من يتآمر على الفلاحين؟

13/01/2016 - 9:37:36

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبد اللطيف حامد

أعترف من البداية بأننى أحرث فى الماء، ولن يقرأ أصحاب الياقات البيضاء فى حكومتنا الميمونة هذا الكلام، وإذا قرأوا لن يحركوا ساكنا، ولن يغير من قراراتهم الفوقية شيء، فهم يدعون الفهم والمعرفة، و" اللى مش عاجبه يشرب من البحر"، خصوصا أن المسألة تتعلق بالفلاحين والمزارعين الغلابة، يعنى لا مظاهرات ولا وقفات ولا جماعات مصالح ولوبيات تتضامن معهم أو تدافع عنهم، ولو حصل واحد من الإعلاميين فى الفضائيات أو الصحف تناول الموضوع يبقى الرد " السعر العالمى وبس".


أقول هذا بمناسبة نية مجلس الوزراء، وعلى رأسه وزير التموين خالد حنفى ـ الله يسامحه ـ إدخال منظومة جديدة للقمح، تتلخص فى دفع دعم نقدى ١٣٠٠ جنيه للفلاح عن الفدان فى شهرى يناير وفبراير على أن تشترى المحصول عند حصاده بالسعر العالمى، طبعا الكثيرون هيقولوا "طيب فين المشكلة ؟"، الرد بسيط وجاء على لسان مزارع من قريتنا اتصل بى مستنجدا "، أرجوكم أتكلموا عن خراب البيوت اللى هيحل على مزارعى القمح من قرار الحكومة، والعملية أصلا مش ناقصة، احنا بعنا المواشى وحتى مصاغ الستات عشان نصرف على القمح بسعر ٤٤٠ جنيها للأردب، يبقى إزاى هجيب همه، لو أدتنا الحكومة دعم مؤقت كسلفة باليمين وبعد كده تاخده الطاق طاقين، بالذمة ده كلام يرضى ربنا، هم بيساعدوا المستورين والفلاحين الأجانب على حسابنا، حسبنا الله ونعم الوكيل".


وهنا تذكرت ما قاله لى وكتبته فى مقال سابق د. إسماعيل عبد الجليل، رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق والخبير الزراعى العالمى إن أمريكا تدعم مزارعيها يوميا بمليار دولار كل طلعة شمس، ومسئولونا يتفننون فى إلغاء كل صور الدعم لمزارعينا.على العموم قلت لنفسى : أكيد الحكومة درست قرارا خطيرا زى ده قبل التفكير فى تطبيقه، وكمان لازم تكون نظمت حوارا مجتمعيا مع قيادات الفلاحين وممثليهم بالرجوع للجمعيات الزراعية اللى عددها يتجاوز ٧٤٠٠ جمعية والاتحاد التعاونى الزراعى ونقاباتهم، وقبل هؤلاء الأساتذة والمتخصصون المشهود لهم بالخبرة والكفاءة، على الأقل حفاظا على سمعتها أمام الرأى العام، وحتى لا يستغل أنصار الجماعة الإرهابية الموقف لإشعال غضب الفلاحين قبل ذكرى ٢٥ يناير، لكن كل تخميناتى ذهبت أدراج الرياح فى دقائق معدودة.


فكرت فى البحث عن رأى أحد الخبراء الثقاة فى هذا المجال، قفز إلى ذهنى أبو القمح المصرى ونقيب الزراعيين د. عبد السلام جمعة، فوجدته يقول: قرار الحكومة بشراء القمح بالسعر العالمي، سيؤدى إلى تراجع المساحات المنزرعة بالمحصول، وسيقلل من الإنتاج المحلي، ويصب فى مصلحة مافيا استيراد القمح، علما بأن تكلفة زراعة القمح محليا أعلى من أى دولة أخرى فى العالم، والفلاحون سيلجأون لزراعة البرسيم والبنجر بدلا منه لضمان تحقيق هامش ربح.


أما الأخطر ما قاله د.أبو القاسم زهرة الأستاذ المتفرغ فى معهد بحوث أمراض النبات: تكلفة إنتاج أردب القمح فى الأراضى القديمة لا تقل عن ٣٧٠ جنيها، وإجمالى تكلفة زراعة الفدان فى هذه الأراضى يصل إلى ٦٣٠٠ جنيه، بينما تصل تكلفة إنتاج الأردب فى الأراضى الصحراوية إلى ٤١٥ جنيها، فيما تبلغ تكلفة زراعة الفدان ٧١٤٠ جنيها، وفقا للقرار الحكومي، فإن أعلى سعر سيحصل عليه الفلاح هو ٣٥٠ جنيها، والمؤكد هو الإحجام عن زراعة المحصول خلال السنوات المقبلة، ولابد من إعادة النظر فى هذا القرار حتى لا نكون فريسة للمستوردين .


الغريب أن الحكومة تواصل مطاردة الفلاحين بهذه العينة من الضربات، وتتجاهل أنهم أكثر الفئات تضررا من توابع ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه، لأن أسعار محاصيلهم فى النازل، بينما مستلزمات الإنتاج والضرائب على الأراضى فى الصاعد، وهم " شاكرينه حامدينه يبوسون أيديهم وش وضهر"، ثم يتحدث وزراء الزراعة عن وضع برامج وخطط وهمية لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح، وهنا أتساءل، ما الذى سيعود على الدولة من أن يكره الناس مهنة الزراعة، رغم أن نسبة العاملين فيها لا تقل عن ٥٠ فى المائة من المواطنين.. من يقف وراء التآمر على الفلاحين الغلابة الأكثر مناصرة ومساندة للدولة فى هذه المرحلة الصعبة، وما الانتخابات البرلمانية ببعيد، من صاحب فكرة مخطط عقاب الفلاحين والتضييق عليهم بهذه السياسات اللعينة.. لماذا الرئيس السيسى فى واد، يسعى لزيادة الرقعة الزراعية فى الصحراء بمشروع المليون ونصف المليون فدان، بينما بعض المسئولين يدبرون ـ سواء عن قصد أو جهل ـ لتبوير أراضى الوادى والدلتا؟


أعلم أن الرئيس مشاغله كثيرة، وحموله تنوء بها الجبال، وليس من الإنصاف أن يتدخل فى كل المواقف لكن أجدنى مضطرا لمناشدته لصالح الوطن والدولة فى المقام الأول أن يطالب الحكومة برفع الظلم عن الفلاحين، فهم يستحقون مبلغ الدعم وزيادة السعر معا.


والله أعلم.