الضرورة تفرضهم.. والكفاءة تؤهلهم.. والقانون لا يمنعهم الجنرالات يحكمون المحافظات

06/01/2016 - 1:33:02

  السيسى لا يتعامل مع المناصب بمنطق المكافأة.. وإنما بمنطق العمل والحساب السيسى لا يتعامل مع المناصب بمنطق المكافأة.. وإنما بمنطق العمل والحساب

تحليل إخبارى يكتبه: أحمد أيوب

عندما أراد الرئيس الأسبق مبارك تذكير أحد القادة العسكريين بأنه كرمه باختياره محافظا كان رد القائد العسكرى أن تكريم اللواء الذى خدم بالقوات المسلحة إما ببقائه فى موقعه العسكرى وإما تقاعده فى بيته وليس تعيينه محافظا ليتحمل فشل الآخرين.


وعندما سألت صاحب هذا الموقف برره بأنهم لا يقبلون مناصب الإدارة المحلية، سواء محافظا أو غيره من المواقع، حبا فى المنصب ولا بحثا عن مكسب، وإنما رغبة فى خدمة الوطن الذى تربوا على التضحية من أجله.


فأبناء القوات المسلحة لم يتعودوا على رفض التكليف والتجارب أثبتت أنهم الأقدر والأنجح فى الوظائف المحلية، ففى كل موقع تم اختيارهم له كانت لهم بصماتهم ليس فقط كمحافظين، وإنما رؤساء مدن أو سكرتيرى عموم، أو حتى رؤساء لبعض المؤسسات والشركات.


كلام القائد العسكرى السابق جاء ليعبر عن غضبه مثل كثيرين من العسكريين بسبب حملة التشويه التى قادها البعض عمدا ضد حركة المحافظين الأخيرة وتصويرها على أنها عسكرة للمحليات، رغم أن نصيب العسكريين من الحركة لم يزد عن ٤ محافظين من إجمالى ١١ محافظا جديدا مقابل ٥ لواءات من الداخلية، وجميعهم رشحتهم مؤهلاتهم وليس كونهم أبناء المؤسسة العسكرية.


أيا كان مبرر من هاجموا حركة المحافظين الأخيرة، فالقضية تتطلب مناقشة موضوعية وإجابة واضحة على سؤال لماذا يتولى العسكريون نسبة من المواقع القيادية بالمحليات بداية من المحافظ وحتى رؤساء المدن والمراكز على مدار ثلاثة عقود سابقة على الأقل كان نصيب العسكريين من المحافظات معروفا وفقا لتقسيمة المحافظات التى اعتمدتها الحكومات السابقة فى عهد مبارك تحديدا، فالمحافظات الحدودية الخمس، شمال وجنوب سيناء ومطروح وأسوان والوادى الجديد، ومحافظات القناة الثلاث «الإسماعيلية وبورسعيد والسويس» لا يتولاها إلا المحافظون العسكريون، ولم يحدث أى تغيير على هذا الفكر سوى مرات نادرة جدا منها تولى الدكتور عبد المنعم عمارة محافظة الإسماعيلية، لكن بعده عاد العسكريون لها مرة أخرى.


المنطق فى هذا الاقتصار للمحافظات الحدودية ومحافظات القناة على العسكريين هو طبيعتها العسكرية لأنها محافظات تهديد عسكرى لمصر طوال الوقت وتحتاج قيادة بالمحافظة تعرف كيف تدير ملف الأمن القومى وتنسق مع القيادة العسكرية المتواجدة فى المنطقة. مثلا محافظ الإسماعيلية أو بورسعيد وشمال وجنوب سيناء يجب أن يكون على قدر كبير من التنسيق مع قيادة الجيش الثانى، ونفس الأمر بالنسبة لمحافظى السويس وسيناء والجيش الثالث، كما يحتاج الوضع فى مطروح محافظا يجيد التنسيق مع المنطقة الغربية العسكرية.


