«طيور التاجى» سينما تحلق فى السماوات !

13/01/2016 - 10:21:52

بقلم - د. أمانى فؤاد

إذا كان من حق النقد أن يمارس السباحة فى عقل المبدع، أن يتحسس الهواجس والأسئلة الجوهرية فى وجدان الكاتب عبر رحلة ممتدة من الإبداع لأكثر من ستة عقود، أتصور أن هناك عدة أسئلة جوهرية شغلت عقل الروائى والكاتب الكبير الأستاذ: إسماعيل فهد إسماعيل.


ربما كان أول هذه الأسئلة الجوهرية التى وجهها لذاته: كيف يحقق توازنا واتساقا بين نزعته للتجريب الفنى المتجدد على مدى مشواره الإبداعي، واقتناعاته وإيمانه فى تواصل الأدب مع الحياة؟ رغبة الاشتباك بقضايا وواقع مجتمعات تعانى كل أشكال القمع وقبلية العادات، تحكَّم الموروثات فى الحاضر، وطبعها بالقداسة لا المراجعة المستمرة وخضوعها للاختبار العقلى الدائم، غطرسة كل أنواع السلطات الشمولية الجائرة السياسية والدينية والاجتماعية، أوحتى تلك التى تهب هامشا من الحريات والديمقراطية.


فلقد أثمرت رحلة الروائي على ما يزيد على أربع وعشرين رواية بداية من «كانت السماء زرقاء» إلى في حضرة العنقاء والخل الوفي» إلى «طيور التاجي»، علما بأن غواية التجريب عند بعض المبدعين عادة ما تُطلب لذاتها فيخفت التفاعل مع الواقع الحياتي نسبيا تحت وطأة الرغبة في تجدد المغامرات التجريبية، كما أن الأدب الواقعي كثيرا ما يقع في مأزق فوتوغرافيا التسجيل والرصد فقط، ويقف عند حدود الانعكاس للواقع، وهو ما يفقد الأدب عوالم الخيال و الفانتازيا واللعب بالتقنيات.


ربما بدا ثاني الأسئلة التي راودت الروائي المحنك كيف تحمل تقنياته التي تنزع للتجدد وبكارة التشكَّل الدائم فلسفة أفكاره، الأبعاد السردية العميقة، والمتدرجة المستويات في كل تقنية على حدة، وهي الحامل المتضمن قضاياه الإنسانية المتشعبة والموجعة التي يكتوي بها واقعه ويصل من خلالها إلى قارئه؟ كيف يشكلها في إهاب فني مدهش ومثير، ممهور ببصمة الإبداع المتجدد، وكيف تعبر عن قضاياه التي عادة ما تحمل مستويات فكرية وأوجه طرحا للحقائق متعددة ومتباينة في واقع مأزوم ومحير بالفعل؟ حيوي وملتبس كما الحياة التي تتعدد وجه الحقيقة الواحدة بها ؟ أي أن مغامرة التجريب داخل التقنية واللعب بمستوياتها لتحاكي هي تعقد الحياة كان لابد هاجسا ملحا ظلَّ شاغل الروائي الأساسي في رحلة إبداعه.


فمن موقف بيني حائر ومعذب يجسد الروائي الذي ولد وتعلم بالعراق تعاطفا إنسانيا مع مواطني العراق البسطاء، أفراد شعب مسالم وبلد عريق بدا للجميع أنه العدو، البلد الذي اجتاح الكويت عام ١٩٩٠، بلده الثاني الذي أخذ جنسيته وعاش فيه عمره، كاتب يشعر بانتمائه للبلدين معا بالمولد وبالحياة، من هذا الشعور الموزع يتنامى ويتكون نص «طيور التاجي».


