إدارة الجيش لبعض القطاعات المدنية لماذا.. وهل هى ظاهرة مصرية؟

06/01/2016 - 1:23:51

  كامل الوزير يتفقد مشروعات الهيئة الهندسية كامل الوزير يتفقد مشروعات الهيئة الهندسية

بقلم - السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

أثارت حركة التعيينات الأخيرة للمحافظين لغطا فى المجتمع المصرى إثر تولى عدد جديد من العسكريين منصب المحافظ، خاصة أنه قد تداولت معلومات عن اعتذار عدد من المدنيين لهذه المناصب فهل فكرة تولى بعض العسكريين لقطاعات مدنية هى فكرة حديثة مرتبطة بثورة ٢٥ يناير؟ أم أنها فكرة لها جذورها فى المجتمع المصرى الحديث وتحديدا منذ قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢؟ 


بداية يمكن القول بأن هذه القضية مثارة فى العالم أجمع وليس فى مصر فقط وهو ما سبق وتعارف علية "العلاقات المدنية العسكرية" وهى مسالة تدرس فى علم الاجتماع السياسى وفى نظم الحكم تحديدا وقد سبق للكاتب أن أعد رسالة دكتوراه فى العلوم السياسية عن العلاقات المدنية العسكرية وتأثيرها على اتخاذ القرار السياسى فى الاتحاد السوفيتى  وتبعه فى ذلك عدد من الباحثين فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. 


كذلك فإن مسألة العلاقات المدنية العسكرية كذلك لا ينبغى أن ننسى خطاب الوداع للرئيس الأمريكى الأسبق أيزنهاور - وكان جنرالا بالجيش قبيل توليه الرئاسة - حينما حذّر من مخاطر قيام ما أسماه بـ "المجمع العسكرى الصناعي" على مستقبل الولايات المتحدة، وهذا المجمع يمثل بعدا من أبعاد العلاقات المدنية العسكرية  وقد تطور الآن إلى مجمع ثلاثى بإضافة الأكاديميين الى العسكريين ورجال الصناعة  وهى مسألة بدأت بوضوح فى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وظهرت فى المجتمع الأمريكى بعض مخاطر هذا التحالف. 


           كذلك فإن دور القوات المسلحة فى التنمية نال قدرا هائلا من الاهتمام فى الدراسات السياسية فى عقدة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى إثر حدوث سلسلة من الانقلابات العسكرية فى الدول النامية وتحديدا فى إفريقيا وأمريكا، وقد أكدت هذه الدراسات على أن  هذا الدور نتاج الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها الدولة التى تعرضت لعملية الانقلاب، ومن ثم فهذا الدور يتراوح بين أربعة ادوار وفقا لهذه الظروف على النحو التالى :-


الدور الأول تحديثى وكان يسود الدول الإفريقية بعد جيل اباء الاستقلال مثل الانقلابات التى تعرض لها مليون اوبوتى فى أوغندا والانقلاب الذى تعرض له أحمد نكروما فى غانا والانقلابات التى سادت غرب إفريقيا، وتفسير ذلك أن هذه الانقلابات جاءت بعد تولى جيل اباء الاستقلال السلطة لفترة زمنية ممتدة بدأت خلالها قوة الدفع التى اكتسبها اقتصاد الدولة فى التباطؤ فتولى الجيش السلطة ليعيد للاقتصاد حيويته وقوته.


الدور الثانى هو الانقلابات التى كانت تستهدف دول أمريكا اللاتينية وكانت تستهدف مقاومة التغيير بقدر ما كانت تستهدف الإبقاء على الأوضاع الراهنة فى البلاد ذلك أن القوات المسلحة اللاتينية فى ذلك الوقت كانت مصالحها قد ارتبطت ارتباطا قويا بمصالح الديكتاتوريات من مهادنة لبارونات المخدرات ومن فساد ومن ارتباط قوى بالمصالح الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية. 


أما الدور الثالث السياسى للقوات المسلحة فقد كان ممثلا فى آسيا، إنه دور تحريرى لأن الجبهة القومية التى استطاعت إنجاز الاستقلال فى نهاية الأربعينيات تحولت بعد ذلك إلى جيش، وتولى كبار قادتها المناصب السياسية مع تطعيم القطاع المدنى ببعض الشخصيات ذات التعليم المدنى من هذه الجبهات لإحكام سيطرتها على اقتصاديات البلاد وضمان إخضاعه للتوجهات الجديدة للدولة.  


أما الدور الرابع والأخير فقد انفردت به منطقة الشرق الأوسط التى يعد تدخل الجيش فى الحياة السياسية فيها تقليدا تاريخيا مقبولا بوصف القطاع العسكرى أكثر قطاعات الدولة تحديثا، كما أنه امتداد لمفهوم أن الجيش هو جيش محترف لا يقوم على المرتزقة، وإنما على أبناء الدولة الحديثة فى هذه المنطقة من العالم.


