وداعا .. حمادة إمام

13/01/2016 - 9:29:46

بقلم - كرم السعدنى

عرفت الكابتن حمادة إمام وعمرى خمس سنوات .. بالطبع كان الكابتن واحداً من أفضل اللاعبين فى تاريخ الملاعب العربية وفى الستينيات كان الكابتن حمادة يمتلك سيارة فيات ١١٠٠ وحدث أنه التقى فى الطريق بالعم صلاح السعدنى وكنت أحب أن اتعلق بالعم صلاح فى حلة وفى ترحاله لدرجة أن السعدنى الكبير كان يسمينى المقطورة فأنا أقطر صلاح فى كل مكان وأذهب خلفه أينما اتجه ..


المهم أن الكابتن حمادة رحب بالعم صلاح وعرض توصلينا إلى المكان الذى نختاره وركبنا السيارة فركبت بجوار الكابتن وفى الخلف اتخذ العم صلاح مكانه ثم بدأ الكابتن حمادة يسألنى بالطبع عن الكورة فقال أنت أكيد أهلاوى ذى عمك.. فنفيت بشدة أن أكون من زمرة الأهلاوية فضحك من أعماقه ضحكة صافية .. وقال .. يبقى أنت أول زملكاوى سعدنى.. قلت له أنا إسماعيلاوى وبس .. ويومها سألنى العم صلاح إذا كنت قد شاهدت الكابتن حمادة إمام فى مباريات الكورة فكانت إجابتى بنعم .. ويعود العم صلاح ليسألنى .. طيب حمادة إمام أحسن ولا العربى .. أجبت العربى.. فقال يسرى طربوش أحسن ولا الكابتن حمادة إمام .. فأجبت يسرى طربوشاً فعاد ليسأل طيب عبدالستار “الجون” بتاع الإسماعيلى أحسن ولا الكابتن حمادة .. وعلى الفور كان ردى أن عبدالستار أحسن !!


لم يغضب الكابتن حمادة من شقاوتى أو رزالتى إن شئت الدقة .. ومن حسن طالعى أننى قابلته بعد ذلك بسنوات طويلة جدا عندما عملت فى الأهرام الدولى مع الصديق الكبير عمرو عبدالسميع وهناك كان الكابتن حمادة أمام يقوم بالتعليق على المباريات لصالح قناة سعودية .. فى هذه الأيام اقتربت كثيرا من الكابتن حمادة إمام الذى لم يستغل أوقاته فى لندن لمعرفة معالمها أو السياحة فى ربوعها أو تقليد ناسها .. بل العكس كان صحيحا.. فقد ذهب الكابتن حمادة إمام أولا إلى شارع “ايدجوار رود” حيث يحتل العرب هذا الشارع الشهير فعلى جانبيه عشرات من المطاعم العربية والمصرية وهى تقدم وجباتها من أصناف الطعام اللبنانى والخليجى والمصرى والعراقى والمغربى.. وقد أمضى حمادة إمام أوقاتا طويلة فى هذا المكان قبل أن يكتشف أن للمصريينن مقهى ومطعماً فى شارع “كوينز واى” اسمه أبو حماد وكان صاحبه شاب مصرى قبطى هاجر فى الثمانينات وعمل بهذا المحل واستطاع أن يحمع مدخراته كلها من أجل إيجار المحل ثم قام بعد ذلك بشرائه من صاحبه واستطاع هذا الولد أن يجعل من محل أبو حماد ناديا لجميع أهل مصر سواء هؤلاء الذين يعيشون فى لندن أو العابرين لها .. وهكذا كان هذا المكان كعبة يتجه إليها أهل الفن والصحفيون والمفكرون فيه اجتمع كل المشاهير وكان أكثرهم هم نجوم الكورة فى بر مصر .. وهكذا استطاع سمير الذى اشتهر بسمير حماد أن يصبح هو أحد أسباب تجميع المصريين فى لندن .. وعند سمير أبو حماد كان حمادة إمام يقضى كل الوقت.. والتف حوله كل المصريين وكان من أسباب البهجة .. وعليه التقى وتوحد أغلب المصريين واعتبروه الأب الروحى لهم ولايخفى على أحد أن الكابتن حمادة إمام لم يكنف فقط بإسداء النصح أو إشاعة البهجة فى أوساط المصريين المجتمعين فى محل “أبو حماد” ولكنه ساهم وشارك فى حل العديد من المشاكل التى تعرض لها المصريون هناك وكان واسطة خير لهؤلاء سواء مع مصر الرسمية الممثلة فى موظفى السفارة أو حتى بالنسبة للعمل فى بعض الإدارات الخاصة بالمحطة الفضائية التى عمل بها طوال السنوات التى قضاها هناك.


