دماء على جدار السلطة (٧ ) خروجًا عن مبادئ الإسلام

13/01/2016 - 10:13:57

بقلم - رجائى عطية

أورد المؤرخون أن الحوار امتد بين الحسين بن على والحرّ بن يزيد التميمى قائد طلائع الجيش الذى أرسله عبيد الله بن زياد فى ألف فارس، وأن الحسين أخرج له ولمن معه «خرجين» مملوءين صحفًا أتته من أهل المصر تدعوه للقدوم إليهم، وقرأ عليهم طائفةً منها، وأبدى أنهم إذا أنكروها انصرف عنهم وعاد من حيث أتى، فذكر «الحر» أنهم ليسوا من هؤلاء الذين كتبوا إليه، وقال: «لقد أُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد»، فأجابه الحسين: «الموت أدنى من ذلك»، ثم إنه أراد الانصراف بمن معه، فحال «الحر» بينه وبين الانصراف، فسأله الحسين غاضبًا عما يريد، فقال الحر: «أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد». قال الحسين: «إذن والله لا أتبعك»، فأجابه الحر: «إذن والله لا أدعك»، ثم إن «الحر» اقترح عليه أن يتخذ طريقًا لا تفضى به إلى الكوفة ولا ترده إلى المدينة، حتى يكتب إلى ابن زياد، لعل الله يأتى بأمرٍ يرزقه فيه العافية من أن يُبتلى بشىٍء من أمر الحسين!


ويقول الرواة إن الحسين تياسر عن طريق العُذَيْب والقادسية و«الحر» يسايره، وأن «الحر» جعل يحذره العاقبة ويقول: «إنى أشهد لئن قاتلت لتقتلن»، فقال له الحسين مغاضبًا: «أبالموت تخوفنى؟ ما أدرى ما أقول لك، ولكنى أقول كما قال أخو الأوسى لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أين تذهب فإنك مقتول؟ فأجابه بشعر أوله: «سأمضى وما بالموت عارٌ على الفتى»، فلما سمع « الحر » ذلك تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية أخرى.


ويُقَال إنهما نزلا بقرب «نينوى»، وإذا بمبعوثٍ موفدٍ قادم من الكوفة، ودفع إلى «الحر» كتابًا إليه من ابن زياد فيه: «أما بعد فجعجع بالحسين (أى ألزمه الجعجاع وهو المكان الضيق الخشن) حين يبلغك كتابى ويقدم عليك رسولى، فلا تنزله إلاَّ بالعراء فى غير حصن وعلى غير ماء.. وقد أمرت رسولى أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتينى بإنفاذك أمرى والسلام».


ويتضح من هذا الخطاب أمران، أولهما أن ابن زياد كان يدرك أنهم يلوون الناس ويجبرونهم على غير ما يحبون، وأن الشـك قـائم بين الآمـر والمأمور، وأن ابن زياد لا يطمئن إلى صدق ولاء «الحر التميمى» لهم ضد الحسين، والأمر الثانى الفارق الأخلاقى بين الحسين وبين هؤلاء الذين وثبوا على الأمر ويمالئون يزيد بن معاوية، فحين تلاقى الحسين بمن معه مع طلائع الجيش، أمر أصحابه بأن يخلوا بين الجنود والخيل وبين الماء الذى نزل عليه الحسين، بينما يأمر ابن زياد عامله «الحر التميمى» بأن يحول بين الحسين وبين الماء، وسوف نرى ما هو أدهى من ذلك وأبشع!


ويقول الرواة إن كتاب ابن زياد وضع «الحر التميمى» فى مأزق، فأبدى للحسين ما جاء فيه، وأفصح فيما يشبه الاعتذار عن أنه أمره بأن يجعجع بهم، وبأنه أرسل رقيبًا عليه لا يفارقه حتى ينفذ أوامره، بأن ينزلوا على غير ماء ولا فى قرية. واعتذر الرجل عن عدم السماح للحسين بأن ينزل بمن معه فى نينوى أو الغاضريّة أو شفيّه، وأجاب فى صراحة: «لا أستطيع، هذا الرجل قد بُعث عينًا علىّ!»


وإذ دلت هذه التطورات على أن ابن زياد سوف يرسل إمدادًا، وارتأى بعض أصحاب الحسين أن قتال هؤلاء أهون عليهم من قتال من يأتون بعدهم، إلاَّ أن الحسين أبى الاستجابة إلى هذا الرأى، وقال: إنى أكره أن أبدأهم بقتال.


عمر بن سعد بن أبى وقاص


ومحنة الاختيار!


