الكرامة الإنسانية..

13/01/2016 - 9:25:53

حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

إذا مرض أحدهم خرب البيت، إذا مرض أحدهم لا يجد سريرا فى مستشفى يؤويه، إذا مرض أحدهم وذهب يجر قدميه إلى أقرب مستشفى لن يبلل أحدهم ريقه الجاف، ولا يمكنه من حقه فى العلاج، إذا لم يطرده يهمله، وإذا استقبله لا يهيئ له فرصة علاج حقيقية، فوت علينا الشهر القادم، وهل ينتظر المرض على المريض، ينهشه، يقتله، يسلم البعض منهم نفسه للموت، أو يترك نفسه نهبا لليأس، الموت أقرب إليكم من الحياة.


إذا مرض الفقراء ضاعوا، بخت الفقراء مايل ليه،  لا أحد يتفقدهم، ولا أحد يفتقدهم، مريض وراح، آلاف المرضى تجرفهم رياح الإهمال وقلة الاعتمادات ونقص العلاجات وضعف الإمكانيات، أعلم أن هناك أطباء مخلصون وطواقم تمريض يغزلون  بأصابعهم قدر الإمكان، وللأسف هناك  أقلية  تصدر إلى المرضى اليأس والإحباط، وهم فى أمس الحاجة إلى لمسة حنان..لاقينى تشفينى، وإذا مرضت الله سبحانه وتعالى يشفينى، هو الشافى المعافى  .


لا ينكر الجهد المبذول إلا جاحد، ولكن العبء ثقيل، والمرض قاتل، والعين بصيرة والإيد قصيرة عن إدراك الغلابة قبل أن يجرفهم الطوفان، والعلاج على نفقة الدولة مشوار طويل لا يبلغه إلا من كتبت له الحياة ، طوابير  المرضى انتظارا  أمام المجالس الطبية المتخصصة تذكرك بطوابير الخبز، لا ينالها إلا ذو عمر مديد.. لسه فى العمر بقية.


وتداعى خدمات التأمين الصحى ( لنقص الإمكانيات ) حدث عنها ولا حرج، التأمين الصحى يحتاح فورا وبلا إبطاء، إلى مليارات ثلاثة من الجنيهات ليستقيم الحال ، والعلاج الاقتصادى يأكل ميزانية الأسر المتوسطة، لا تسل عن الأسر الفقيرة، يتولاهم الله برحمته، وهو أرحم الراحمين، والعلاج فى المستشفيات الخاصة فوق طاقة البشر، والليلة فى مستشفى خاص بألف مما تعدون، وهذا رقم متواضع لسرير فى مستشفى صغير، ما بالك بمستشفيات الخمس نجوم والسبع  نجوم، فلندعها جانبا للأغنياء المقتدرين .


الكرامة الإنسانية ليست شعارا سياسيا يرفع فى مناسبات سياسية تخص السجون، ويزايد بها المرجفون، لايدركون أن الكرامة الانسانية شعار يجب أن يقترن بتوافر الخدمات  الأساسية، وإتاحتها بكرامة إنسانية، وفى القلب منها الخدمات الصحية، كرامة المريض من كرامة الدولة، والدولة لا بد أن تكون كريمة من الكرم والكرامة مع المرضى، إذا أحسنتم للمرضى بلغتم حبا.


لو أحسن الوزير أحمد عماد الدين راضى، وذهب إلى مستشفى ريفى أو حضرى بدون ركاب ( موكب )، ووقف يطلب العلاج فى طوابير الذل والمهانة، لفهم معنى إهدار الكرامة، وإراقة ماء الوجه، الكرامة الإنسانية فين ، مستشفيات متهالكة، وأسرة فقيرة، وعناية مركزة تخلو من التكييف، وصيدليات تشكو الخواء، ووجوه عليها قترة، تسود الدنيا فى وجه المريض، يومه أسود من ذهب إلى العيادات الخارجية، أو أقسام الحوادث، مشرحة، تخرجك من الحياة يأسا وإحباطا.


أعلم أن الحمل ثقيل، وأن المطلوب تعجز عنه الحكومة، أى حكومة، ولا تنهض به الوزارة وفوق طاقة الوزير، وقانون التأمين الصحى يحتاج إلى قدرة الجبال للتطبيق، ومنظومة انسياب الخدمات الصحية دونها شلالات وجنادل من كتبة بلا قلب يوقفون المراكب العائمة، لا يرحمون مريضا، ولا يحنون على فقير، تخيل طابور انتظار علاج فيروس سى فى عيادة الأحرار بالشرقية، أو جمال عبد الناصر فى الإسكندرية، ناهيك عن إهمال فيروس بى، وهؤلاء يحتاجون إلى رعاية طول العمر، تخيل أن مرضى النفوس فى التأمين الصحى يتفننون فى حرمان المرضى من العلاج، بحجج واهية، وواقعيا أرقام العلاج على نفقة الدولة لا توفر إلا أقل القليل من كلفة علاج الفقراء، خدمة فقيرة لمرضى فقراء، احمدوا ربنا.


حامدينه وشاكرينه وبنبوس الأيدى وش وضهر على نعمة الصحة، وصابرون على ابتلاء  المرض، ولكن الصحة تاج على رؤوس العباد، وإذا توفرت بكرامة إنسانية تاج على رؤوس النظام، فكرة العلاج بالتسول، بالمعارف، بالواسطة، بأقل القليل، هذا يورث الناس يأسا وإحباطا، كل من ذهب إلى مستشفى أميرى عاد ساخطا، كل هذا السخط خطر شديد على التماسك الاجتماعى.


اقترابى من منظومة علاجات فيروس سى  تبرهن أن الخدمات الصحية فى مصر تنقصها قبل كل شيء الكرامة الإنسانية، ودليلى توفر علاجات فيروس سى، باقة متنوعة، ومليارات مرصودة لتأمين وصولها إلى المرضى بكرامة إنسانية، وأعلى سلطة فى الدولة، الرئيس يقف على رأس هذا المشروع القومى، ورصد مليون وحدة علاجية كهدية أولى مجانية، ولكن للأسف النعمة تحولت إلى نقمة.


فليراجع وزير الصحة معدلات توزيع العلاجات على المستحقين ، ويقف على أسباب طوابير الانتظار، ويفتح موقعا على الإنترنت فقط ليتلقى أرقام المنتظرين لشهور لتلقى العلاج، سيصعب عليه كثيرا،  وأكثر من هذا ينظر كيف تراق مياه الوجوه للحصول على العلاجات.


 فى هذا السياق، العلاجات متوفرة والمليارات مرصودة، لماذا كل هذا الألم فقط للحصول على موعد لتلقى العلاج، تخيل مريضا بالكبد ينتظر على أمل أن يدق الهاتف يحمل بشرى بموعد للعلاج، عادة لا تصله البشرى لأن هناك قلوبا متحجرة تمكنت فى غفلة من الزمان من مصائر الفقراء، قلوب لا بترحم ولا بتترك رحمة ربنا تنزل على العباد، قوائم الانتظار على وشك الانفجار فى وجوهنا.. انزعوا الفتيل. 


عندما أطالع أخبارا بخطط لبناء سجون جديدة، أستغرب أين هى الخطط لبناء وحدات صحية جديدة، عندما أطالع المليارات التى تتحدث عنها المشروعات، أسال وأين هى مليارات العلاج، وأين تذهب إذا كانت الشكوى تصك الآذان، وتخلع القلوب، وتثبط الهمم.. هناك أمل فى الله كبير.