ومن فضل الله أن حمادة إمام قرر أن يعود للتعليق على مباريات الكورة فى محطات مصرية وهذا الأمر جعل الكفة المقلوبة ينعدل حالها ذلك لأن التعليق على مباريات الكورة فى مصر أصبح فى محنة بعد أن تصدى له بعض الثقلاء والذين يدعون ظرفا ليس له وجود.. وهكذا كان على حمادة إمام وميمى الشربينى وآخرين من نفس العينة من أصحاب الثقافة الكروية وخفة الظل الحقيقية أن يساهموا فى إسعاد المصريين أثناء مشاهدتهم لأفيون الشعوب وكيفهم الأعظم وإدمانهم الدائم .. مباريات الكورة .. وبالتأكيد برحيل حمادة إمام نكون قد خسرنا عدة شخصيات فى إنسان فريد من نوعه .. فهو اللاعب الكروى صاحب الأداء الساحر فى مرحلة الستينيات الذى أمتع جماهير الكورة فى بر مصر ليس من خلال مشاركته مع ناديه الزمالك فقط ولكن من خلال مساهمتة فى منتخبات مصر القوية أيضا ومن منا ينسى مباراته الخالدة مع فريق وسيتهام الإنجليزى الذى انتهى بفضيحة كروية مدوية للفريق الإنجليزى الضيف .. يومها عزف حمادة إمام وكل من معه من أبناء الفريق الذهبى للقلعة البيضاء سيمفونية خالدة سكنت القلوب والعقول فى هذه الأيام كانت المنظومة الكروية متكاملة شديدة الانضباط خامة للنجاح وحافظة للرقى كان المعلق الكروى أيامها هو أظرف إنسان تصدى للميكرفون الكابتن لطيف تشعر أن نبرات صوته عبارة عن عصير كرة قدم ومعه كان الحكم هو سيد الملاعب وصاحب الصوت الوحيد فيها والقرار أيضا وأما الجمهور فما أجمله .. لم نكن نستمع إلى أى لفظ يخدش الحياء .. فكانت الجماهير تشجع اللعبة الحلوة سواء جاءت من لاعبها أو من لاعب الفريق المنافس.. لم يكن هناك ليزر به اللاعبين وحراس المرمى ولم يكن هناك أى وجود لشماريخ تشعل المدرجات بالنار ولم نشهد فى هذا الزمان الأجمل شعارات تفرق بين أبناء الوطن الواحد بل كان العكس هو الصحيح .. ولازلت أذكر إحدى المباريات التى جمعت فريق المحلة الذى صعد فجأة بسرعة الصاروخ واحتل مرتبة الصدارة ذات دورى عام وظل محافظا على موقعه حتى نال بطولة الدورى .. فى هذه المباراة التى جمعت بين الزمالك والمحلة .. تقدم الزمالك أولا ثم تعادل المحلة.. فاز .. وعندما تقدم الزمالك خرجت من جماهير الزمالك هتافات تقول .. الفلاحين أهم .. أهم أهم أهم .. وعندما فازت المحلة .. خرجت هتافات من جمهور المحلة تقول بيقولوا عليهم فلاحين اتاريهم طلعوا مهندسين..” وتبادلت الجماهير التحية مع اللاعبين فى نهاية المباراة ولم يعكر صفو المباراة أى شائبة .


بالطبع هذا الزمان كان ولابد أن ينتج لاعبين فى مثل قامة ومكانة وسمو أخلاق هذا النجم الكبير الذى عرفناه لاعبا فنيا وإداريا حاسما ومذيعا متألقا وإنسانا هو بالتأكيد من أنقى البشر الذين عرفتهم فى رحلة الحياة.. يا عمنا حمادة إمام أنت بالتأكيد كنت أحد أسباب بهجتنا فى ملاعب الكورة الخضراء .. وفى الحياة كنت من أصحاب القلوب الحانية على البشر الذين كان طالعهم حسناً وحظهم طيباً لأنهم التقوا بك وعرفوك وأحبوك واحترموك .. أنهم جميعا لفراقك .. قد أصابهم حزن عميق.


رحمك الله رحمة واسعة !!