وفيما عدا هذه المحافظات لم يكن تواجد العسكريين كمحافظين ملحوظا، بل وعندما يأتى محافظ عسكرى لأى من المحافظات الداخلية فيكون السبب هو نجاحه فى محافظته الحدودية ورغبة الدولة فى الاستفادة من تجربته فى محافظة أخرى، مثل عبد السلام المحجوب الذى انتقل من الإسماعيلية إلى الإسكندرية، وفؤاد سعد الدين الذى انتقل من الإسماعيلية أيضا إلى المنيا، وعثمان شاهين الذى عين محافظا للمنوفية بعد نجاحه فى الوادى الجديد وطارق المهدى الذى انتقل من الوادى الجديد والبحر الأحمر إلى الإسكندرية، صحيح أن بعض النماذج لم تحقق فى المحافظات الداخلية نفس نجاحها فى الحدودية، لكن كانت هناك نماذج ناجحة أيضا.


فى المقابل فالمحافظات التى شهدت أحداثا إرهابية ونشاطا للتنظيمات المتطرفة كانت ملكا لرجال الشرطة وكانت أبرزها المنيا وأسيوط وانضمت إليها سوهاج وقنا فى بعض الفترات، وكان أغلبهم ممن ينتمون لجهاز أمن الدولة لقدرتهم على إدارة المحافظة أمنيا وسياسيا، وعندما أرادت الحكومة فى إحدى المرات تغيير التركيبة واختارت الدكتور رجائى الطحلاوى رئيس جامعة أسيوط الأسبق محافظا لأسيوط بمنطق أنه يعلم تفاصيل المحافظة ولديه رؤية فى المحاربة الفكرية للإرهاب مارسها عندما كان رئيسا للجامعة، لم يكمل الدكتور رجائى فى موقعه أكثر من عام وعادت أسيوط سريعا للمحافظين الأمنيين، ولأن محافظتى أسيوط والمنيا كانتا اختبارا حقيقيا لقدرة المحافظ الأمنى فقد كانت أسيوط فى فترة الإرهاب الأولى فى التسعينيات من القرن الماضى موردا لوزراء الداخلية، خرج منها ثلاثة وزراء هم زكى بدر وعبد الحليم موسى وحسن الألفى، والطريف أن هذا استمر بعد ثورة يناير فخرج من أسيوط وزيران للداخلية هما أحمد جمال الدين ومحمد إبراهيم.


كما كانت المنيا محطة لنقلة مختلفة لكثير من المحافظين مثل مصطفى عبد القادر الذى خرج منها إلى منصب وزير التنمية المحلية لخمس سنوات وحسن حميدة الذى اتجه إلى المنوفية.


وعندما انتقلت التخوفات الأمنية إلى بعض المحافظات فى الوجه البحرى فى إحدى الفترات مثل الدقهلية كان اللجوء إلى المحافظين من أبناء الداخلية مثل اللواء أحمد صوان وقبله اللواء فخر الدين خالد.


بقية المحافظات كانت تقسم ما بين أساتذة الجامعات والقضاة ورؤساء الشركات العامة والقابضة، حسب القرب من القيادة السياسية أو رئيس الوزراء، وغالبا كانت شخصية رئيس الوزراء هى التى تحدد نوعية من يتولون المحافظات التكريمية، ففى عهد الدكتور عاطف عبيد مثلا كان نصيب رؤساء شركات قطاع الأعمال كبيرا فى حركة المحافظين، فشاهدنا فى حركة محافظين واحدة أكثر من خمسة ينتمون لقطاع الأعمال الذى كان يديره عبيد قبل توليه رئاسة الوزراء، لكن سريعا ما ثبت فشل تجربتهم، مثلما ثبت أيضا فشل تجربة المحافظين أساتذة الجامعات والمحافظين والمهندسين أيام أحمد نظيف وفشلت أيضا تجربة رجال الأعمال.


نتيجة هذه السياسة فى تعيين المحافظات لم يقل نصيب اللواءات، جيشا وشرطة، فى أى حركة عن نصف المحافظين وربما أقل أو أكثر قليلا، وفى بعض الأحوال كانت حركة المحافظين ترتبط زمنيا بحركة التغييرات فى وزارة الداخلية والحركة القضائية والتغييرات فى القوات المسلحة، وكثيرا ما خرج محافظون ليس لفشلهم وإنما لخلق مساحة لتكريم أو تسكين آخرين.


