هل تكون دعوة الرئيس السيسى بداية حقيقية لتطوير التعليم أم سيجهضها أصحاب المصالح؟

13/01/2016 - 12:39:52

كتبت - إيمان رسلان

إيماناً من الدولة المصرية بأن التعليم هو السبيل للنهوض بقدرات أمتنا فإننى أمرت بتشكيل لجنة قومية متخصصة تحت رعاية رئاسة الجمهورية من أجل تحديث المناهج التعليمية لجميع المراحل الدراسية بحيث تحقق مجموعة من الأهداف أبرزها أن نراعى أحدث ما وصلت إليه الدراسات العالمية ونحقق ترسيخا لمنظومة الأخلاق والقيم الوطنية لأبنائنا الطلاب.


هكذا تحدث الرئيس السيسى هذا الأسبوع حينما التقى بالشباب وأطلق البث التجريبى لموقع بنك المعرفة.


وزارة التربية والتعليم من جانبها كالعادة مازالت حتى الآن تدرس الأمر، خاصة أن الوزارة يتبعها مركز لتطوير المناهج وهو الجهة المنوط بها وضع الأطر العامة للمناهج ولم تصدر حتى بياناً حول التكليف الرئاسى .


لذلك فالمصور تطرح قضية المناهج للحوار، خاصة أن الرئيس كان حاسماً بقوله إن من أهدافها أن تراعى أحدث ما وصلت إليه الدراسات العالمية وهذا بالضبط ما نحاول أن نصل إليه أعلى الأقل نضع أفكاراً عامة للمساهمة فيه. العام الماضى قام الرئيس بزيارة إلى سنغافورة وكما نعرف فهى إحدى الدول المتقدمة للغاية في مستوى تعليمها وبل ويحتل المراكز الأولى والثانى فى تدريس الرياضيات والعلوم وقيل وقتها أن مصر تدرس التجربة بعناية شديدة للاستفادة منها.


ويعنى الاستفادة دراسة نظم التعليم والمناهج هناك ويمكن استعارة المناهج أيضاً.


وهذا شىء جيد ومحمود ولا أعتقد أن اللجنة القومية أو اللجنة التى ستشكلها الوزارة سوف تعارض فى ذلك، بل إن هناك عدداً من الأساتذة فى مراكز البحوث والمناهج وقد درسوا بالفعل هذه التجربة السنغافورية وغيرها ومتحمسون للغاية لتطبيقها خاصة في مجال الرياضيات والعلوم وعلمت المصور التجربة السنغافورية هى المرشحة للاقتباس منها.


ولاشك أن تطبيق التجربة السنغافورية فى التعليم وليس المناهج فقط سيشمل نقلة نوعية لمستوى التعليم المصرى، لكن ذلك مقترن أيضاً بمجموعة أخرى من العوامل مثل المعلمين وتدريبهم ومستواهم ونظم الامتحانات وغيرها.


ولكن هناك سؤالاً مطروحاً هنا، هل تطبيق نموذج متقدم عالمياً فى التعليم قابل للنجاح هنا فى مصر؟


مع الأخذ فى الاعتبار أن تطبيق هذه المناهج الحديثة للدول التى تتربع على القمة عالمياً لن يحقق الحد الأدنى على الأقل من المساواة بين طلاب مصر أو يحقق الوحدة فى المناهج، أى لن يواكبه الغاء لنظم التعليم الأجنبية والدولية التى تزداد توسعاً يوماً بعد يوم، حتى إن الحكومة بنفسها أصبحت تنشئ المدارس الدولية وتستورد نظم التعليم الأجنبية، بل وتدعمها كما فى تجربة مدارس كمبردج وتطبقها فى مدارس النيل.


وما علاقة المناهج الجديدة الحديثة التى تحدث عنها الرئيس مثلا مع إعلان وزارة التعليم عن مكافأة تقترب من مليون جنيه إلا قليلاً لتأليف مناهج الرياضيات بفروعها لمرحلة الثانوية؟


ثم والسؤال المهم لمن سيسند أمر تشكيل اللجنة القومية؟، هل لوزارة التربية والتعليم باعتبارها الجهة المسئولة قانوناً عن المدارس والمناهج والإشراف عليها وإذا كان الأمر كذلك ما الذى يضمن والوزارة نعلم أحوالها جميعاً فالتعليم المصرى يحتل المركز قبل الأخير عالمياً فى جودة التعليم بأن التطوير الجديد سيكون مثل الذى قبله والذى قبل قبله، وهل هناك أهداف محددة للتطوير وكيف سيتم الأمر فى خلال ثلاثة أشهر فقط لا غير؟


فهل المقصود بالثلاثة أشهر مجرد تشكيل اللجنة والاتفاق على الإطار العام، لأن ثلاثة أشهر فى أمر مثل التعليم والمناهج وطبع الكتب وغيره مسألة ليست سهلة ولا يمكن تطبيق معايير الوقت المحدد لها مثل المشروعات الهندسية الإنشائية.


