فى مسلسل الفوضى الخلاقة . . ليبيا بين سندان الغرب ومطرقة داعش

13/01/2016 - 1:02:48

عميد: طارق الحريرى باحث فى شؤون السلاح والاستراتيجية

ليس من قبيل الصدفة وقوع تلك الأحداث الجسيمة التى مرت بها ليبيا فى الأيام القليلة الماضية وأودت بحياة العشرات، والتى كبدت الليبيين خسائر جسيمة فى الأرواح والممتلكات وحقول البترول، فالتوقيت تم اختياره بعناية شيطانية لتعطيل مسيرة الحل السياسى وإغراق هذا البلد فى مزيد من الفوضى والنزاعات الداخلية، حتى يتاح للقوى الخارجية المتربصة بليبيا مزيد من الفرص بغرض إدارة الصراع طبقا لأجندتها من أجل تحقيق مصالح ومكاسب لا تصب من قريب أو بعيد فى خانة مصالح الشعب الليبى، على خلفية استمرار الاضطراب فى المنطقة العربية، تحديدا من إقليم الشرق الأوسط فى توقيت يعانى فيه المشروع القومى العربى من أسوأ حالات التراجع والضعف والتشرذم غير المسبوق، مما أتاح للقوى المعادية من داخل وخارج الإقليم استباحة استقرار وتنمية المنطقة العربية وإدارة حروب بالوكالة لتحقيق أهداف غير مشروعة تفاقم الأزمات، فمن المعروف بلا مواربة أن كل التنظيمات الإرهابية من قوى الإسلام السياسى هى فى حقيقة الأمر أدوات تستخدمها أجهزة مخابرات لدول كبرى من الغرب ودول حائزة للثروة من الإقليم.


اضطرت واشنطن صاغرة هى وحلفاؤها إلى الاعتراف بالحكومة الشرعية التى شكلها البرلمان المنتخب بإشراف ورقابة دولية بنزاهة كاملة، وإلا فقدت واشنطن وحلفاؤها الخيط الرفيع الباقى لمصداقيتها كراعية للديمقراطية ، وفى لعبة مكشوفة أنشأ الإخوان المسلمون كيانا موازيا وحكومة أخرى بقوة السلاح عقب الإنتخابات التي أطاحت نتائجها المعبرة عن إرادة شعبية بتيار الإسلام السياسي في ليبيا، وأدت إلى لجوء هذا التيار إلى العنف والاحتيال والمراوغة بعد السقوط الذريع الذى كشف رفض الشارع الليبى للإخوان المسلمين وأتباعهم ,فقد أظهرت نتائج الانتخابات مدى كراهية تيار الإسلام السياسى حيث لم يحصل سوى على ٢٣ مقعدا فقط من أصل ١٨٨ لذلك قرر هذا التيار إعاقة وعرقلة عمل مجلس النواب الشرعى بكافة السبل والتحايلات، وإعتبار كل ما يصدره من قرارات غير دستوري، وللدقة فإن هناك عناصر أخرى أيضا مناوئة أو مناوشة للشرعية لأسباب تتعلق بالداخل الليبى لكنها قابلة للاحتواء والاسترضاء والتوافق، على عكس التيار الإسلامى الذى يسعى إلى اغتصاب السلطة، وهكذا تجد القوى والنخب السياسية المنوط بها تولى مهام إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار والتنمية، تجد نفسها محاصرة بأوضاع داخلية غير مواتية يتسبب فيها تيار مارق من الإسلام السياسى وما استجد من إقحام عناصر داعش على المشهد الليبى المضطرب.