وهنا يتبدى السؤال الثالث: كيف للروائي أن يبدع نصا متعدد الأوجه، تتناسل في النص الواحد أربعة من النصوص التي تشترك في زمن التأليف لكن تتعدد أزمنتها المتراكبة وأماكنها، كما تتراكم محاورها الإنسانية؟ لأن للنص خاصية امتداده رأسيا في طريقة تعامله مع تقنياته الفنية؟


تجسد رواية «طيور التاجي» مأساة كاتب يُطلب منه الاشتراك في ملف عن الرواية والقصة الكويتية تصدره جريدة العربي فتستدعي ذاكرته المنهكة ــ وهو يصارع فكرة الكتابة ذاتها ــ وجعه المقيم بداخله، أسر أخيه القاضي «بدر» منذ اجتياح العراق للكويت سنة  ١٩٩١، ثم غياب أي خبر عنه من أكثر من إحدى عشرة سنة، ومن خلالها يحكي قصة أربعة من الأسرى الكويتيين» بدر وجعفر وفهد وغالب « المختزلين في مفردة العهدة عند أمر»معسكر التاجي»العراقي، ثم يتحسس فنيا، وتلمس أنامله العلاقة الإنسانية التي تنشأ بينهم والضابط أيمن والعريف نيسان العراقيين المكلفين بمباشرة التحفظ عليهم، هذا عدا نصين قصصين آخرين يضفرهما الروائي مع نصه الأم، والنص الموازي له، يوظفهما لبيان مدى الضرر الإنساني والدمار الذي يطال الجميع من جراء الحرب وويلاتها من الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل، وحياة البشر بالسجون وسلبهم لحرياتهم، يفضح الأنظمة الشمولية ونوازعها الاستحواذية الدموية، ويرصد لوحدة أصول العرقيات والعوائل في تلك المنطقة الجغرافية، ولجوانب إنسانية تظل هي الأقوى رغم عجرفة أعتى الأنظمة القمعية.


السرد والمونتاج وتقنيات السينما:


وليشكّل الروائي هذه المأساة ويجسدها انتهج لنصه مجموعة من الآليات الفنية أهمها: خاصية المونتاج المأخوذة من تقنيات السينيما بما تمتاز به من طريقة تقطيع المشاهد وترتيبها ليس وفق نسق معين إلا بذهن الروائي.


لو أننا تصورنا هذا النص كأنه استديو كامل للتصوير، قسمة الروائي إلى عدد من المواقع الذي يتميز كل موقع منهم بوجود خاص بما يتضمنه من شخصيات وأحداث، وديكور مختلف لأمكنة وأزمنة  متباينة، وقائع يحدث بعضها بالتوازي في الزمن ذاته، أيام تمر بشخصية الروائي بالنص وتجسد معاناة فقده لأخيه.


القصة الأخري هو لا يعرفها، لكنها تحدث في ذات الزمن، في مكان آخر بمعسكر التاجي بالعراق، وتُنسج خيوطها فيما يربو على عامين لأربعة من الأسرى الكويتيين من ضمنهم أخوه.


كما يتشكَّل نص غرائبي آخر يكتبه الروائي وحيا من كابوس، يبدعه متخيلا آثار الحرب على البشر فيما يشبه اللازمن.


 موقع وزمان آخر بشخوص متخيلة يكتب فيه الروائي نصا آخر متقمصا لمعاناة أخيه في الأسر وحياته في سجن أبو غريب، وفيه يقترب خيال الكاتب مع الواقع حد التطابق الذي يدهش أخاه، ويشعره كأنه يراه ويشعر به عن بعد من خلال التخاطر أو كشف الحُجب، يعايش معاناته وقصص السجناء معه؛ لذا تتعدد انتقالات الكاميرا أو القلم منذ البداية من مكتب الروائي المطل على الفراغ المترامي للمقابر المهجورة، ولنا أن نلتفت لهذا الإسقاط الذي ظلل به الروائي الأجواء منذ بداية النص، طقس الموت الذي لون العمل وأفضي لهذه النهاية السوداء في تلك المدن التي تكتوي بالحرب، ثم مكتب مجلة العربي، يتخلل هذا عودة بالذاكرة إلى الكويت ما قبل الاحتلال العراقي، وبالتوازي مع هذه الأحداث في صدارة النص تنتقل الكاميرا أو السرد في ذات الزمن إلى معسكر التاجي  بأحداث لا يعلمها الروائي، كأنها تكتب نفسها باستنطاق الجانب الآخر من الحياة، حيث تشبه طوابق من الأحداث تحدث في ذات اللحظة وكأنها مستويات في شريحة رأسية للزمن والأماكن وضعت تحت ميكروسكوب قلم الروائي جزءا يكتبه، وجزء آخر يكتب نفسه توازيا مع حياة الروائي التي يكتب فيها النص الغرائبي، والمقتطفات من نص سجن أبو غريب.


