وداعا حمدى أحمد الفلاح المشاغب

13/01/2016 - 10:30:04

بقلم: محمد الحنفى

فى صمت وبعد «معافرة» مع المرض وفى الساعات الأولى من فجر يوم الجمعة الماضى رحل عنا الصعيدى الجدع والفلاح المشاغب، الفنان الكبير حمدى أحمد قبل أن يجفف دموعا، ربما سقطت منه حزناً على نفسه، أو على أحلام كثيرة لم يمتد به العمر حتى يحققها لبلده ولأحفاده يحيى وأدهم وأمينة ورقية... كان يتمنى لو منحه الله عمراً آخر ليقدم لهم الكثير والكثير!


يا الله على سنة ٢٠١٦ .. قاسية جداً من بدايتها، سنّت «سنانها» علينا، قبل أن نكفكف دموعنا على فراق الفنان ممدوح عبد العليم.. غافلتنا وخطفت حمدى أحمد.. ياه يادنيا ..خبطتين ورا بعض؟ الله يصبرنا بجد.


هذا الفنان الكبير الشهير بـ»محجوب عبد الدايم» فى القاهرة ٣٠ و»محمد أفندى» فى الأرض.. لولا انشغاله بالسياسة والمشاكسة والمعارضة والوقوف على يسار السلطة لكان أنطونى كوين العرب، لكن نعمل إيه، صاحب بالين كداب والسياسة بير وقعت فيه يا كبير!


لم يفكر مرة واحدة فى تغيير مكانه أو مواقفه، ولم يركب الموجة أو يضعف أمام الإغراءات أويتلون مثل غيره، لأنه مصرى جدع صاحب مبدأ ومن الصعب أن يشتريه أو يغريه أحد مهما تبدلت الأنظمة أو تغيرت العصور!


كان معارضاً منذ كان عمره ١٢ سنة وقتما ترك قريته فى سوهاج واستوطن مع والده الأزهرى فى شبرا، اعتقله الانجليز عام١٩٤٩ أثناء سيره فى مظاهرة لطلاب المدارس وهو يهتف ضد الانجليز مطالباً بالاستقلال من الاحتلال، لم يخف أو يتراجع أو يهتز واستمر فى مشواره وظل يعارض من أجل الغلابة، حتى زملاؤه هاجموه ونفذوا تعليمات الأنظمة السابقة وحاربوه فى لقمة عيشه، فجلس الرجل فى البيت بدون عمل سنوات طويلة لا سيما فى عهد الرئيس السادات عندما انتقده تحت قبة البرلمان وهو عضو يسارى بارز عن دائرة بولاق الدكرور فى السبعينيات، ورغم ذلك لم يقل «جاى أنا حرمت»! الصعايدة كده صعب يشتكوا، صعب يقولوا «أى»!


وفى الفن كانت له صولات وجولات رغم قلة إنتاجه (٢٥ فيلماً و٣٥ مسرحية و٨٩ مسلسلاً تليفزيونيا)، تنقل على مدى ٥٠ سنة بين شخصيات الشاب الوصولى والشيخ المتطلع والقروى أو الفلاح الساذج، تحرك فيهم بطاقة فنية جبارة وكاريزما خاصة لشخصية متمردة تطل من نبرات صوته القوى.


حقيقة كان حمدى أحمد عملاقا وصاحب نفس عزيزة، يكفه فخراً أداء شخصية محجوب عبد الدايم فى فيلم «القاهرة ٣٠» لأديب نوبل نجيب محفوظ سنة ١٩٦٦، والله لو كان بإيدى لمنحته الأوسكار على هذا الدور الرهيب، لكن تعالوا نشوف قصة عم حمدى مع محجوب عبد الدايم وكيف تم إسناده له! طبعاً يرجع الفضل إلى المخرج الراحل الكبير عميد السينما الواقعية صلاح أبوسيف الذى كانت تربطه صداقة من نوع خاص بـ»نجيب محفوظ»، صلاح كانت عينه على حمدى أحمد منذ ظهوره فى فرقة التليفزيون المسرحية التى أنشأها زعيم وزراء الثقافة المصريين ثروت عكاشة سنة ١٩٦٠، وراهن عليه صلاح رغم اعتراض البعض وأسند له دور البطولة أمام السندريلا سعاد حسنى وفارس السينما ودونجوانها أحمد مظهر والفنانين التقال «أوى « شفيق نور الدين وسهير المرشدى وأحمد توفيق وعبد المنعم إبراهيم ونعيمة الصغير وتوفيق الدقن وعبد العزيز المكيوى.