ونقل المؤرخون أن عمر بن سعد بن أبى وقاص، ابن أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان واليًا لابن زياد على «الرىّ» وسَيَّره ابن زياد فى أربعة آلاف إلى «دَسْبَىَ» لمقاتلة الديلم الذين خرجوا عليه وغلبوا عليها، فلما كـان ما سـلف من أمر «الحر التميمى» مع الحسين، دعا إبن زياد إليه عمر بن سعد بن أبى وقاص، وكلفه أن يسير بمن معه إلى الحسين، ثم ينصرف بعد أن يفرغ من أمره إلى الديلم، ولكن عمر بن سعد استعفاه، فشرط عليه ابن زياد أن يترك ما ولاه إياه فى «الرىّ»، فاستمهله عمر يومًا حتى يراجع نفسه ونصحاءه.


ويقال إن عمر شاور عديدين، فنصحوه بأن يستعفى من هذه المهمة، وشاور فيمن شاورهم ابن أخته: حمزة بن المغيرة بن شعبة، فنهاه عن قتال الحسين، رغم أن أباه كان من أنصار معاوية، وقال له محذرًا: «إياك أن تسير إلى الحسين فتعصى ربك وتقطع رحمك، فو الله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها ـ أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين!».


وبات عمر ليلته مسهدًا يقلب الأمر على وجوهه، حتى إذا قابل ابن زياد فى الصباح، اقترح عليه أن يبعـث إلى الحسين مَنْ ليس يغنى فى الحرب عنهم، وسمّى لـه أناسًا، بيد أن ابن زياد ردَّه بأنه لم يستأمره فيما يريد أن يبعث بهم، فإما أن يسير بالجند إلى الحسين، وإلاَّ فلينزل عن ولاية «الرىّ».


ويقال إن هوى عمر بن سعد فى السلطة غلبه على رأيه، فقبل المهمة البغيضة على مضض، ولم يكن جنوده أقل ضيقًا بهذه المهمة منه، فمضى الجميع متضررين متثاقلين متحرجين، إلاًَّ شراذم المرتزقة الذين لا خلاق لهم!


ويتحدث الرواة بأن الجند جعلوا يتسللون من الجيش ويتخلفون بالكوفة أو يعودون أدراجهم إليها، فانتدب عبيد الله ابن زياد رجلاً من أعوانه يدعى «سعد بن عبد الرحمن المنقرى»، ليلاحق هؤلاء المتسللين ويأتيه بهم وبمن تخلف عن المسير لقتال الحسين، ولم يكلفه الأمر بعد ذلك سوى أن ضَرَبَ عنق رجلٍ جىء له به وقيل إنه من المتخلفين، فخاف الباقون من رأس الذنب الطائر.


ولنا أن نقارن بين « ضرب عنق » المتخلف عن قتال الحسين سبط النبى، وبين حسن معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام لمن تخلفوا عن الخروج معه فى «تبوك» لقتال المشركين، لنرى كيف ابتعد حب السلطة بعشاقها عن أصول الإسلام وعن سيرة النبى عليه الصلاة والسلام الذى طال صبره الجميل على من تخلفوا عنه فى تبوك حتى نزل أمر الله تعالى بالعفو عنهم.


فى كـربـلاء


اتجه عمر بن سعد بجيشه إلى حيث أدرك الحسين وهو « بكربلاء » على نحو خمسة وعشرين ميلاً إلى الشمال الغربى من الكوفة. وأرسل عمر إلى الحسين يسأله عما جاء به، فأجابه بما أجاب به «الحر التميمى» بأن أهل المصر كتبوا إليه يسألونه أن يقدم عليهم، وأظهر ما جاءه من كتب، فإن أنكروها أو كرهوا مقدمه فإنه ينصرف عنهم.


وارتاح عمر بن سعد إلى هذا الرد، لعل الله يعافيه من مقاتلة الحسين، وأرسل بذلك إلى ابن زياد، إلاَّ أن ابن زياد كتب إليه يأمره بأن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأى رأيه، ويأمره بأن يمنعه ومن معه عن الماء..


ويقال إن عمر بن سعد أرسل عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، وكانت كل عدة الحسين بضعًا وسبعين رجلاً، ويقال مائة راجل وخمسة وأربعين فارسًا، فنزل ابن الحجاج بفرسانه إلى حيث حالوا بين الحسين وبين الماء، وكان ذلك قبل قتله رضى الله عنه بثلاثة أيام، ووقف «عبد الله بن أبى الحصين الأزدى» ينادى متشفيًا: «يا حسين أما تنظر إلى الماء؟ لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشًا!»، فدعى عليه الحسين، ويقال إنه مرض وعزّ عليه شرب الماء الذى كان لا يستقر فى جوفه حتى يتقيأه ـ إلى أن مات!