البشر في مدن لا إنسانية:


يصور الروائي بغداد بوجهها المترب، الأوطان المرتعشة الطاردة لأولادها، البصرة والمدن العراقية البائسة بعد حرب الخليج الأولى ثم الثانية وانتفاضة الجنوب، ثم اجتياح دول التحالف للعراق وإسقاط رأس الحكم، هذا عدا انتقالات لمدن أخرى في القاهرة ولندن وتركيا وفق حكايات الشخوص قبل الأسر، ومواقع أخرى تصور صحراء ممتدة، ملوثة بالكيماوي ومظاهر الدمار والعنف البشري في النص الكابوسي الغرائبي المعنون بـ»ما لا يراه النائم»، أو سجن أبو غريب، حتى إننا لو رسمنا جغرافيا لأحداث هذا النص لوجدنا ثلاثة أرباعها تتم في السجون أو المعسكرات أو بيوت لا تحمل دفئا في المشاعر، ولمسنا حجم القيد الذي يعانيه الإنسان تحت هذه الأنظمة المستبدة.


تتراءى بقعة ممتدة من الدماء التي تغطي بلدين بحجم العراق والكويت حتى في أعيادهما، ما بين الدم وسلب الحرية تقع الأماكن بنص «طيور التاجي» يحفها دائما ثنائية الموت والحياة، القيد والحرية، الاستسلام للواقع الذي يحكمه فكر استحواذي انتقامي متشكك، يزين أطماعه في الزعامة ويبيح لذاته حيوات البشر حتى إنه يستحل لنفسه ما يسمونه بتنظيف السجون، والإبادة والمقابرالجماعية، أو المقاومة .. إلخ مما يفضح تلك الأنظمة.


في مكان بعيد بارد بموسكو يبدأ التحول في شخصية أيمن العراقي من خلال علاقته بمارلين صديقته الباحثة في الأنظمة الشمولية وما تركته من أفكارها ليلهو بثوابته؛ فيعيد أيمن التفكير في الكثير من خصائص الحكم في وطنه العراق.


لذا لم تزل تقنية المونتاج وتقطيع المشاهد والانتقالات المتحررة في الزمان والمكان وفي دواخل الذوات البشرية من أنسب التقنيات التي أوجدها الروائي لنصه، كما أن الكتابة على هذا النحو الذي يعتمد علي التقنية بحسبانها هي الحامل الرئيسي لفكرة النص تجعل المتلقي الواعي يشارك المؤلف إبداع النص ومراحل تكونه، بل ويعمل على سد فجواته ويستكمل في منظومته الخيالية براحا من التأويلات الخاصة به.


 يتخير الروائي لنصه عنوان «طيورالتاجي» ليعلن تحديا لكل قمع وقيد، يوجه معاوله لهدم أماكن الضياع والموت، لكل سجن من السجون المفروضه على الإنسان ، فحين تشير مفردة التاجي بالعمل إلى المعسكر التي حددت به إقامة الأسرى وعانوا به المصير المجهول ، كما صارعوا اليأس وافتقاد الرجاء والموت الذي لحق بجعفر من جراء مرضه، يأتي الروائي ليبدل مفردة المعسكر إلى طيور فبدلا من معسكر التاجي يتحول اسم الرواية إلى طيور التاجي ، طيور الحرية والأجنحة المنطلقة الفاردة لحلمها في السماوات، كأنه يتحدي قمع الحكام والأنظمة الشمولية، بل ويعلي من فعل الإنسان الذي يخلق الحياة بجذب تلك الطيور من الصحراء بالرعاية والتعهد وتوفير الغذاء والماء والخضرة في تلك المناطق القاحلة، الحياة في مقابل الموت الذي لحق بالأسرى، ربما أراد الكاتب أيضا أن يقول إنه برغم موتهم ودفنهم في المقبرة التي حفروها بأيديهم إلا أنهم تحولوا إلى طيور رفرفت رمزا للحرية وتحديا للموت والقمع والظلم.


