مراجعات سودانية حول سد النهضة

06/01/2016 - 12:08:40

  سد النهضة يلحق آثار مدمرة لدولتى المصب مصر والسودان سد النهضة يلحق آثار مدمرة لدولتى المصب مصر والسودان

أ.د. سيد فليفل

سم زعاف، ينضح به لسانه حتى لا تكاد تراه كيانا غريبا ليس من الوسط الذى عرفناه من البشر السودانيين المخلصين الطيبين المحبين، كأنما خرج من طينة غير طينة وادى النيل المحبة لمصر والسودان، رجل كأن محمد سعيد العباسى شاعر السودان الكبير، وقد نادى مصر «يا شقيقة بلادي» لم يمر عليه فى دروس الشعر السودانى والأدب العربي، كأنما نشأ من صخر لا صلة له بمياه النيل الرقراقة المنسابة تربط بين البشر تجرى فى الدماء والعروق، تجعل ملامح الناس فى أواسط السودان كملامحهم فى أواسط الدلتا، وتفتح للخير مسامات الأمل فى تلاقى إنسانى لا نظير له، لم تعرفه الشعوب.


قلب صلد يحقد على مصر ويستكثر على المصريين قطرات الماء يكتب فى كل شيء مستعينا بكل العلوم كما لو كان خبيرا فيها جميعا وصولا إلى هدف واحد هو عقاب مصر على اتفاقية ١٩٥٩، متهما السودانيين الذين وقعوها بالغفلة وعدم الدراية لمجرد أنهم استبعدوه من وفد التفاوض، ويبدو مكوث سالمان محمد أحمد سالمان فى الهيئات الدولية، كما لو كانت قد صنعت منه أجنبيا عتيدا ينتمى إلى قوى الاستعمار التقليدى التى لا تعرف قيمة الناس والبشر، ولا تتعامل إلا من منطق القسوة.


نشر سالمان من الأوراق ما لا يحصى ولا يعد مقدما كأس السم الزعاف لقراء العربية تنضح بالحقد على مصر والمصريين، كلما قرأت مقالا قلت هذا آخر منتهى الرجل، لكنه يفاجئك بسم أكثر كثافة فى المقالة التالية.


من أمثال هذه المقالات ومن تصريحات عدد من المسئولين السودانيين سرى للكافة إحساس بأن السودانيين باعوا مصر والحقيقة غير ذلك فإن من السودانيين من خاض معركة سد النهضة بثبات وتحمل الإقالة من موقعه وواصل الكتابة ضد هذا المشروع انطلاقا من حرصه على مصلحة السودان وانطلاقا أيضا من نواح فنية تؤكد أن المشروع فاشل وأنه مجرد سد ضرار يستهدف تحويل مصر إلى مجتمع عطشان.


فى نظر سالمان أن إثيوبيا عندما شرعت فى بناء هذا السد كانت تنتقم من مصر التى وقعت اتفاقية ١٩٥٩ مع السودان، وكأن الاتفاقية من طرف واحد، وكأن السودان ليست مستهدفة بالضرر من جراء هذا السد.


فى نظر سالمان أن اتفاقية ١٩٥٩ افتأتت على حقوق دول حوض النيل وأخذت مياه النهر للدولتين والشعبين، متجاوزا الحقيقة العلمية وحتى الحقائق الجغرافية البسيطة التى يدرسها الطلاب فى المرحلة الإعدادية.


