السعودية ليست وحدها فى مواجهة إيران

06/01/2016 - 12:24:20

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم تسارع تطورات الأزمة الإيرانية مع المملكة العربية السعودية الناجمة عن اقتحام السفارة السعودية وقنصلية لها فى إيران وحرقها، واتساع هذه الأزمة بقطع العلاقات الدبلوماسية الإيرانية مع عدد من الدول العربية، إلا أن الأغلب هذه الأزمة لن تتدحرج إلى درجة حدوث صدام عسكرى بين المملكة العربية السعودية وإيران.. ولايرجع ذلك فقط إلى مبادرة كل من روسيا وألمانيا للقيام بوساطة بين البلدين أو لاستضافة حوار سعودى إيراني، وإنما يرجع أساسًا إلى أن رد الفعل السعودى ومعها دول عربية أخرى على الاعتداء، الذى تعرضت له البعثة الدبلوماسية والقنصلية السعودية فى إيران قد فاجأ الإيرانيين الذين تصوروا أن السعودية سوف تكتفى بالتصريحات الغاضبة، وبالهجوم الإعلامى والصحفي، فى ظل انشغالها بالحرب فى اليمن، وتحسبًا لاحتمالات حدوث تحريض إيران للشيعة فى المنطقة الشرقية بها.


قيام السعودية باتخاذ قرار عاجل بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران لم يكن يتوقعه المسئولون الإيرانيون، خاصة فى ظل المناورات، التى لجأوا إليها عقب الاعتداء على السفارة والقنصلية السعودية، حينما قام الرئيس الإيرانى بالإعلان عن عدم قبوله ذلك الاعتداء، وحينما قامت السلطات الإيرانية بإلقاء القبض على عدد من المتهمين باقتحام السفارة والقنصلية وحرقهما.


لكن فات المسئولين الإيرانيين أن المخاوف العربية بصفة عامة والسعودية بصفة خاصة تجاه إيران والشكوك فى نواياها زادت كثيرا مؤخرًا منذ إبرام الاتفاق النووى بين إيران والدول الخمس الكبرى زائد واحد، حيث توقعت المملكة العربية السعودية أن تستثمر إيران هذا الاتفاق ونتائجه فى زيادة محاولات تدخلها فى الشئون العربية، خاصة شئون الدول الخليجية.. وجاء ماقام به الحوثيون المتحالفون مع على عبد الله صالح فى اليمن حينما سعوا للسيطرة على كل أراضى اليمن والحكم فيه ليعزز المخاوف العربية تجاه إيران والشكوك العربية منها، خاصة أن إيران لم تحاول إخفاء دعمها ومساندتها للحوثيين، وجاهرت بذلك عمليا، وهو ماظهر فى إجهاض عمليات من إيران للحوثيين فى اليمن بشحنات من الأسلحة.


كما فات الإيرانيين أيضا أن السياسة السعودية قد طرأ عليها تغيير واضح وملحوظ فى ظل خادم الحرمين الجديد الملك سلمان، عما كانت عليه فى عهد خادم الحرمين السابق المرحوم الملك عبدالله. حيث رد الفعل السعودى أسرع، كما لم تعد المملكة العربية السعودية تكتفى فقط برد الفعل، وإنما أضحت تبادر بالفعل ذاته.. وقد كانت عاصفة الحزم تجسيدًا لهذا التغيير فى السياسة السعودية، حيث بادرت السعودية بالإعلان عن تحالف عسكرى للتصدى للتمرد الحوثى المشارك فيه الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح، دعمًا للرئيس الشرعي، ولاستعادة أراضى ومؤسسات اليمن من السيطرة الحوثية عليها، وذلك بعد أن رأت المملكة أن هذه السيطرة تمهد الأرض لهيمنة إيرانية ليس على اليمن وحده، وإنما على منطقة الخليج كلها، بل والمنطقة العربية أيضا.. حيث تصور الإيرانيون خطأ أن الاتفاق النووى، الذى أبرموه مع القوى الكبرى لايمنعهم فقط من الاستمرار فى تخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بمنشآت نووية مهمة لهم، ولا يتيح لهم أيضًا ذلك تجميد أموال ضخمة لهم، وإنما تصوروا أن هذا الاتفاق يمنحهم تصريحًا من تلك الدول الكبرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة بالتدخل فى شئون دول وشعوب المنطقة وفرض الهيمنة عليها، وذلك بالتشارك مع كل من تركيا وإسرائيل!


لذلك.. لم يقدر الإيرانيون أن رد الفعل السعودى تجاه مافعلوه باقتحام السفارة والقنصلية السعودية سيكون سريعًا وحازما وقويا، كما حدث بقطع العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية.


وهذا فى حد ذاته يعد إخفاقًا للساسة فى إيران والقائمين على إدارة الأمور بها.. فإن اقتحام السفارة السعودية وقنصليتها هو عمل عدائى للغاية، خاصة أن السعودية لم تعدم مواطنًا إيرانيًا أو تتخذ إجراء معاديًا لإيران، وإنما هى أعدمت مواطنًا سعوديًا فى الأساس، حتى ولو كان شيعيًا، ولايحق لإيران أن تقوم برد فعل عدائى على النحو، الذى جرى تجاه السعودية، لأنها بذلك تتدخل بشكل سافر ومثير للاستفزاز فى شئون دولة أخرى مستقلة وذات سيادة، ولاتقبل أى تدخل فى شئونها.. مع ملاحظة أن التدخل الإيرانى لم يقتصر مثلما فعلت بعض الدول الغربية على مجرد الاعتراض على تنفيذ حكم الإعدام فى الشيخ النمر، وإنما اتسع ليشمل مع ذلك تنظيم مظاهرات معادية للسعودية فى طهران، وشن حملة هجوم إعلامى وسياسى قادها مرشد الثورة الإيرانية، خامنئى، ضد القادة السعوديين، والأخطر أنه تم اقتحام السفارة والقنصلية السعودية وحرقهما.. وهذا أمر لا يمكن أن يمر بسهولة أو يقبل دوليا، حتى روسيا، التى تربطها علاقات قوية مع إيران وتنسق معها فى سوريا سارعت بانتقاد مافعله الإيرانيون ورفض اللجوء للهجوم على السفارات والمبانى الدبلوماسية.