ذكرتني تلك الطيور بطيور»أورسلا» في رائعة «جابريل جارسيا ماركيز» «مائة عام من العزلة» تلك المرأة التي جذبت الطيور لتشيد حياة كما فعل «فهد» البيطري الكويتي ليحوط السجن في معسكر التاجي بعناصر الطبيعة والحياة؛ رفضا لسلب الحرية، وجفاف العيش وعناصر الطبيعة الحيوية.


مستويات السرد بنص طيور التاجي:


بسلاسة فنية تقمص قلم الروائي مقام الكاميرا التي تتنقل لتتابع كل ديكور وموقع وأحداث وأشخاص منفردين أو مجتمعين جامعا بين تقنيات سرد مختلفة فهناك: السارد الروائي الذي يحكي بضمير المتكلم في الرواية الإطار، كما أنه استنطق أصواتا أخرى متعددة في النص الذي يكتب نفسه متوازيا، أصوات تتحدث عن تجربة الأسر، ويصوَّر كل منها حياته قبل السجن ثم يقص مراحل معاناته، ويسلط بوحها على كوامن نفسه وذاته المكتوية بجنون الزعامات أو القوانين الجائرة التي لا تراعى حقوق الإنسان كقصة جعفر الصحفى البدون في المجتمع الكويتي ٢٤٥ ، وتجسد أيضا حيرتهم وصراعهم مع الذاكرة البغيضة للحرب، تعاني واقعا يتسرب منه الرجاء في العودة إلى وطنهم أو معرفة شىء عن ذويهم مع بقاء بعض من أمل يظل يخاتلهم يصارعون به كثافة اليأس، ثم ما تلبث هذه الومضات السردية التي تصاغ على صورة مشاهد متقطعة أن تنتقل لموقع آخر في مستويات السرد الأربعة، ويتنامى السرد بتلك الطريقة التي تجعل أبواب خيالات القارئ دائما مشرعة على الاحتمالات والتأويلات المفتوحة والاندياح النسبي للنصوص معا. كما يتخير الكاتب أن يكون السرد في نص «مالا يراه النائم» بضمير المتكلم أيضا لأنه كابوسه المؤرق، لكن في نص «أبوغريب مع التحية» يحمّل على صوت أخيه بدر وحكي آدم يوسف التشادي الأصل، ويختفى الراوي العليم بطريقته المباشرة إلا ضمنا في حكى الأسرى وضابطهم في المعسكر، ففي أجواء الحرب والأسر والسجون يسود الغموض والمجهول، ويحوَّط الجميع فلا مكان للعلم التام أو اليقينيات.


لم يقسم الروائي نصه إلى فصول بالمعنى الحقيقي عدا أن النص كله يعد فصلا أولا، وهناك فصل أخير هذا نصه:» ورد في سفر الأحوال أن الحزن سمة الكائن البشري، ومن أحسن تداوله عرف كيف يقيم صرح المحبة» ٣٦٧ .


لم يميز الروائي أيضا بين مستويات السرد ونصوصه الأربعة بأي من أشكال التمييز عدا أنه يبدأ الانتقالات السردية المتعاقبة بفقرات منفصلة.


كما وظف لتشكيل سرديته ودَفع أصواتا متباينة التوجهات والصراعات بها تقنية الرسائل، مثل تلك التي يكتبها أيمن لصديقته الروسية مارلين، وفيها يبثها صراعه الداخلي مع النظام الذي يعد فيه أحد تروسه الصغار، يكتب لها:» يا مارلين، لو أن رجالا ما ، أسرى طيبين، أزرى بهم زمنهم أو زمننا أوكلت عهدتهم لكِ كيف توائمين بين شرف المهنة وأمر آخر أود لو أسميه شرف الضمير، يبقى الاجتهاد الشخصي مدار بحث شرط ألا ينتهي واحدنا لخرق خطوط حمراء لا يدركها إلا واضعوها»١٩٠ .