وعندما تولى الإخوان حكم مصر كان مخططهم تمكين أعضاء الجماعة من المحافظات ولكنهم لم يجرؤا على الاقتراب من المحافظات الحدودية والتى كانت القوات المسلحة حاسمة فى أمرها ورفضت حتى مجرد أن يتم التفكير فى المساس بها لأنها أمن قومى لمصر، لكن فى بقية المحافظات تمكنت الجماعة بالفعل من تسكين كل المحافظين من عناصرها أو التابعين لها، وكان هذا هو السبب الرئيسى فى الصدام مع اللواء أحمد زكى عابدين وزير التنمية المحلية وقتها والذى رفض هذا التوجه الإخوانى فغادر منصبه.


مصادر بوزارة التنمية المحلية تكشف أن تقييمات المحافظين على مدار الفترات السابقة تكشف عددا من الحقائق..


الأولى.. أن المحافظين العسكريين هم الأقل فسادا وغالبا لم يرتبط اسم أحد منهم بأى قضايا فساد، بل على العكس كثيرا ما كان تعيين محافظ عسكرى سببا فى كشف ملفات فساد فى المحافظة، وربما يأتى هذا كأحد أسباب الهجوم عل تعيين العسكريين كمحافظين، لأنهم ضد الفساد ولديهم جرأة فى اتخاذ القرار وإصرار على الانضباط وهذا ما لا يعجب كثيرين من العاملين بالمحليات، بالطبع هذا لا ينفى طهارة المحافظين من الفئات الأخرى، لكن العسكريين فى المقدمة.


الثانية.. إنه من بين ٢٧ محافظة فى مصر تضم نحو ٢٢٠ مدينة و١٨٥ مركزا و٨٠ حيا، يمثل العسكريون نحو ٤٠ بالمائة من قيادات التنمية المحلية والمحافظات تقريبا ما بين سكرتير عموم أو مساعدين أو رؤساء مدن وأحياء، وهؤلاء يعاملون بنفس طريقة القيادات الأخرى، وعندما يكون لدينا دولة تضم أكثر من ٢٦ ألفا و٨٠٠ نجع وكفر وعزبة وأكثر من ٤٧٠٠ قرية تقريبا إضافة إلى التوابع فلا يمكن أن نبحث سوى عن القيادات القادرة على إدارة هذا العدد الضخم، وهذه القدرة تتوافر غالبا لدى العسكريين لأنهم مدربون على كل مستويات القيادة والتنسيق، لكن نسبة العسكريين ورجال الشرطة فى الوظائف القيادية بالمحليات ليست ثابتة وإنما متغيرة، تزيد وتنقص أحيانا، مثلا فى القاهرة تعدت الـ ٦٠٪ من رؤساء الأحياء وأحيان أخرى انخفضت لأقل من ٤٠٪، وكل هذا حسب ما تسفر عنه المقابلات والاختيارات ومن يتبين أنه يمتلك قدرات القيادة.


الثالثة.. أن العسكريين هم الأقل لجوءا إلى وزارة التنمية المحلية لحل المشاكل، فغالبا يتمتعون بقدرة على حل خلافاتهم كما أنهم الأقل تصادما مع الجهات الأمنية بالمحافظة ويديرون علاقاتهم بالتنسيق.


الرابعة.. أن نسبة تنفيذ المشروعات فى المحافظات التى يتولاها العسكريون أكبر وأسرع وأقل إهدارا وهذا مرجعه طبيعتهم التى تعودوا عليها فى القوات المسلحة.