والأهم هل التطوير المنشود سيتم طرحه للحوار بين المتخصصين فى إطار مؤتمر قومى متخصص أم سيقتصر الأمر على مجموعة محددة فقط، عملاً بمقولة كله تمام يا فندم ..


لذلك فهناك بعض من التساؤلات لابد وأن يتم الإجابة عنها من اللجنة أولاً بعيداً عن الاتفاق عن أهمية تحديث وتغيير المناهج الحالية وهو هدف يتفق عليه الجميع.


ومن هذه الأسئلة هل ستكون المناهج الجديدة توفر الحد الأدنى من المساواة بين الطلاب المصريين فى كل أنواع التعليم سواء الحكومى أو الدولى، بمعنى آخر هل مناهج طلاب المدارس الحكومية سيكون مثل طلاب المدارس الدولية على الأقل لنحاول التقريب بين التكوين العقلى والعلمى لشبابنا بدلاً من حالة الجزر المنعزلة التى نعيش فيها الآن، فهذا تعليم حكومى بمناهج “عفى عليها الزمن” وأخرى مناهج حديثة دولية لمن يدفع.


فالقضية ليست فى من أين تأتى المناهج من سنغافورة أم فلندا أو ماليزيا وبالمناسبة ماليزيا فهى لها تجربة رائعة فى التعليم واقتبست نظام التعليم اليابانى باعتباره كان الأقرب إليها وموجوداً فى المجتمع الماليزي.


إذن وحتى لا يحدث مزيد من الاغتراب داخل المجتمع أو حتى كما يقول الشباب الآن “أصله خريج تعليم حكومى” وفى توصيفه لمستوى المعرفة الضئيلة التى يحصل عليها خريجو التعليم الحكومى.


وهنا سوف نقترح اقتراحاً بسيطاً وسبق أن طرحناه أكثر من مرة وفي مقالات مكتوبة ألا وهو أن نستورد أو الأفضل تعبيراً تمصير“نظام تعليم أجنبى” متوطن فى مصر بالفعل ونعممه على الجميع، بمعنى أننا لن ننتقص مثلا من طلاب التعليم الأجنبى أبناء الشهادات الإنجليزية حتى لا يتهمنا البعض بالدعوة للتأميم وغيره، ولكن فقط سنطالب بتطبيق هذه التجربة بمناهجها فى تعليمنا الحكومى الرسمى وهو أيضاً الذى يدرس للأزهر في معاهده والتى يبلغ عدد طلابه أكثر من ربع طلاب مصر الآن.


وبدلاً من الاقتباس من التجربة السنغافورية أو الماليزية أو حتى فلندا وهى تجارب ناجحة لا نجادل فى ذلك، فيتم الاقتباس من التجربة الإنجليزية المستوطنة أصلاً فى نظامنا التعليمى ولدينا تاريخ فى تدريس مناهجها ولدينا تجارب واقعية فيها مثل مدارس النيل ومداس أو “اى جى” كما تعرف فقط سوف ندير المفاوضات حول الملكية الفكرية لهذه المناهج فى العلوم والرياضيات ولا أعتقد أن هذه الدول وهذه المؤسسات سوف تمانع على الإطلاق فى التفاوض معنا وإعطاء التيسيرات لتدريس نظم تعليمها وإذا كنا نرصد ما يقرب من مليون جنيه لتأليف لمادة الرياضيات فقط، فيمكن لنا أن نتفاوض على حقوق الملكية لهذه المناهج أيضاً تماما كما نتفاوض لشراء الماكينات والسيارات أو الأسلحة وأى معدات تدخل مصر، فنحن نستورد كل شىء فلماذا لا نستورد ثم نمصر نظاماً تعليمياً من الحضانة وحتى الثانوى.


ولغة الأرقام واضحة هنا وتقول إن طلاب الشهادة الإنجليزية فى مصر وأعدادهم فى ازدياد مستمر هم الأكثر عدداً بين طلاب الشهادات الأجنبية وأرقام المجلس الأعلى للجامعات ومكتب التنسيق، توضح وتأكد هذا الكلام.


إذن نحن لدينا الأرضية بالفعل لاستيراد المنهج ثم تمصيره كما حدث فى نموذج مدارس النيل الإنجليزية الحكومية المدعمة ثم نحن لدينا خبرة من المعلمين والمدرسين فى ميدان التدريس لهذه المناهج بالمناسبة أعدادهم غير قليلة ويتجاوز أكثر من ٥ آلاف معلم أو يقرب من هذا العدد.