يقول سالمان: إن حجز هذه المياه ومنعها خلال الفيضان من إغراق أراضى المصريين وقراهم وهدم بيوتهم هو عمل خاطئ، ويفترض أن يقبل المصريون بإعادة بناء الريف المصرى مرة كل عام لكى يستريح ضميره الغائب. واعجبوا معى لضمير الغائب يشعر بالقلق. تفترض أيضا هذه الآراء أن مياه الورود الطبيعى لنهر النيل إلى مصر هو خطأ. خطأ من؟ لا أدري، كأن الجغرافيا يجب أن تسير وفقا لهواه ورؤاه، وكأن المولى عز وجل أنشأ الطبيعة على نحو مخالف لما يراه، والشيء المذهل أنه بات يفتئت على الحق الطبيعى فى الحياة الذى أقرته المواثيق الدولية وصار يدعو لحرمان المصريين من ماء النهر ويعيب فى نفس اللحظة على كل سودانى يقول بغير ما يقول.


سالمان محمد أحمد سالمان لم يتوقف لحظة عن أن يلوم مصر والسودان أن وقعا اتفاقية مياه النيل، ولا يلوم إثيوبيا على شروعها فى بناء سد النهضة دون الالتزام بالمقررات الدولية، التى تنص على الإخطار المسبق والتشاور والتعاون، مع أن إقدام مصر والسودان على بناء السد العالى لم يمنع عن إثيوبيا قطرة ماء تصل إلى أراضى الدولتين، بينما أن بناء إثيوبيا لسد النهضة يمنع عن الدولتين قدرا هائلا من المياه، والرجل لا يطرف له جفن من احتمالات انهيار السد وهى مقررة فيما بنت إثيوبيا سدودا كثيرا. والشيء المذهل أن الرجل يرى أن لإثيوبيا حقا فى الانتقام من مصر والسودان ببناء هذا السد وغيره، والسؤال لماذا الانتقام بعد بناء السد بعشرات السنين؟ الرجل ونظراؤه من الممالئين له يعتبرون أن البدء فى بناء السد فى وقت أزمة تعيشها مصر لا يشكل على الإطلاق روحا عدائية مخالفة لكل المشاعر الإنسانية.


سالمان محمد أحمد سالمان افترض أن السودان تضرر من السد العالي، على الرغم من أنه لم يتحمل أية أعباء مالية فى التمويل، وتلقى تعويضات عن المنازل التى غرقت، والأكثر من هذا تضاعفت حصته بحيث زادت على ضعف مكاسب مصر من النهر، وراح يتحدث طويلا حول السلفة المائية كأن مصر كان يجب أن توقف اندفاع المياه إلى أراضيها فى وقت لم تكن السودان قد أنشأت بعد السدود المائية لتستوعب حصتها ووقف يتحدث مطالبا مصر بثلاثة أضعاف المياه الموجودة فى بحيرة ناصر تعويضا عن هذه السلفة، بل وقال بأن السودان لم يستفد من الطاقة الكهربية مثلما استفادت مصر، ففيما إذن كان الإصرار على استقلال السودان ما دمت تطالب مصر بأن تبنى لك محطات الكهرباء، والشيء المذهل فى فكره هو تجميع الشرور جميعا وتوجيهها فى اتجاه فيضان مدمر يزيل كل مسئول سودانى قبل مبدأ الحياة المشتركة مع المصريين، وأن إثيوبيا لها الحق فى أن تفعل كل شيء وما على السودان ومصر إلا القبول.


الرجل أيضا يعتبر اتفاقية ١٩٠٢ غير ملزمة لإثيوبيا فيما يتعلق بالمشروعات، التى تنشئها على النيل الأزرق يكون من شأنها التأثير «على كمية ونوع ومواقيت ورود المياه إلى السودان ومصر»، والرجل كقانونى خبير عمل طويلا فى المؤسسات الدولية يعلم أن هذه الاتفاقية هى اتفاقية حدود بها ظهرت إثيوبيا الحديثة أربعة أضعاف مساحتها وقت بداية عهد الإمبراطور منليك الثانى فى ١٨٩٨ وأنها ضمت مواطنين سودانيين من بنى شنقول يئنون الآن تحت الحكم الإثيوبي، ويطردون الآن من أراضيهم، وتستلم الشركات الأجنبية مزارعهم، سواء لإتمام سد النهضة أو لتصدير الورود أو البحث عن ذهب بنى شنقول.. وقد سلمت بريطانيا بمقتضى هذه الاتفاقية هؤلاء المواطنين مقابل ألا تتدخل إثيوبيا فى تدفق المياه، وذلك مثلما سلمت إقليم أوجادين فى الناحية الأخرى من إثيوبيا بمقتضى اتفاق مع منليك المذكور ومثلما سلحته لكى يسيطر على أراضى الأورومو.