والجدير بالذكر أن هذا التقسيم لأدوار الجيوش فى العالم قد طرأ عليه تحولات أدت إلى تبادل الأدوار بين المنطقة الإفريقية والمنطقة اللاتينية، فأضحت الجيوش الإفريقية محافظة ومعوقة للتنمية الاقتصادية  لافتقاد الخبرات العلمية والجمود الفكرى الذى ساد المؤسسة العسكرية الإفريقية اكتفاء بما يمكن تحقيقه من مكاسب نتيجة السيطرة على مقاليد البلاد لفترة طويلة نسبيا ودون مساءلة بينما أضحت جيوش أمريكا اللاتينية تحديثية نظرا لصحوة الدول واعتبارها تجارة المخدرات مهددا للأمن القومى ولابتعادها عن السياسة الامريكية بعض الشىء


ومن ثم فالظاهرة - أى تداخل العامل العسكرى فى القطاع المدنى - لا تمس مصر وحدها فقط عن مختلف دول العالم، كما أنها ليست ظاهرة حديثة فكيف يمكن تقييم التجربة المصرية فى هذا الإطار؟ 


فهم دور العسكريين فى مصر يتطلب الرجوع إلى بدايات تكوين الجيش المصرى فى مصر الحديثة أى فى عهد محمد علي، وتحديدا منذ مطلع عشرينيات القرن التاسع عشر، فقد أنشأ محمد على الجيش مانحا لقياداته المصرية امتيازات عديدة فكان أساسا لبناء طبقة وسطى متماسكة إلى جانب عمال  وموظفين وإدارة الصناعات التى ارتبطت بالجيش مثل صناعة الذخيرة والمدفعية وإصلاح وبناء السفن، وحتى يضمن محمد على ولاء المصريين منح قيادات الجيش من المصريين مساحات من الأراضى الزراعية فظهرت الصورة الأولى فى مصر من تداخل العوامل العسكرية فى الحياة المدنية فى هذا الوقت المبكر وارتبط الجيش بالشعب نتيجة لذلك ونتيجة تشكيل الجيش من المصريين رغم سيطرة الأتراك عليه بوصفهم  ما كانوا يمثلونه من رتب عليا فى الجيش.


إلا أنه بمرور وقيام الثورة العربية ظهر أن جيش الشعب المصرى لم يكن منفصلا عن بدايات وطلائع الحركة الوطنية المصرية فى ذلك الوقت المبكر، ويتضح ذلك من مطالب عرابى من الخديو والتى شملت إنشاء برلمان تمثيلى يناقش الميزانية ويراقب الحكومة وفتح باب الترقى للرتب العليا أمام المصريين وعدم امتهان كرامة المصريين، وهى مطالب تعكس الوعى المصري، وتعكس بدايات الحركة الوطنية فى عصر محمد على إلى جانب بعض المطالب الفئوية الضرورية مثل رفع المرتبات واستخدام المواصلات بنصف الأجر كما يتندر بعض الصائدين فى المياه العكرة.


إلا أنه بقيام ثورة يوليو ١٩٥٢ والتى بدأت فى شكل انقلاب عسكرى بامتياز ثم التفاف الشعب حولها ظهر بوضوح اختلاط ما هو مدنى بعسكرى نتيجة خلع مجلس قيادة الثورة - فيما عدا عبد الحكيم عامر - للزى العسكرى وتوليهم مناصب مدنية كانت معظمها وزارية ، بل إن مذكرات صلاح الشاهد تؤكد أن عبد الناصر فى إحدى المناسبات السياسية الرسمية عاد وارتدى الزِّى العسكرى لأنه لم يكن لديه بدلة سهرة قى ذلك الحين، ولم يجد الشعب المصرى فى ذلك أى غرابة أو استهجان رغم أن عبد الناصر نفسه رفض اتصال بعض الوزراء بالوحدات العسكرية لإنجاز بعض المهام وهو ما دعاه الى رفض هذه الاتصالات وطالب من زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة إما وقف هذا المسلك او العودة مرة أخرى للزى العسكرى وللوحدات والعمل كضباط فقط فاختار الجميع الحياة المدنية. 


ومع صدور القرارات الاشتراكية فى الستينيات وتوسع القطاع العام، لجأ المشير عامر الى التوسع فى تولى رجال القوات المسلحة لبعض الشركات المدنية استفادة مما اكتسبوه فى الجيش من خبرات إدارية، إلا أنه لم يفطن إلى نقطة هامة وهى أن سلطة اللواء داخل وحدته نتاج عاملين الأول الانضباط العسكرى القائم على ضرورة تنفيذ امر القيادة الاعلى دون نقاش وهو أمر لا يعرف الحياة المدنية والثانى نتيجة التنظيم القيادى المتسلسل وهو ما تعرفه المؤسسات المدنية، فكانت التجربة دون المستوى خاصة أن اختيارات عامر كانت تقوم على أسس شخصية أكثر منها كأسس وظيفية واستحقاق.