الولد المشاغب حمدى أحمد رفع رأس صلاح أبوسيف ونجح فى سرقة الكاميرا وأخذ «السوكسى» كله، مش كده وبس .. لا، وكمان أصبح رمزاً للانتهازية والتسلق من أجل الوصول إلى الهدف!


ولم يكن اعتراض البعض على إسناد الدور لـ»حمدى» العقبة الوحيدة التى كادت تبعده، بل كانت هناك مشكلة أكبر حكاها الفنان الراحل بنفسه فى أحد حواراته التليفزيونية، تصوروا إن اسم الفيلم لم يكن «القاهرة ٣٠ « بل تغير عدة مرات، من فضيحة فى الزمالك إلى فضيحة فى مصر ثم مصر الجديدة، ولكن استقر الرأى فى النهاية على «القاهرة ٣٠ «وهو نفس اسم الرواية كما كتبها نجيب محفوظ!، المشكلة لم تتوقف عند حدود الاسم بل كان محور الفيلم كله مختلفا تماما عن الرؤية التى قُدم من خلالها، وكان المفترض أن محجوب عبد الدايم أو «قرنى» أفندى من «القرنين» يطلع رجل «طلوقة» على طريقة عنتيل الغربية، لكن الفنان الكبير حمدى أحمد تجرأ واعترض على هذا الطرح وتجرأ أيضا وطلب مقابلة الكبير نجيب محفوظ «حتة واحدة» لينقل له وجهة نظره، وطبعاً هذه كانت جريمة، فكيف لممثل مبتدئ أن يتجرأ ويطلب مقابلة محفوظ؟ ولم يكن أمام حمدى خيار آخر وساعده فى ذلك صلاح أبوسيف وبالفعل تمت المقابلة، كانت جافة ومتجهمة كما وصفها حمدى، طبعاً مِن قبل أديب نوبل الذى كان يكره شخصية محجوب ويرى أنه لم يكن مجنياً عليه بل جان، ونجح حمدى فى تغيير دفة الأحداث ليصبح محجوب عبد الدايم الديوس فاقد النخوة والرجولة ورمز الانتهازية والوصولية مهما كان الثمن! المهم أدى حمدى الدور باقتدار كبير ونال عنه جوائز كثيرة منها أحسن وجه صاعد وأحسن ممثل من جامعة الدول العربية عام ١٩٦٧ .


ومن محطة محجوب عبد الدايم انطلق حمدى أحمد فى السينما حتى دخل عالم المخرج الكبير يوسف شاهين، من أوسع أبوابه، حين أسند له دور «محمد أفندى» فى رائعته الأرض ١٩٧٠ ليقدم دور الفلاح المتعلم المتعالى على أهل قريته وينافس عبدالهادى «عزت العلايلى» فى حب وصيفة «نجوى ابراهيم»، وفى هذا الدور تفوق حمدى على نفسه واستطاع الخروج من شخصية محجوب عبد الدايم، ولأن «جو» كان مؤمنا بعبقريته أشركه فى فيلم «العصفور» عام ١٩٧٢ وقدمه فى دور الضابط «عوف « اللزج الوصولى المنافق، ثم فيلم «اليوم السادس» عام ١٩٨٦ وفيه أثبت حمدى أنه ممثل من العيار الثقيل، عندما استخدم ملامحه فى أغلب جمله الحوارية، وفى عام ١٩٧٤ اختاره المخرج محمد راضى ليكون أحد أبطال فيلمه «أبناء الصمت»!


