داعش، أما ليبيا فهى الأخطر لأن مواجهة داعش فيها من قبل فصائل ليبية فقط، والعالم منشغل عنها، وإن كان اتفاق ا