إقحام داعش على خط الأزمة


انتقلت الكتلة الرئيسية من العناصر التى تمت تعبئتها من تنظيم داعش إلى ليبيا، وتم ذلك فى إطار عملية تحرك عبر مسافة منفصلة حدوديا عن قاعدة وجود هذه العناصر ومواقع وتمركزها فى المنطقة المعروفة ببادية الشام الموجودة بين العراق وسوريا، ويحتاج تنفيذ هذا التحرك العملياتى لعناصر مسلحة مزودة بذخائر وإحتياجات إدارية أساسية إلى إمكانيات تفوق فى هذه الحالة قدرات تنظيم داعش الذى ينتهج عسكريا أسلوب حرب العصابات؛ إذ لايمكن انتقال عناصر التنظيم إلى ليبيا إلا بإمكانيات لوجيستية لا تتوفر إلا للدول، فمثل هذا الانتقال يتطلب وسائل نقل بحرية أو جوية يفتقدها داعش بطبيعة الحال كليا، فقد وصلت الكتلة الرئيسية من التنظيم إلى ليبيا عن طريق دعم لوجيستى من دول متواطئة تربطها به مصالح وأهداف مشتركة، واستخدمت فى ترتيب هذا الدعم وسائل نقل جوى وبحرى أتمت رحلات متعددة بنقل الأفراد بأسلحتهم الخفيفة ورحلات أخرى لنقل الأدوات المادية من سلاح واحتياجات إدارية، وساعد على هذا المخطط التشرذم الداخلى وغياب سلطة الدولة فى ليبيا، وقد تم إنزال عناصر داعش فى مناطق جرى تأمينها بواسطة عملاء من قوى موالية للدول الداعمة، والدليل على هذا أنه سبق أن قامت قوة من القوات القطرية الخاصة بتدريب عسكرى لجماعات من تنظيمات الإسلام السياسى المسلح فى منطقة» جبال نفوسة»، كما أن اليونان أوقفت من قبل سفينة محملة من تركيا بالأسلحة لصالح داعش، كما قامت طائرات بقصف سفن فى المياه الإقليمية الليبية محملة بالأسلحة ومعدات القتال، وكثيرا ما رصدت طائرات مجهولة تحط فى مطارات تحت سيطرة جماعات مسلحة غير شرعية، وكل هذا يؤكد التدخل الخارجى لصالح داعش.


أدوار لم تعد خافية


فى شهر أكتوبر من العام الماضى عقد مؤتمر في العاصمة الأمريكية نظمته جامعة جورج واشنطن حول توقعات المخابرات للأحداث الواقعة فى إقليم الشرق الأوسط أعلن فيه صراحة مدير المخابرات الفرنسية «برنار باجوليه» أن الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة، فسوريا مقسمة والنظام لا يسيطر إلا على ثلث مساحة البلاد، وتنظيم داعش يسيطر على المنطقة الوسطى، وأن الأمر نفسه ينطبق على العراق، وتابع منوها لا أعتقد أن هناك إمكانية للعودة إلى الوضع السابق، وأعرب باجوليه عن ثقته في أن المنطقة ( يقصد بها المنطقة العربية من الإقليم) ستستقر مجددا في المستقبل لكنها ستكون مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية، وأثنى على هذا الرأى نظيره الأمريكي «جون برينان» الذي قال: عندما أنظر إلى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن يصعب عليّ أن أتخيل وجود حكومات مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية، وهنا يجب التنبه إلى إدراج ليبيا فى هذا التصور، ويستطرد برينان أن الحل العسكري مستحيل في أي من هذه الدول أى أن أقطاب أجهزة المخابرات فى الغرب يرون ضرورة التقسيم فى هذه الدول, قبل هذا المؤتمر لايجب الغفلة عن الخطط المعلنة مباشرة بلا لف أو دوران عن إعادة تشكيل المنطقة وذلك فى عام ٢٠٠٦ بواسطة «كونداليزا رايس» وزيرة الخارجية الأمريكية فى ذلك الوقت وهى الخطط المتعلقة بما أطلق عليه «الشرق الأوسط الجديد» ، وكان أول تداول منها لهذا المصطلح فى إسرائيل فى يونيو من ذلك العام كما يجب ألا ننسى مصطلح «الفوضى الخلاقة» كما كانت تتردد منذ العقد الأخير من القرن الماضي أحاديث بعد سقوط الإتحاد السوفيتى عن خريطة جديدة للشرق الأوسط تنصب على المنطقة العربية منه تحديدا تتحكم في رسمها قوى دولية وإقليمية لها مصالح مباشرة في المنطقة فى تجاهل متعمد لإرادة الشعوب وحقائق التاريخ والجغرافيا، وليس خافيا على أحد من المتابعين للشأن العربى، أن هدف هذا المشروع الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه بمساعدة دول غربية وإسرائيل منذ عقود هو تقسيم دول المنطقة العربية فى إقليم الشرق الأوسط طبقا لخطة محددة تخدم مصالحها، بالإضافة إلى إجهاض أي مشروع لقيام وحدة بين دولها فى المستقبل، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يرسم في شهر يونيو من نفس عام ٢٠٠٦ الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي، «رالف بيترس» الحدود الجديدة للشرق الأوسط التي يرى أنها لازمة في مقالة له بعنوان « الحدود الدموية.. كيف يمكن رؤية الشرق الأوسط بشكل أفضل» نشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكية (Armed Forces Journal) ,حيث تضمنت المقالة الخريطة الجديدة للمنطقة التى بنيت تفاصيلها على أساس عرقي ومذهبي، وعلى الرغم من الادعاء أن هذه الخريطة للشرق الأوسط الجديد لا تعكس وجهة نظر وزارة الدفاع الأمريكية فإنه يتم تدريسها حتى الآن في مقررات التخطيط الاستراتيجي في كلية ضباط الناتو العليا في روما والذى لاشك فيه أن ذلك أجيز بطبيعة الحال من الأكاديمية العسكرية الأمريكية.