رسائل أخرى تعرض لألوان من المآسي الإنسانية التي يلاقيها العراقيون المهاجرون بسبب معارضتهم للنظام الحاكم، مثل الرسائل التي يرسلها «خالد عادل» الاسترالي العراقي للروائي يقول في إحداها:» حرمت من زيارة بلدي العراق إحدى عشرة سنة ، وعندما منحوني تأشيرة دخول، تحتم سفري للأردن ، ومن حسن حظي وجدت ابنتي أخي بانتظاري في عمان وإلا تعرضت للاعتقال في الرطبة»٢١٠ .


وهنا قد يتساءل المتلقي والدارس للنص ما الرؤية العميقة وراء اختيار الكاتب لتلك التقنية السردية المتنوعة التي يبدو النص معها مركبا متشظيا ما يلبس مشهد يتكون إلا ليتم انقطاعه لينتقل السرد متعدد المواقع والأصوات لتصوير موقع آخر ومنطقة نفسية أخرى ورصدها وتحليلها؛ ثم الانتقال لنص ضمني مختلف بلا التزام بخط زمني متصاعد طبيعي، أو بمنطق حكي منطقي يكمل الحدث ليستمر لنهايته، أو الالتزام بنص روائي واحد، وإنما ينتقل انتقالات سريعة لدعم محاور النص المتعددة والمتناقضة التي تنقل الصراع المتضمن في النص، فيتبدى الحكي غير متاح للتلقي إلا بعد جهد؟ في تقديري أن الواقع العبثي وغير المنطقي الذي تناولته الرواية، الحرب بكل مشاهدها وما تركته من جروح غائرة، الصراع بين الرغبة في معرفة مصير الأسرى ومحاولة تخيل بعض واقعهم والضباب المعتم الذي يغلف كل ما يتعلق بهم ، وتعدد الشخوص المضارة سواء كانت في الأسر أو خارجه والواقعة في قبضة سلطات غاشمة ديكتاتورية واختلاف قصة كل منهم ، الصراع الكائن بذهن «أيمن»، الشخصية الرئيسية بالعمل، توزعه بين التزامه بأداء مهام وظيفته أو تغلب الجانب الإنساني فيه وتعاطفه مع الأسرى، ووعيه بالعوار الذي يحكم رأس السلطة في عراق العزة والسؤدد والمجد والكرامة، هذه الدعاوى التي تمضغها أبواق رأس السلطة ومعاونيها،هذا بالإضافة إلى معاناة الكاتب الضمني للعمل مع فعل الكتابة ذاتها وذاكرة مكتوية بالفقد والمسئولية، مع تعاطفه مع الإنسان العراقي المغلوب على أمره، وسخطه أيضا من الدور اللئيم الذي لعبته دولة الكويت باستمرار الحصار المفروض على دولة العراق، وانحصار الأذى في نطاق عامة أفراد الشعب لا الحكام وبطانتهم وأنظمتهم، هذا عدا النص الكابوسي الموازي بالرواية، بالإضافة إلى مقاطع من نص روائي أو قصصي داخل العمل بدأه الروائي ويشرع في استكماله، كل هذا دفع الروائي لاختيار تلك التقنيات المركبة لكنها المعبرة عن سياق الأحداث التي يدور حولها النص.