هنا.. لابد لنا أن نتوقع قيام الإيرانيين بمراجعات لمواقفهم وضبط تصرفاتهم، خاصة أن ما يعولون عليه فى الاتفاق النووى مع الدول الكبرى، وهو مايتعلق بفك تجميد أموالهم، لم يتحقق بعد، وبالتالى سوف يخشون أن تؤخر أو تؤجل الدول الكبرى تنفيذ هذه الخطوة إرضاء للسعودية أو لتهدئتها.


كما أن رد الفعل الحازم لم يقتصر على السعودية وحدها، وإنما شاركتها فيه دول عربية أخرى، البحرين والسودان والإمارات بشكل جزئى حتى كتابة هذه السطور، وهو مايعنى أن إيران لاتواجه غضبًا سعوديا فقط، وإنما غضب عربي، وذلك مدعاة بالطبع لإعادة الحسابات أو ضبط التصرفات حتى لاتتدهور العلاقات الإيرانية مع الدول العربية أكثر وأكثر.


ويضاف إلى ذلك أن الأوضاع الداخلية الإيرانية تحتاج لسياسات خارجية غير متهورة قد تقود إلى حروب مكلفة سيكون لها بالطبع أعباؤها الاقتصادية والمالية المرهقة على عموم الإيرانيين، الذين ضجوا بالشكوى من تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولن يسعفهم حتى فك تجميد الأموال الإيرانية فى الخارج بمجرد تنفيذ هذا الفك، فالأمر سوف يحتاج لبعض الوقت وأنه سيكون حافلًا بالمعاناة الموجودة حاليا.


إذن..


الإيرانيون لن يقوموا بالجرى وراء صدام عسكرى مع السعودية لأنهم أولا يعرفون أن دولا عربية عديدة سوف تتداعى بما هو أكثر من السهر والحمى، دعمًا للسعودية، وأنها سوف تشارك السعودية فى مواجهة أى عمل عسكرى إيراني، ولأن الإيرانيين يعرفون.


ثانيا أن مثل هذا الصدام لن تسكت على حدوثه، إذا حدث، دول كبرى عديدة، وأيضا لأن الإيرانيين يعرفون أن تكلفة مثل هذا الصدام ضخمة وكبيرة وتفوق بالقطع تكلفة الحرب العراقية الإيرانية، فى ظل أوضاع اقتصادية ليست مواتية تعيش فيها إيران، خاصة مع الانخفاض الضخم فى سعر النفط، الذى تجاوز نسبة ٦٠٪.


ربما يحدث بعد قطع العلاقات صدام اقتصادي ستكون وطأته أكثر على إيران فى ظل ميزان تجارى خليجى عربي إيرانى يميل لصالح إيران، وقد بدأت بوادره بقرار السعودية وقف الملاحة الجوية مع إيران.. ولكن الصدام العسكرى مستبعد حتى الآن، خاصة أن الإيرانيين ينتهجون مايسمى سياسات البازار أو يلجأون للحسابات التجارية.. وإذا حسبوها بدقة سوف ينتهون إلى أن الصدام العسكرى سيلحق بهم الكثير من الخسائر، ولن يحقق لهم أرباحًا منشودة.


ولكن هذا ليس معناه توقف الإيرانيين عن محاولاتهم التدخل فى شئون المنطقة، والدول المرشحة أكثر للتدخل هى بالطبع كل من العراق وسوريا ولبنان.. كما سوف يزيد تحرش إيران بالبحرين.. كذلك سوف يحاول الإيرانينون العبث فى التجمعات والكتل والمناطق الشيعية فى كل من السعودية والكويت.. فكما يقال «يموت الزمار وأصابعه تلعب».


هنا الأمر بات يحتاج لمناقشة عربية عربية يمكن أن ترعاها مصر التى تتولى رئاسة القمة العربية لصياغة سياسة عربية مشتركة، تجاه إيران وأيضًا تجاه كل القوى الإقليمية، التى لها أطماع فرض الهيمنة على منطقتنا العربية، سواء كانت فى شكل خلافة عثمانية يبغى أردوغان إحياءها أو امبراطورية فارسية يخطط لها المرشد خامنئي، أو استيلاء على أراض عربية وفلسطينية ينفذه رئيس الوزراء الإسرائيلى نتانياهو.


وأيضا هنا صار الأمر يحتاج إعادة إحياء مشروع إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، وهو المشروع الذى تبنته مصر وعطلته مشاورات الدول العربية، خاصة أن الحلف العسكرى، الذى أعلنت عنه السعودية لن يعول عليه كثيرا فى التصدى للأطماع الإيرانية فى منطقتنا، ومواجهة المحاولات الإيرانية لفرض الهيمنة على دولها وشعوبها، بالسياسة العربية المشتركة تجاه إيران، وبالقوة العربية المشتركة سوف نحمى أمننا القومى العربى تجاه كل الأطماع الإقليمية فى منطقتنا، سواء كانت أطماع إيران أو أطماع تركيا أو أطماع إسرائيل.