فى انتظار مسار غير متوقع


كان المخطط الغربى نحو الشرق الأوسط الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يسير فى الطريق المرسوم بعد احتلال العراق ومحاولة الزج بقوى الإسلام السياسى فى مقاعد السلطة بعد اشتعال الربيع العربى، لكن للتاريخ دائما مسارات مختلفة عكس المؤامرات التى تحيكها الإمبراطوريات، وتجلى هذا واضحا فى حدثين كبيرين أولهما انتفاضة الشعب المصرى فى ٣٠ يونيو من عام ٢٠١٣ التى أطاحت بالإخوان المسلمين الذين كانوا على اتفاق مع المشروع الأمريكى لانتفاء فكرة الدولة القومية لديهم جريا وراء سراب أممى تحت يافطة الخلافة الإسلامية، أما الحدث الكبير الثانى فيتمثل فى الدخول العسكرى الروسى على مسار الأزمة السورية، مما أدى إلى إعادة ترتيب الأوراق هناك، وهكذا صارت ليبيا هى الحلقة الأضعف القابلة لتنفيذ المخطط إن لم يقابلها مسار غير متوقع.


من المعطيات التى تقدمت يمكن بناء تصور للأحداث الأخيرة فى ليبيا، فالتحرك الداعشى نحو منطقة الهلال النفطى ومحاولة إغتيال «فايز السراج» عقب تقديمه واجب العزاء فى ضحايا جنود الشرطة فى أحد مراكز التدريب الذين تعرضوا لهجوم وحشى بأسلوب داعش فى استخدام العربات المفخخة والتمدد المستمر لداعش على الأرض، وهو تنظيم يدار بإشراف أجهزة المخابرات من دول خارج وداخل الإقليم، فليبيا الآن هى الورقة الرابحة الباقية التى يمكن استمرار إنتاج نمط الدول الفاشلة فيها، لهذا نقل داعش إليها مع إعادة تدوير مهامه، بعد أن اتخذت الأزمة فى سوريا والعراق منحنى جديدا فى أعقاب التدخل الروسى، وحتى لايبدو هذا التصور عن استخدام تنظيم داعش بواسطة مخابرات دول أخرى أمرا مبالغا فيه، من المهم التذكير فى هذا الصدد بدور المخابرات الأمريكية بتعاون من المملكة العربية السعودية فى الإدارة الكاملة لعملية حشد وإرسال مئات الآلاف من المجاهدين لمحاربة الكفار من الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، بينما كان الشباب المغيب تحت راية الدين الإسلامى يساق كالأغنام دون أن يدرى أنه أداة لتحقيق المصالح الأمريكية بالوكالة فى توجيه ضربة موجعة للعدو الرئيسى للولايات المتحدة وتبديد قواه.


لهذا يمكن القول إن استمرار داعش فى ليبيا فى ظل تراجع جامعة الدول العربية حتى عن أن تمثل دورا شرفيا، ورغم خلفية أن الملف الليبي ما زال مدرجا في أروقة الأمم المتحدة ضمن البند السابع إلا أن الأمر يبقى حبرا على ورق كنوع من التمويه، وفى ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالدول العديدة المحيطة بليبيا فإنه إذا لم تتم محاصرة داعش والقضاء عليها على خلفية الأوضاع التى تزداد تعقيدا على الأرض وفى الكواليس يوما بعد آخر، تصبح ليبيا فى طريق إلى المجهول باعتبارها الحلقة الأضعف الباقية فى الشرق الأوسط الجديد .