ورغم تفوقه فى أداء معظم الشخصيات إلا أن دور الفلاح البسيط والساذج التصق به وعلق أيضاً فى أذهان المشاهدين بعد أن أداه ببراعة فى فيلم البداية عام ١٩٨٦ مع المخرج صلاح أبو سيف وفيه تبارى فى التمثيل أمام جميل راتب، وأحمد زكى، وصبرى عبدالمنعم، وآخرين!


وفى فيلم عرق البلح عام ١٩٩٩ أعاد المخرج الراحل رضوان الكاشف، اكتشافه عندما بلغ قمة النضج الفنى وقتها ليقدم بعد ذلك فيلمى سوق المتعة عام ٢٠٠٠ وصرخة نملة عام ٢٠١١ .


ولم ينس حمدى أحمد أنه خريج المعهد العالى للفنون المسرحية وابن مسرح التليفزيون، لذا لم يتجاهل المسرح على حساب السينما بل شارك فى أكثر من ٣٥ مسرحية أشهرها «ريا وسكينة» مع الفنانتين شادية وسهير البابلى والفنان الراحل عبد المنعم مدبولى، وكان دوره الشاويش «عبد العال» الذى أداه من بعده الفنان أحمد بدير وكتب به شهادة ميلاده كفنان كوميدى من العيار الثقيل، وللأسف لم يستمر حمدى فى المسرحية بسبب اعتراض شادية على وجوده، ورغم هذا ظل حمدى محباً لشادية يردد أغانيها لاسيما « ياحبيبتى يامصر».


ولما قامت ثورة يناير كان الفنان الراحل من أشد المؤيدين لها، وبضرورة قيامها ضد نظام فاسد، لكنه حذر شباب الثورة من سرقتها قبل أن تتحقق نبوءته!


وفى محنة مرضه الأخيرة التى ألمت به منذ عام تلقى اتصالاً هاتفيا أثلج قلبه من الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى اطمأن عليه وتمنى له الشفاء، وفى المقابل دعا له حمدى بالتوفيق فى مهمته الصعبة والاستمرار فى خدمة مصر. وقبل أن يترجل الفارس عن جواده بعام أعلن اعتزاله الفن والتفرغ لكتابة المقالات السياسية فى عدة صحف منها «الأسبوع» التى احتضنته كاتباً منذ عام ١٩٩٩ حتى وفاته.


وكما كان اختفاؤه قسرياً كان اعتزاله الفن قسرياً أيضاً حيث قال: «اكتفيت بما قدمت فى مشوارى وقررت الاعتزال، لأن الجو العام فى الوسط الفنى لم يعد كما كان، ولم يعد هناك تقدير لجيلنا، وما يشغلنى الآن متابعة أحوال البلد من خلال البرامج، وتحليل ما يحدث.. وللأسف هناك أشياء فى الإعلام، خصوصاً فى البرامج الحوارية لا تعجبنى، فمثلاً هناك موضوعات لا تليق مناقشتها فى برامج يشاهدها ملايين الأسر مثل الشذوذ الجنسى أو الجن، ما الذى نستفيده من مناقشة مثل هذه القضايا». ويعترف حمدى قائلاً: «صراحتى السبب، ليس كل ما أقوله يعجب الناس، وهذا جعلنى لا أحصل على تكريم أو جائزة فى حياتى، حتى عندما أقيم حفل عيد الفن، وجه رئيس اتحاد النقابات الفنية هانى مهنا «وقتها» الدعوة إلى معظم الفنانين ولم يتذكرنى!».


رحل الفنان القدير تاركا سجلا حافلا بالكفاح من أجل الفقراء ورصيدا فنيا نعتز به، وكانت وصيته الأخيرة «أحفادى الأربعة أمانة وبلدى الغالى مصر».