الخامسة.. أن الفترة الأخيرة وتحديدا بعد تولى السيسى رئاسة الجمهورية ورفعه شعار العمل منذ الخامسة صباحا وسيادة مبدأ الانضباط فى الوزارات والهيئات الحكومية، تمت فيها تجربة العديد من الفئات فى منصب المحافظ سواء رجال محلب الذين اختارهم بسابق معرفة لعملهم معه، أو من أساتذة الجامعات والقضاة والمهندسين، موضة العصر فى المناصب، لكن ثبت عدم قدرة الكثيرين منهم على تحقيق الانضباط المطلوب وحشد قوى المحافظة للعمل، وفى الوقت نفسه وبسبب الظروف الأمنية التى تمر بها البلاد لم يكن هؤلاء المحافظون قادرين على تحقيق الإنجازات المطلوبة منهم، وكانت النتيجة أن أصبحت المرحلة الحالية تحتاج نوعية خاصة من المحافظين ورجال المحليات بشكل عام متوافر شروطها بوضوح فى العسكريين وأبناء الداخلية.


السادسة.. كما تشير المصادر فعدد كبير من الشخصيات العامة المؤهلة لتولى منصب المحافظ اعتذروا عن التعيين بدعوى أن الظروف لا تسمح لهم بالعمل والإنجاز، كما رفض آخرون التعيين وفضلوا الانتظار لمزيد من الاستقرار للأوضاع الأمنية. ففى الحركتين الأخيرتين للمحافظين كانت نسبة الاعتذارات كبيرة جدا كما أن التحريات الأمنية والرقابية استبعدت عددا ليس قليلا وأمام هذا الهروب غير المبرر من البعض ورغبتهم فى عدم تحمل المسئولية فى هذه الظروف واعتراض الاجهزة الرقابية على البعض الآخر كان البديل الأفضل هم رجال القوات المسلحة والشرطة الذين قبلوا المهمة والتكليف بالمحليات، أيا كان الموقع، رغم صعوبة التوقيت.


أهم من كل هذا أن هؤلاء المحافظين أو رؤساء المدن لا يتميزون عن غيرهم من بقية القيادات، فهم يخضعون للرقابة والمتابعة والتقييم الدورى من قبل وزارة التنمية المحلية والأجهزة الرقابية ومن يثبت فشله يغادر موقعه.


وكما يؤكد مصدر أمنى سابق فإذا كان منصب المحافظ بالتعيين ويستغل البعض هذا لتشويه النظام والادعاء بمجاملة أبناء القوات المسلحة، فالرد عليهم ليس فقط بالتقارير الرقابية وتقارير الأداء التى تؤكد بوضوح تميز العسكريين فى هذه المواقع، وانما أيضا بالشركات والمؤسسات التى تطلب من نفسها من بعض الجهات أن ترشح لها قيادات عسكرية سابقة ليتولوا ملفات وإدارات مهمة لأنها تحتاج لحسن إدارة وانضباط، وكثير من الشركات عندما تخطط لتحقيق الانضباط فأول من تفكر فيهم هم رجال القوات المسلحة المتقاعدون للاستفادة من خبراتهم.


الحديث عن منصب المحافظ ورؤساء المدن يرتبط بوزارة التنمية المحلية أو الإدارة المحلية التى كان أول ظهور لها فى ١٠ سبتمبر ١٩٦٠ أثناء الوحدة مع سوريا ومن يومها ظلت الوزارة لكن تغيرت مسمياتها وطبيعتها واختصاصاتها من فترة لأخرى واختلف منصب من يتولاها حتى أنها فى بعض الأحيان كانت تسند الى رئيس الوزراء بشكل مباشر، وعلى مدى تاريخ هذه الوزارة تولاها كوزراء ٢١ وزيرا حتى الآن كان نصيب العسكريين منهم ٩ وزراء أغلبهم تولوا فى فترة عبد الناصر وبعضهم أيام السادات وهم كمال الدين حسين وعبد المحسن أبو النور وحمدى عاشور وعباس رضوان وحمدى عبيد وعبد السلام المحجوب ومحسن النعمانى وأحمد زكى عابدين الذين تولوا الوزارة بعد ثورة ٢٥ يناير،


وفى المقابل غلب على اختيارات مبارك لوزراء التنمية المحلية الطابع الأمنى لأنه كان يراهم أقرب الى هذا الملف، فمن بين ٤ وزراء ينتمون للجهاز الأمنى تولوا التنمية المحلية كان ثلاثة منهم فى عصر مبارك وهم النبوى إسماعيل وحسن أبو باشا ومصطفى عبد القادر، والثلاثة جاءوا إلى وزارة التنمية المحلية من مواقع أخرى ، فالنبوى وأبو باشا من الداخلية ومصطفى عبد القادر من محافظة المنيا وكان مرشحا أيضا لوزارة الداخلية، وبعد ثورة ٣٠ يونيه جاء اللواء عادل لبيب ليكون رجل الأمن الرابع فى تاريخ وزراء المحليات.