هذه التجربة كانت نتيجتها متفاوتة بين النجاح التام وبين الفشل التام. فمن ناحية النجاح لا ننسى أن عددا من بعض أبناء القوات المسلحة نقلوا الى وزارة الخارجية وهم أبناء الصف الثانى لمجلس قيادة الثورة وبرعوا فى دورهم الدبلوماسى بهدف تنفيذ أهداف الثورة أو كمكافأة على دورهم فى إنجاح الثورة نفسها مثل السادة السفراء على شوقى الحديدى وحافظ اسماعيل وحسن نائل وسعد عفرة وطلعت شافعى وغيرهم رحمهم الله، وقد نجح عدد منهم نجاحا باهرا مثل حافظ اسماعيل الذى حدّث إجراءات العمل بوزارة الخارجية لوضع أسس أكثر موضوعية للترقى ووضع حركة منتظمة للتنقلات بين ديوان عام الوزارة بالداخل والسفارات المصرية بالخارج. 


كذلك لا ننسى أن من أشرف على أضخم مشروع عرفته مصر فى القرن العشرين وهو السد العالى كان أحد أبناء القوات المسلحة وهو الفريق صدقى سليمان رحمة الله عليه، وأن أكثر وزراء الثقافة فى مصر كفاءة كان من القوات المسلحة وهو د ثروت عكاشة، إلا أنه أمام هذه النخبة الناجحة التى أعطت مصر أسبابا عديدة للنجاح والرقى كانت هناك غالبية من اضباط رأت فى إدارة بعض قطاعات الدولة مكافأة لها على دورها العسكرى وأنهرة المكافأة أشبه بمكافأة نهاية الخدمة ولم تفطن  لتغير جوهر السلطة فى القطاعات المدنية عنها فى القطاعات العسكرية فكانت النتائج كارثية فى هذه المجالات وانتهت التجربة بنكسة ١٩٦٧ وعادت القوات المسلحة إلى ثكناتها العسكرية.


اليوم تدير بعض عناصر القوات المسلحة نوعين من القطاعات المدنية، النوع الأول هى مؤسسات جهاز الخدمة المدنية للقوات المسلحة وهى مؤسسات تنتج سلعا مادية لصالح القوات المسلحة أصلا وتمثل استثمارا لهذه المؤسسة تأمينا لاحتياجاتها من ناحية وتسهيلا لحياة الضباط الذين يقضون مجمل حياتهم فى معسكرات منتشرة على طول البلاد وعرضها وهو أمر لا غبار علية خاصة أنه تم التوسع فيه بعد حرب ١٩٧٣ لاعتبارات عملية


والنوع الثانى من المؤسسات التى تديره بعض عناصر القوات المسلحة هى بعض المؤسسات المدنية والخاصة بالقطاع الانتاجى والخدمى بالجهاز الحكومى مثل تولى بعض اللواءات رؤساء مجالس بعض الشركات المملوكة للدولة، ويندرج فى هذا الإطار تولى منصب المحافظ فى المحافظات غير الحدودية لأن المحافظات الحدودية لها مبرراتها لتعيين محافظ عسكرى لها من ناحية الأمن القومى ومتطلباته، وهذه التجربة حتى الآن لم تفرز لنا أشخاصا يمكن أن نقول عنهم إنهم مميزون على غرار الأسماء التى سبق ذكرها او حتى فى المستوى المتوسط. 


إذن التجربة ينبغى ان تقيم تقييما موضوعيا كل حالة على حدة ونجيب على تساؤل يفرض نفسه علينا مفاده هل من المفيد الاستمرار فى هذه التجربة بناء على تقييم للشركات والمناصب التى تولى بعض لواءات القوات المسلحة قيادتها عبر فترة ممتدة زمنيا ؟ وهى مناصب مدنية  يحتلها العسكريون منذ مدة تسبق ثورة ٢٥ يناير بمراحل. 


صحيح أن القوات المسلحة المصرية تأخذ بأسباب التقدم من تحديث معداتها العسكرية ومن تحديث عقيدتها العسكرية باستمرار وهى من اكثر قطاعات الدولة المصرية تقدما بحكم المعايير العالمية التى تقيم على أساسها، إلا أن الخلط بينها كمؤسسة وبين أبنائها من الضباط أشبه ما يكون بالخلط بين الإسلام والمتطرفين والإرهابيين من حيث السلوك، فالإسلام دين سمح يحترم الآخر ويحث على احترامه وحفظ حقوقه، بينما أبناء هذه التنظيمات هم مسلمون يفهمون هذا الدين خطأ كما أن إيمانهم ضعيف لأنه يستند إلى التطرف فى الفكر والتفسير والإدراك، وذلك حتى إن اعتذر المدنيون عن تولى مناصب معينة كما قيل. 


إن مصر بعد ثورة يناير فى مسيس الحاجة إلى إعادة النظر فى مجمل القوانين التى  تحكمها، فلا توجد دولة فى العالم تحكم بحوالى ٥٤٠٠ قانون، فكثرة هذه القوانين تعيق العدالة عن أداء مهمتها، كما أنها تأخذ وقتا طويلا فى التقاضي، كما أنها تقف حجر عثرة فى سبيل تقدم مصر للأمام، كما أننا بحاجة ماسة إلى عدم تكرار التجارب الفاشلة، ولحين إتمام ذلك ينبغى أن نفكر فى إيقاف تعيين أبناء القوات المسلحة فى القطاعات المدنية على الأقل لحن جلاء الحقيقة.