هؤلاء المعلمون سيكونون النواة التى نبدأ بها تطوير وتدريب المعلمين، خاصة أن رئاسة الجمهورية والمجلس التخصصى للتعليم الذى يتبعها يعد الآن بالفعل لتدريب ١٠ آلاف معلم وبدعم من اليونسيكو بتمويل من صندوق تحيا مصر وهنا سنركز جهودنا فى تدريب ١٠ آلاف معلم كدفعة أولى على تدريب هذه المناهج الموجودة بالفعل فى مجتمعنا ويدرسها طلاب مصريون بالفعل ثم سنأتى لمرحلة الامتحانات وهى كما أعرف تأتى أيضاً لهذه المدارس من الخارج أو على الأقل يشرفون عليها وليس هناك مانع من تطبيق نفس الفكرة مع الاستعانة بنموذج بنك الأسئلة ليساهم فى ذلك.


أعرف أن البعض سيقول وماذا عن مناهج الدراسات الاجتماعية والتاريخ واللغة العربية؟.


وهنا أقول إنه أصلاً هذه المدارس الدولية الأجنبية التى يلجأ إليها الآلاف الآن من أبناء الطبقة المتوسطة والعليا.


يدرسون المناهج الحكومية الرسمية فى الدراسات الاجتماعية واللغة العربية والدين بل إنها أحد الشروط المهمة للترخيص للمدرسة الدولية والاعتراف بالشهادة.


إذن ليس هناك أزمة أوانتقاص لمعانى الوطنية من تدريس هذه المناهج أو تطبيق هذه النظم وتمصيرها.


هذا لا يمنع أن نقول ان أيضاً مناهجنا الحالية فى اللغة العربية تحتاج إعادة نظر بالكامل واسألوا كل طلاب مصر هل يحبون اللغة العربية ولماذا لا يحبوا لغتهم والسبب واضح هومناهج اللغة العربية التى تدرس تحتاج نظرة أخرى تماماً وتطويراً جذرىاً وكذلك الأمر لمناهج الدراسات الاجتماعية التى أخشى أن أقول إنها لا تعلم أبناءنا سواء فى المدارس الحكومية أو الأجنبية إلا القشور حول تاريخنا وهو طويل ونعتز به، أما مناهج التربية الدينية فحدث ولاحرج وكيف على عكس ما قاله الرئيس السيسى فى عيد المسيحيين الماضى بأنها تساعد على احترام التنوع والاختلاف، بل هى تعمق للأسف من النظرة الواحدة التى لا تقبل الخلاف والحوار.


بالتأكيد تغيير وتحديث المناهج لن يصلح التعليم المصرى لأنها منظومة متكاملة بدءاً فى تغيير شكل المدرسة فى عالمنا المعاصر ودور المعرفة فيه وأحوال المعلمين المادية والإنسانية وأوضاع كليات التربية وغيرها وزيادة التمويل التعليم ولكن على الأقل أول الغيث قطرة واستيراد وتمصير نموذج تعليم أجنبى متوطن في مصر ولكنه متوفر للقلة القادرة مادياً.


يمكن أن يساهم على الأقل فى وحدة الثقافة العقلية للأجيال القادمة ويشعر فقراء هذا الوطن ولو بالحد الأدنى بأنهم يحصلون على تعليم متطور مثل أبناء القادرين فى التعليم الدولى ويحقق إلى حد ما مبدأ تكافؤ الفرص فى التعليم وتنتهى مقولة التعليم الحكومى الرخيص وأكثر ما نخشاه أن تشكل اللجان بنفس نظام كله تمام يافندم ونظام الشله الذى يحكم العملية التعليمية وان يكون وهذا هو التطوير، فالتعليم قضية مجتمع والأمن القومى يحتاج الآن إلى توحيد مصادر المعرفة وليس إلى زرع كيانات منفصلة فيه كما يحدث الآن فى مؤسسات التعليم تبقى قضية التدريس باللغات قضية سيطرحها البعض لهذه المناهج وهنا نقول كما سوف نتسورد المناهج ونعربها من بلاد أخرى، فلنحاول هذه المرة أخذ نظام من بابه ونطبقه وليكن باللغة العربية ونعطى حق تدريس باللغات للمدارس الأجنبية مع العلم ان أغلب مشروعتنا الأن باللغة الأنجليزية من أن مشروع بنك المعرفة نفسه متاح باللغة الإنجليزية وقليل من العربية.


فهل نحن نريد تحديثاً لكل أبناء الوطن أم لفئة قليلة منه؟ هذا هو السؤال الذى لا بد من الأجابة عنه أولاً ثم نتحدث بعد ذلك عن المضمون.