وفى المقابل كان هناك ٨ وزراء ينتمون لفئات أخرى كأساتذة الجامعة وهم محمد حامد محمود وفؤاد محيى الدين وسليمان متولى وأحمد سلامة ومحمود شريف وعبد الرحيم شحاته وعين الإخوان القيادى بالتنظيم محمد على بشر، والوزير الحالى هو الدكتور أحمد زكى بدر.


اللواء مصطفى كامل السيد محافظ بورسعيد الأسبق يستنكر حملة التشويه ضد حركة المحافظين بحجة أنها غلبيت عليها الشخصيات العسكرية ويؤكد أن هذا كلام باطل، وكان الأفضل بدلا من التشويه أن يسأل هؤلاء أنفسهم عن النماذج الناجحة فى الإدارة المحلية بشكل عام على مدار السنوات الماضية وسيجدون أنهم أبناء المؤسسة العسكرية، وليس هذا من فراغ، وإنما لأن فى القوات المسلحة نظاما لا يسمح لأى ضابط أن يصل إلى رتبة لواء إلا إذا كانت لديه قدرات القيادة ومهارات الإدارة، وعندما تراجع نماذج لمحافظين ناجحين ستجد الغالبية العظمى منهم عسكريون مثل اللواء منير شاش ونور عفيفى فى سيناء وأحمد زكى عابدين فى كفر الشيخ وبنى سويف ثم وزيرا للتنمية المحلية، عابدين هو من لخص خبرته فى المحليات بجملة قالها على الهواء: «إن المحافظ أصعب وظيفة».


يلفت اللواء مصطفى كامل إلى أن البعض تحدث عن زيادة عدد الجنرالات فى الحركة الأخيرة، ولو حاولوا قراءة الوضع حاليا فى البلاد سيجدون أن هذا أمر منطقى لأننا فى مرحلة الأمن القومى، كما أن أى ضابط لا يصل إلى رتبة جنرال إلا إذا كان قادرا على القيادة وملماً بالأمور السياسية والاقتصادية ولديه مواصفات الإدارة المدنية.. اختيار محافظ من رجال القوات المسلحة لمحافظة الشرقية يرى اللواء مصطفى سببه الرئيسى أن الشرقية فى الفترة الأخيرة أصبحت تمثل جزءا رئيسيا من الأمن القومى، كما أنها تحتاج شخصية حازمة قادرة على إعادة الانضباط إليها.


يكشف اللواء مصطفى أن المحافظ أو رئيس المدينة أو الشركة الذى ينتمى للمؤسسة العسكرية ليس على رأسه ريشة، ولو أخطأ يحاسب، ولو فشل يغادر موقعه فورا، والقوات المسلحة لا تنحاز لأحد ولا تسعى لتمييز أبنائها.


اللواء مصطفى يطالب بدلا من تشويه العسكريين أن يوفر هؤلاء جهدهم فى المطالبة بتغيير نظام المحليات فى مصر لتكون حكما محليا يمتلك سلطات وصلاحيات حقيقية، فالمحافظ الآن مغلوب على أمره يدير بشخصيته وليس بصلاحيات، فالمحافظ -حسب القانون- مسئول عن الأمن فى المحافظة لكن الواقع أنه لا يوجد فى مصر مدير أمن يتلقى تعليماته من المحافظ وانما تبعيته وقراراته وخططه تتم من خلال وزارة الداخلية، والمحافظ مسئول عن الخدمات فى المحافظة لكن لا يوجد أى وكيل وزارة يتبعه، حتى أسلوب التفويض الذى يمنحه بعض الوزراء للمحافظين لا يضيف شيئا لأنه عمليا لا يطبق، وفى ظل هذه الظروف الغريبة دائما يكون المحافظ العسكرى هو الأقدر على انتزاع صلاحيات لأنه يعتمد على شخصيته، وكثير من الحالات رأينا فيها محافظين عسكريين تمكنوا من تنمية محافظاتهم لأنهم استطاعوا فرض شخصيتهم وضبط الأداء فى المديريات المختلفة.


