الجزء الثانى من "رحلة حياة" حمدى زقزوق

13/01/2016 - 9:40:29

سناء السعيد سناء السعيد

بقلم - سناء السعيد

عندما يكون المفكر على غرار الأستاذ الدكتور "محمود حمدى زقزوق" ــ وزير الأوقاف الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ــ عاشقا للمبدأ يتشبث به كأحد الثوابت التى


لا يمكن أن تطمر أو يهال عليها التراب.


وعندما يكون بالإضافة إلى ذلك ناسك معرفة يتمتع بالموضوعية العلمية والعقلانية الحرة وبالمكانة الفكرية العالية سيجد المرء نفسه مدفوعا لقراءة كل ما يكتب للاقتراب من الاستقراء التحليلى لنتاج فكرى قيم ورائع، واليوم ونحن بصدد الإبحار فى أحدث مؤلفاته وهو الجزء الثانى من كتابه "رحلة حياة" والذى صدر مؤخرا نستدعى الجزء الأول من الكتاب، حيث سلط فيه الدكتور زقزوق الضوء على تجاربه الفكرية خلال مسيرته الحياتية التى سجلها بأسلوب راق وممتع، وقد قمت بعرض هذا الجزء على صفحات مجلة المصور فى ١٥ إبريل الماضى.


أما الجزء الثانى من "رحلة حياة" والذى نحن بصدد عرضه اليوم فيضم أربعة فصول. حيث يتحدث الفصل الأول عن التجديد فى الفكر الإسلامى المعاصر، ويعرض لقضية الفرص الضائعة بالنسبة للقضية الفلسطينية ومأساة المسجد الأقصى، وفى الفصل الثانى يتحدث عن شخصيات لها مكان فى الذاكرة مثل الدكتور "محمد البهى"، والإمام الشيخ "محمد الغزالى"، والدكتور "عبدالجواد فلاطورى" وهو أبرز علماء الإسلاميات فى المانيا، و"أنيمارى شمل" المستشرقة الألمانية والعالمة المرموقة فى مجال الدراسات الإسلامية، والدكتور "شوقى ضيف" أحد الرواد فى مصر والعالم العربى فى ميدان الأدب العربى، و"رجاء النقاش" الناقد والكاتب الصحفى المرموق. وفى الفصل الثالث من الكتاب يعرض للحوار بين الأديان والمذاهب بالإضافة إلى موضوع العالم الإسلامى ومجلس الأمن الدولى. أما الفصل الرابع فيأتى بعنوان "عود على بدء" ويتعلق بمسائل شخصية.


وتأتى أهمية الفصل الثالث كونه يتناول قضية الحوار بين الأديان والمذاهب. وهى قضية تمس واقع ما يدور فى المنطقة اليوم بعد تفشى جرثومة الفتنة الطائفية التى كادت أن تقضى على الشجر والحجر، فما يحدث فى المنطقة يظل على علاقة بالمذهبية وإثارة الفتنة بين السنة والشيعة، ولعل أكثر ما يشدك إلى الدكتور "زقزوق" أنه كان المسكون دوما بقضية التآلف بين الشيعة والسنة ولهذا كانت دعوته إلى تكوين جبهة سنية شيعية ضد أعداء الأمة ممن استغلوا الفتنة الطائفية بين المذهبين من أجل بث الصراع وإشعال المواقف فى المنطقة. ومن هنا تأتى أهمية الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الاسلامية كضرورة يتعين على دول المنطقة التحلق حولها والسعى إلى تحقيقها لإنقاذ المنطقة من براثن فتنة روجتها أمريكا منذ أن قامت بغزو العراق ودعمها الغرب المريض بهدف تحقيق سيناريو تقسيم المنطقة وتجزئة دولها، ويعتمد الدكتور زقزوق فى توثيق وجهة نظره حيال التقريب بين المذاهب على القاعدة القائلة بأن كلا من السنة والشيعة ينتميان إلى الإسلام. بل إن الإسلام لا يفرق بين أنبياء الله ويجعل الإيمان بهم جميعا جزءا لا يتجزأ من عقيدة المسلم ليصبح الطريق ممهدا للتعايش السلمى بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى دون حساسيات، ومن ثم كان لابد من إرساء قاعدة الحوار بين الأديان من أجل كبح جماح التيارات المتشددة التى تعمل على التحريف وتشويه الحقائق وشن الحرب النفسية ومنها ما يتجسد فى الإسلاموفوبيا.


وإذا كان الإسلام لا يفرق بين الأديان فهو بالتبعية لايفرق بين المذاهب. ومن ثم يكون من باب أولى أن نسعى إلى التحاور فيما بيننا نحن المسلمين كى نزيل ما قد يكون بين الفرقاء من خلافات تعطل مسيرة الأمة وتعرقل وحدتها. لاسيما وأن الخلافات بين المذاهب الفقهية تتعلق بالفروع فقط وليس لها صلة بالأصول والثوابت.


ويدلل الدكتور زقزوق على ذلك بفتوى الإمام الشيخ "محمود شلتوت" التى أجاز فيها التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية. حيث كان الشيخ "شلتوت" من المتحمسين لفكرة التقريب بين المذاهب الاسلامية خاصة بين السنة والشيعة.


أما الدكتور "زقزوق" فيدعم وجهة نظره الداعمة لفكرة التقريب بين المذاهب بالحديث عن أن الخلاف بين المذهبين السنة والشيعة ليس عقائديا وإنما هو خلاف سياسى يدور فى الأساس حول الخلافة، والخلافة ليست أصلا من أصول الاسلام، فالاسلام يحتاج إلى نظام للحكم يحقق العدالة فى المجتمع. فحيثما توجد المصلحة فثم شرع الله. وهذا أس الشريعة الإسلامية، فكل ما يطالب به الاسلام هو نظام للحكم يحقق العدالة والمساواة.وعليه ففيما إذا نزعنا الرداء الدينى عن هذا الخلاف فإن الطريق يبقى مفتوحا أمام التقارب بين السنة والشيعة.


ولا شك أن الأفكار التى يطرحها الدكتور "زقزوق" فى كتابه "رحلة حياة" توثق المبدأ الذى يتبناه، فهو مثالى فى تعاملاته. يعمل لآخرته ويؤمن بأن دنيانا مليئة بالزيف والنفاق. ويكفى مايقوم به الدكتور "زقزوق" من جهد صادق ورائد فى سبيل الأمة الإسلامية. لقد أثبت وبجدارة من خلال أفكاره ورؤاه أنه الانسان المترع بالشفافية والنقاء، فهو سخى النفس يتميز عمن حوله بأسلوب ونمط تفكير خاص به. لقد جمع فأوعى بين علم رفيع وتواضع جم وأسلوب راق فى العمل. إنسان خلوق قمة فى التحضر ومن خلال كل هذه المواصفات يعكس صورة مضيئة مشعة بالنور تشهد عن حق بأن مايطرحه من أفكار هو الإسلام الصحيح البعيد عن الترهات..