وروى ابن الأثير فى الكامل (٤/٥٤)، أنه عندما اشتد العطش على الحسين وأصحابه، أرسل أخاه العباس بن على فى عشرين رجلاً يحملون القرب مع ثلاثين فارسًا، فلم يصلوا إلى الماء إلاَّ قتالاً!!


وفى مساء ذلك اليوم، التقى الحسين وعمر بن سعد، فطال بينهما الحديث، وعمر بن سعد لا يخفى عجزه عن مقاومة ما يتلقاه من ابن زياد، وتخوفه من أن ينتقموا منه بهدم داره أو بأخذ ضياعه، ولم تفلح كفكفة الحسين فى طمأنته.


ويقال إن الحسين عرض عليه ثلاث خصال: إما أن يخلوا بينه وبين طريق الحجاز ليعود من حيث أتى، وإما أن يسيروه إلى يزيد بالشام، وإما أن يخلوا بينه وبين الطريق إلى ثغر من ثغور المسلمين ليكون واحدًا من أهـله.


وبعث عمر بن سعد إلى ابن زياد بما يعرضه الحسين، ويقال إنه أورد فيما نقله أن من ضمن ما عرضه الحسين الذهاب إلى الشام «ليضع يده فى يد يزيد بن معاوية» ـ وزيد على ذلك بأن المقصود مبايعته يزيد.


على أنه وإن كان من غير المستبعد أن يكون ما عرضه الحسين تضمن اقتراح الذهاب إلى الشام ليرى يزيد رأيه فيما شجر بينهما، إلاَّ أنه من المستبعد أن يكون الحسين قد عرض مبايعته ليزيد، فلو صح ذلك جدلاً ـ فيما يقول الأستاذ العقادـ لكان ميسورًا أن يبايع الحسين من مكانه دون حاجة للسفر إلى الشام.


وقد روى عن عقبة بن سمعان قوله: « صحبت الحسين من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته إلى الناس حتى يوم قتله.. فوالله ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده فى يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من الثغور»، ولكنه قال «دعونى أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه أو دعونى أذهب فى هذه الأرض العريضة».


ويرجح الأستاذ العقاد فى كتابه «الحسين أبو الشهداء»، أنه لعل عمر بن سعد قد تجوز فى نقل كلام الحسين ليلقى عن كاهله مقاتلته وما تجر إليه من سوء القالة ووخز الضمير، أو لعل الأمويين هم الذين أشاعوا ذلك للايحاء بأن الحسين اعتزم مبايعة يزيد.


ومن يتأمل فى مسار الأحداث، وفى شخصية الحسـين رضى الله عنه ومناقبـه، لا يصدق أنه أبدى استعدادًا لمبايعة يزيد، فذلك لا يستقيم. على أن ما يغنى فى التعرف على أبعاد مأساة كربلاء، أن عبيد الله بن زياد لم يقبل ما بعث به إليه عمر بن سعد بن أبى وقاص، وأبى إلاَّ أن ينزل الحسين على حكمه، ويقال إن المحرض على ذلك كان «شمر بن ذى الجوشن»، وهو لئيم مشنوء، طفق يحض ابن زياد على الرفض، ويدس إليه أنه بلغه أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين المعسكرين، حتى استجاب له ابن زياد، وأرسل معه بكتابٍ إلى عمر بن سعد أن يعرض على الحسين النزول على حكمه، فإن فعل فليبعث بهم إليه، وإلاَّ فليقاتلهم.


وأورد ابن الأثير فى الكامل (٤/٥٥) أن ابن زياد كتب فيما أرسل به « شمر بن ذى الجوش » إلى عمر بن سعد يقول: «أما بعـد فإنى لم أبعثـك إلى الحسـين لتكفّ عنه ولا لتُمنيـه ولا لتطاولـه ولا لتقعد له عندى شافعًا، أنظرْ فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلىّ سلمًا، وإن أبوا فازحفْ إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاقٌّ شاقٌّ قاطع ظلوم، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيتَ فاعتزلْ جندنا وخلّ بين شَمِر وبين العسكر، والسـلام».


وغريب ولما يمضى سوى خمسين عامًا، على انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أن يأمر أحدٌ ينتمى إلى هذه الأمة بقتل حفيده الحسين ومن معه من أهل بيته، والتمثيل بهم، وبأن توطأ الخيل على صدر الحسين وظهره!!!