كأن الرواية تتم على أربعة مستويات، مستويان منها خاضعان لرغبة الروائي وإرادته في الكتابة عن قضية الأسر وهما ما يتشكلان في نصي «ما لا يراه نائم» و»أبو غريب مع التحية» والجزء الثالث يتم علي مستويين يحكي فيها الكاتب عن معاناته مع فعل الكتابة ذاته، ثم محاولاته لإنعاش قضية الأسرى مرة ثانية لبحث قضية أكثر من ٦٠٠ أسير كويتي مازالوا في عداد المفقودين، الجزء الرابع هو الذي يوهم الكاتب أنه يخرج عن نطاقه الإدراكي وهو الحكي الموازي لوجود الكاتب ومعاناته، يحاول هو الكتابة عن أخيه وقضايا الحرب، كما أن هناك أحداثا تتم بمعسكر التاجي الذي يعيش فيه أخوه مع ثلاثة آخرين من الأسري، وحالة من التوحد الإنساني التي انتهت بالضابط وعريفه وأسرهما ككتلة بشرية واحدة، هناك قصة تتشكل وقت يوميات الروائي وتأليفه لقصصه وهي غير خاضعة له مباشرة، وكأنه لا يكتبها ولذا كانت تقنية المونتاج التي تخيرها الروائي أكثر مناسبة لهذه السردية.


يتضمن النص منحى سرديا فانتازيا فبجانب النص الكابوسي سريالي المنحى هناك حكي غالب يوم إصابة زوجته ووفاتها هي وجنينها في بطنها وقت اجتياح القوات العراقية للكويت، ومثل وصفه لإحدى عمليات المقاومة بعد انضمامه لهم لدانة المدفع التي كأنها انطلقت من داخل السيارة فثقبتها للخارج لا إصابتها الفعلية من الخارج، هذا عدا العنف الموجه لكل الكائنات لا البشر فقط كقتلهم للقرد وحيد أو للبغاء.


كما يبدو السرد بالعمل من الخام الثقيل الذي يجد فيه المتلقي الحكمة والخبرات الإنسانية المتصلة بالحياة، والكثير من الحكي عن طبيعة العملية الإبداعية، والمشكلات الكتابية، كما يجد نزعة التوثيق التاريخي والبحث في الأسباب السياسية والاقتصادية والنفسية وراء الكثير من حروب المنطقة والقرارات التي تتخذها السلطات.


يحكي الروائي عن معاناته في كتابة نص «بو غريب مع التحية» يقول:»يلزمك لدقة المعلومات العودة لمراجع بهذا الخصوص، الاعتماد على الذاكرة وحدها غير مأمون العواقب، ذاكرتك بانحيازها الانفعالي مؤهلة للمبالغة، أو لإسقاط مالا يناسب مزاجها ..»٢٤٢ ويستمر يحكي عن محاولة «صدام» إشعال الخليج، وغيرها من قضايا متعلقة بحرب العراق وإيران أو ثورة الجنوب، إلخ ٢٥٣.    وهنا ربما يتساءل البعض هل هذه الرغبة التوثيقية من الكاتب ومحاولته القبض على لحظات تاريخية متوترة قد تثقل النص بكثير من التفاصيل التي تسمه ببعض التزايدات، والإلمام بكل عناصر المشهد العام، ومن ثم تصبح على حساب كثافة النص ؟ قد يراها البعض على هذا النحو، وأتصور أن الكاتب أراد أن يوثق هذه الفترة الزمنية من تاريخ البلدين العراق والكويت وأن يحقق لجورج لوكاش مقولته بأن كل رواية هي رواية تاريخية سواء عالجت التاريخ القديم نسبيا أو الزمن المعاصر، كما أحاط بأبعاد الصراع في المنطقة، وعالج فنيا لأشكال القمع الإنساني للأنظمة الشمولية غير الإنسانية والمتغطرسة؛ رغبة في تحقيق زعامات وهمية وزائفة. وفي حالة رصده تلك لا تأتي رغبة التوثيق إلا في إطار إعلاء فنياته المتعلقة بتقنيات العمل كأن يتضمن نص «بو غريب مع التحية» المنضوي في ثنايا السردية الأم هذه المعلومات.


كما وظف الروائي المستويات السردية الأخرى في العمل لعرض واسع للحقائق السياسية والاجتماعية والنفسية من زوايا إنسانية متعددة، تتنافر فيها رغبة الأفراد البسطاء في حياة كريمة وحرة مع غطرسة الحكام سواء في نظم شمولية قمعية أو تلك التى تهب لشعوبها هامشا من الديمقراطية المنقوصة، أو للتوسع في تحليل الجانب الإنسانى في الذات البشرية. وطاقات العطاء التي تحويها.