محسنة توفيق تودع ممدوح عبد العليم: مع السلامة يا على

13/01/2016 - 10:27:05

حوار: راندا طارق

«يعز علىّ تسيبني وتمشي ياعلي دا احنا عشنا مع بعض أحلى وأغلى سنين عمرنا، يا ابنى اللي ماولدتهوش بطني.. أمك أنيسة».. هكذا نعت الفنانة القديرة محسنة توفيق وفاة النجم الراحل ممدوح عبد العليم على صفحتها الخاصة بموقع التواصل الاجتماعى فيس بوك بعد أن رحل عن عالمنا منذ أيام إثر أزمة قلبية مفاجئة.. هذا النعي الذي بات حديث الملايين على السوشيال ميديا وأبكى الكثيرين وعاد بنا لأيام أسامة أنور عكاشة في الملحمة الرائعة ليالي الحلمية التي قدم منها خمسة أجزاء، ويشرع أيمن بهجت قمر وعمرو محمود ياسين في كتابة جزء سادس لها لتنقلب الموازين بعد رحيل ممدوح ويصبح سؤال الجميع ما مصير علي البدري في الجزء السادس؟ وما مصير أمه أنيسة؟ فكان هذا الحوار لمجلة المصور مع الفنانة القديرة محسنة توفيق التي لعبت دور أنيسة في ليالي الحلمية وكانت نهراً من الحنان لابنها الذي لم تنجبه «علي البدري»:


قلت لمحسنة فقدنا منذ أيام النجم القدير ممدوح عبد العليم.. وتفاجأ الجميع بنعي من أمه أنيسة أبكى الجماهير؟


رحيل ابني فجعني ونعيته من صميم قلبي وليس زيفاً، كان نعيا حقيقيا من أم لولدها، ممدوح بالنسبة لي هو علي ابني «اللي مخلفتوش بطني»،علاقتي الحلوة به نجحت ليالي الحلمية في توثيقها، وذكرياتي معه هي ذكريات الأم أنيسة والابن علي، هذه هي الحقيقة الكبيرة بيننا، وليست العلاقة الشخصية، لأن أهم اللحظات بالنسبة لي هي لحظات الإبداع الفني نفسه، وليس الشخصيات من حولنا، أنيسة أنا عرفتها أكثر من محسنة توفيق، لأن على وأنيسة كانا من قلب الحكاية، فكان الفقيد ـــ رحمة الله عليه ـــ ممدوح عبد العليم ابني «اللي مخلفتوش» ولحظاتي الفنية معه كانت أكثر عمقا وإنسانية وحقيقة من حياتي نفسها، ممدوح عندي هو علي، ولا أنسى إلى الآن مشهدي معه في ليالي الحلمية عندما جاءني حي يرزق بعدما وصلتني أخبار بأنه استشهد في حرب، ١٩٧٣ ولا أنسى إلى الآن صرختي عندما وجدته حياً أمامي! فقدانه صدمة كبيرة لأمه أنيسة.


ما تعليقك على عودة ليالي الحلمية؟ وتقديم جزء سادس منها في رمضان المقبل؟


لا.. أنا رفضت لأن الحلمية رؤية أسامة أنور عكاشة.. الحلمية عين ونظرة عكاشة للتطور الذي قام برصده وقابله في الحياة وعايشه «لغاية ما خلصت حياته» وأعظم أجزاء أسامة ليست الأخيرة بل الجزء الأول وما بعده، أنا أخذت الخيط للأجزاء المنورة بشدة والتي كتبها في عز حرقته ووجعه وإدراكه هو واتجاهاته نحو القضايا، لكن شخصاً آخر يكتبها غير أسامة .. لا، إلى جانب أننا لسنا في مرحلة تقدم فيها الحلمية، لأن عقلية الحلمية ووجدانها ليس زمانها الآن، خاصة أن إكمال جزء جديد منها يحتاج للنفس الثوري الذي تمتعت به الحلمية قبل ذلك، والوضع الراهن وليس حالتنا كشعب لا يسمح بتقديم جزء حقيقي يكمل تاريخ الحلمية، لكل هذا لا أجد مبرراً لكتابة عمل باسمه ومن فكرته، فهل يجوز كتابة قصة مثلا باسم نجيب محفوظ بعد وفاته؟، من الممكن أن يكون هناك معد أو كاتب سيناريو، لكن كاتب الحكاية نفسها ليس موجوداً، « والله حتى لو قلتِ لي بنت أسامة مثلاً ! هل نعرف كيف تفكر؟ وهل تسير على درب أبيها؟ الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة نفسه لو كان على قيد الحياة ربما لا نعرف كيف كان سيفكر، فعندما كتبها كانت نابعة من موقفه الوطني والثوري حينئذ، والآن ليست لحظة مناسبة لكي نقدم فيها العمل ثانياً.