ليس هذا فحسب وإنما فى وجود المحافظ العسكرى تختفى دائما مراكز القوى فى المحافظة لأن الذى وصل إلى رتبة لواء ولم يتعود على المخالفة ولا الفساد ولا الانحراف ولم يتعامل بالواسطة وسياسته هى الحزم والتخطيط وليس العشوائية لن يتغير عندما يتولى منصب محافظ.


بوضوح شديد يسأل اللواء أحمد زكى عابدين: هو مين فى مصر ناجح وبيشتغل غير العسكريين، ومين شايل البلد فى هذه الفترة، ولو تابعنا هذا الأسبوع فقط سنجد أن الرئيس اجتمع مع رجال الهيئة الهندسية لمناقشة تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، وقبلها كان الرئيس مع جهاز الخدمة الوطنية لمناقشة خطة تخفيض أسعار السلع، فلماذا نقبل هذا ونرفض أن يكون بعض المحافظين من العسكريين، ورغم أن القانون لا يمنع العسكرى من تولى منصب محافظ، لكن لو هناك بديل فلا مانع من توليهم المسئولية والعسكريون لن يعترضوا، بل على العكس فلو الأمر بيدهم لاعتذروا عن أى مناصب بعد خروجهم من القوات المسلحة، لكن شعورهم بالمسئولية تجاه الدولة هو ما يدفعهم إلى قبول أى وظيفة، ولو تابعنا الفترة الأخيرة سنجد أن ١١ محافظا تم اختيارهم من الشباب ومن فئات مختلفة، ولم تمض فترة طويلة وثبت أنهم لم يكونوا على قدر المأمول منهم، فلجأت الرئاسة الى العسكريين لأنها لا تريد تحويل منصب المحافظ الى وسيلة تكريم أو مكافأة نهاية خدمة، وإنما تريد أن يكون المحافظ مديرا لمحافظته ، فاللواءات الذين يعترض عليهم مروجو شائعات التشويه المتعمد هم بمثابة الإنقاذ لمحافظاتهم، ولا مانع من أن يسند الى كل محافظ منهم مهمة خلق كوادر قادرة على تحمل المسئولية، لأن العسكريين قادرون على تدريب الناس وخلق الكوادر.


عابدين يشرح المهارات التى يمتلكها كل من وصل إلى رتبة لواء، فحتى يصل إلى هذه الرتبة يمر بمائة مرحلة من التقييم والمتابعة والمراجعة عنه وعن أهله وسلوكه وعلاقاته وقدراته وكفاءته.


وعندما يتولى قيادة يصل مستوى التحرى والتدقيق إلى درجة الوزن والطول.


وخلال فترة خدمته يحصل على كل الفرق الأساسية، من فرقة قائد فصيلة وحتى قائد لواء وأركان الحرب إضافة إلى كل الفرق الفنية التى يحصل عليها كل ضابط حسب تخصصه، ولا يرقى الضابط إذا لم يخدم على الجبهة فى الميدان، وطوال مدة خدمته يتدرج فى القيادة عدد قليل من الافراد وحتى قيادة جيش كامل بكل مطالبه، فهل بعد كل هذا نتحدث عن صلاحية أو عدم صلاحية القائد العسكرى لمنصب المحافظ.


ميزة أخرى يمتلكها رجال القوات المسلحة ومثلهم أيضا رجال الشرطة وهى كما يقول اللواء عابدين أنهم تعودوا على الغربة والعمل بعيدا عن مقار إقامتهم والغياب عن أسرهم لفترات، والعمل تحت كل الظروف، ويمتلكون الجرأة والقدرة على اتخاذ القرار واقناع الناس به.