اختصاراً أنا رفضت تقديمها لأنها مخاطرة، ولم أنتظر حتى حسم موقفي بعد كتابتها أو قراءتها حتى لا أعطلهم، فأنا على يقين بأني سأرفض، من الممكن أن أعود للشاشة بعمل كوميدي أو حدوتة بسيطة خفيفة، لكن الحلمية في غير وجود أسامة أنور عكاشة مجازفة، لماذا لا يكتبون عملاً جديداً بعيداً عن حلمية أسامة؟


هذا الاستثمار التجاري خطر وغير مضمون وغير مأمون العواقب، فالمخاطرة هنا ستحمل إزعاجاً منهم ولهم، لذلك رفضت لأنني أخشي أن أجد بنياناً مختلفاً عن حلمية عكاشة أو معاكساً له، فلا داعي للمخاطرة أبداً، إلى جانب أننا يجب أن نحفظ حق أسامة في الحفاظ على تاريخه في أعماله، واستثمار اسمه «مالوش معنى»، طب ما تعمل حاجة تانية مش لازم الحلمية .. ليه عشان تستثمر نجاح حاجة قدمت في خمسة أجزاء والناس أحبتها!! موقف مش حلو»، وعمري ما رأيت ذلك في أي عمل آخر، عمري ما صادفت أحداً استعار اسم نجيب محفوظ مثلاً وكتب به أو قال هكمل بين القصرين أو قصر الشوق أو السكرية «لا ياحبيبي اللي عملهم خلاص مشي.. متقولش هكمل.. لأن كاتب هذه المراحل رحل».


إذن: ليالي الحلمية» ستعرض دون أنيسة وعلى البدرى؟


كما قلت لك لن أشارك في هذا الاستثمار التجاري «وأنا ماليش دعوة بالحاجات دي» هذا خطر غير مأمون نهائياً، خصوصا أن للأشياء الجميلة قدسية لديّ، وبالتحري نجد أن الأجزاء القديمة من الحلمية أحلى مما جاء بعدها رغم أن الكاتب كان واحداً والجزء الأول منها كان الأحلى رغم عدم مشاركتي فيه لقيام الفنانة فردوس وقتها بدور أنيسة.


ذكرينا بأغرب المواقف في «ليالي الحلمية»؟


أغرب موقف أثار دهشة الجميع، عندما تم ترشيحي لتقديم دور أنيسة في الجزء الثاني، حيث طلبت منهم الاطلاع على النص الأصلي للجزء الأول الذي عرض بالفعل، فأثار ذلك استغراب الجميع وأخبروني أنهم سيرسلون لي شرائط العمل، فقلت لهم أريد النص الذي كتبه أسامة على الورق، وليس الشرائط المصورة لأن النص هو من سيعطي لي مفتاح أنيسة، ولأنني أيضا لا أريد مشاهدة الشرائط، ولا أريد مشاهدة عين ممثلة أخرى جسدته، ولكن أريد مشاهدته بعيني أنا من خلال القراءة حتى أستطيع فهم الدور من بدايته، وبعد أن قرأت الجزء الأول « قلت يالهوي ده الأول أحلى من التاني» أنيسة في الجزء الأول، كانت مكتوبة بشكل مدهش وكان أحلى أجزاءها وقراءتي للجزء الأول جعلتني ألمس روح أنيسة الأولى والشعور الذي ينتابها من سليم البدري لحرقتها على شقيقتها ومصير طفلها المنتظر، أصررت على قراءة النص الذي عرض بالفعل لأنني لي طريقة في الإعداد لأدواري وهي القراءة ثم القراءة حتى أشعر بحياة ونبض ومشاعر، ولأن أنيسة في الجزء الأول كانت أوضح في الكتابة من الجزء الثاني كدت أرفض تقديم الجزء الثاني، وأكد لي القائمون على العمل أنني لم آخذ مكان الفنانة فردوس عبد الحميد بل هي التي اعتذرت عن تقديم الدور مرة ثانية.


لماذا ابتعدت الفنانة القديرة محسنة توفيق عن الساحة؟


يسأل في ذلك جهاز الإنتاج الفني في مصر، أنا قدمت أدواراً هامة للغاية، وكل دور قدمته كان أفضل مما سبقه من أدوار، ورغم أن الأدوار الأعظم هي التي قدمتها في بداية حياتي الفنية، إلا أن الأدوار الأجمل والأعمق جاءت بعد ذلك بسبب نضج شخصيتي وعلاقتي بالحياة كإنسانة قبل أن أكون فنانة، والناس كانت تشعر بذلك وتصرح لي بهذا، أنا كنت حريصة على سماع الناس دائما، وموقفي في الحياة وإحساسي العميق كان للفن الفضل فيه بشكل أكبر، نعم كنت محظوظة بتقديمي أدواراً عظيمة أدخلتني الفن من أعمق سكة، تعايشت من خلالها مع مشاعر أعظم وأقوى من مشاعر محسنة في الحياة العادية، ومنها مشاعري كأم لعلي البدري وغيرها على خشبة المسرح في أول مسرحية لي «مأساة جميلة» لعبد الرحمن الشرقاوي، فعلاقتي بالمسرحية كانت نابعة من طفولتي ومتابعتي لقضية جميلة بوحريد وثورة الجزائر، لذا لم تكن مسرحية عادية أو تمثيلاً عادياً بل قضية مست قلوبنا وأثرت في وجداننا، ومن أهم الأشياء التي ساهمت في تكوين شخصيتي «دخولي السجن في سن صغيرة جدا»، قضيت سنة ونصف في المعتقل لأنني صاحبة موقف في الحياة، وخرجت من السجن بعد القرارات الاشتراكية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، دعيني أعترف بأن السجن كان وراء نضجي، المصائب تولد النضج، والسجن ليس مجرد زنزانة ضيقة بل حبس للحرية.