كل هذا يراه عابدين السبب الحقيقى فى اللجوء للعسكريين فى الإدارة المحلية لأنها تحتاج لهذه النوعية من الرجال، حزم ونظافة يد وقدرة على القيادة والادارة الحسنة واستغلال القدرات.


عابدين يشير الى أنه رغم نص الدستور الجديد على أن يكون منصب المحافظ بالانتخاب لكن حتى الآن لا يمكن تنفيذ هذا الأسلوب واقعيا لأن حال المحافظات سيئ ويحتاج إلى نوعيات معينة قادرة على مواجهة الفاسدين وليست لديهم توازنات ولا حسابات مصالح، فالمحليات قامت على أسلوب عشوائى ويمكن لصغار الموظفين والفاسدين فيها أن يدمروا أى مسئول ويحولوه إلى فاسد طالما انه ليس مؤسسا على رفض الفساد، من الآخر المحليات كما يقول عابدين تحتاج شخصيات قيادية قوية ويقظة ومدربة على القيادة الجماعية ولديها القدرة على مواجهة سلطات الوزراء وتحكماتهم أحيانا، ويضرب مثالا عندما كان محافظا لكفر الشيخ وكانت المحافظة تحتاج لمساحات من الأراضى لإقامة مشروعات لتشغيل الشباب وبناء مدارس ولم يكن متوافرا سوى مساحات كبيرة من اراضى الأوقاف غير المستغلة منذ عشرات السنين ولم يجرؤ محافظ على الاقتراب منها بسبب رفض الأوقاف، لكن عابدين كما يقول اتخذ قراره بتحويل أراضى الأوقاف إلى مشروعات للاستزراع السمكى وخاض معركة ضد وزير الاوقاف الاسبق محمود حمدى زقزوق وانتصر عابدين رغم شكوى زقزوق له عندالرئيس الأسبق مبارك. لأن مبارك اقتنع بوجهة نظر عابدين الذى يقول لولا شخصيتى العسكرية وتعودى على اتخاذ القرار والجرأة فى تنفيذه ما كنت خضت المعركة مع وزير قوى مثل وزير الاوقاف.


مثل هذا الحزم كان ضروريا لأن محافظة كفر الشيخ من المحافظات الضخمة فى عدد قراها ونجوعها وعزبها، يكفى أن بها ٢١٠ قرى وأكثر من ١٥٦٠ نجعا وعزبة مقسمة على عشرة مراكز فكيف يمكن أن ندبر مطالب كل هؤلاء من مدارس ومستشفيات وطرق ومشروعات تنموية دون أن نحصل على هذه الأرض.


اللواء عبد المنعم سعيد محافظ السويس وجنوب سيناء الأسبق يؤكد أن أغلب العسكريين يعينون فى محافظات الحدود لأنها ترتبط بالأمن القومى والتهديدات الخارجية، ولا يتم اختيار أى شخصية عسكرية، بل يتم اختيار الأكثر تأهيلا وقدرة على إدارة المحافظة، ولواءات الجيش أكثر الفئات تدريبا على الإدارة، لأنه لا يرقى إلى رتبة لواء إلا إذا كان ماهرا فى القيادة والإدارة الجماعية، ولو فشل فى القيادة فى أى موقع لتمت إحالته للمعاش فورا، فالجيش لا يجامل ولا يتهاون، وهذا هو المطلوب فى منصب المحافظ، فالمحليات فى مصر تسير وفق نظام الإدارة المحلية وليس الحكم المحلى، ورجال الجيش قدراتهم فى الإدارة أفضل من الآخرين.


عبد المنعم سعيد يكشف أنه شخصيا عين محافظا ليس لأنه فقط قائد عسكرى.. وإنما لأنه حصل على بكالوريوس تجارة ثم ماجستير فى الإدارة من الولايات المتحدة وكان موضوعها الفارق بين الإدارة المحلية والحكم المحلى، وكل من عينوا محافظين من العسكريين لديهم شهادات فى مجال الإدارة والتخطيط والقيادة.


يضيف سعيد أنه لاميزة لمحافظ عسكرى على محافظ آخر فالجميع مراقبون ويخضعون للتقييم.