هنا تبدو الأرض بخلاف المياه كاملة من صالح إثيوبيا فى نظر مواطن سودانى، كما لو كانت الأرض والمياه حقا للأمهرة والتيجرانيين من الأقلية الحاكمة وليست حقا لأعمامه وأخواله داخل إثيوبيا أو فى السودان أو فى مصر.. ألم أقل لكم إن الرجل ينطق عن سم زعاف؟ ولا يرعى فى أبناء وادى النيل إلا ولا ذمة.


ويحار المرء فى النظر إلى هذه العقلية، كيف تكونت؟ وكيف نشأت؟ وهذا الحقد من أين جاء؟


والخطير فى المسألة أن الرجل لا يتكلم مطلقا عن الحقائق العلمية، وهى ساطعة، لا تغيب عن فاهم، ولا يغفلها عالم، كما أنها محدد مهم لكل من يتحدث فى مسائل مياه الأنهار وما يمكن أن تستخدم له، وذلك على النحو التالي:


• يهمل الرجل حقيقة أن إثيوبيا تمتلك اثنى عشر حوضا نهريا غير النيل الأزرق، ولا يسأل نفسه لماذا التركيز على النهر الأساسى الذى يمد السودان ومصر بالمياه؟


• يتجاهل الرجل أن إثيوبيا هى مزرعة كاملة للرياح، التى يمكن منها فى شتى الأقاليم توليد كميات مضاعفة من الطاقة أكثر من تلك التى تنتجها السدود المقترحة.


• يتجاهل الرجل أيضا تقرير لجنة الخبراء الدوليين التى ذكرت بوضوح أن العائد من السد لا يتناسب مع الحجم الضخم الذى تصممه إثيوبيا عليه، لا لشيء إلا لحجز المياه بحيث كان يمكن لأربعة سدود صغيرة تتكلف ثلث التكلفة الكبيرة لسد النهضة أن توفر نفس الكمية من الطاقة.


• يتجاهل الرجل أن إثيوبيا أعلنت عن شركة إسرائيلية لتوزيع الكهرباء فى إشارة واضحة إلى استهداف دولتى حوض النيل. ولم يؤثر فيه قيام الدولة العبرية عدة مرات بقصف بلاده ثم عقابها على دورها البطولى فى المواجهات العربية الإسرائيلية، حيث قدم السودان الشهداء من أجل الأرض العربية. ولا يسأل الرجل نفسه لماذا يختلف موقفه عن مواقف مواطنى وادى النيل؟


• والرجل بعد ذلك يتجاهل إقدام الحكومة الإثيوبية على تغيير مكان إقامة السد لتضعه على الحدود مع السودان مخالفة لذلك التصميمات الأمريكية الأولى التى قدمها مكتب استصلاح الأراضى فى عام ١٩٦٤، وهو تغيير لا يستهدف إلا زيادة مساحة البحيرة وطاقتها لاستيعاب ٧٤ مليار متر مكعب بدلا عن ١٤ مليارا.


• وأخيرا يتجاهل الرجل أن إثيوبيا اختارت وقت أزمة الفوضى الداخلية فى مصر لتبدأ إقامة السد على نحو انتهازى غير مقبول، وعلى ذلك انهالت مقالات الرجل كالسيل محبذة للإجراء كأنما يشاركها الابتزاز والانتهازية بحيث لا يترك لك مجالا إلا أن تقول كم تقاضى من الطرفين الإثيوبى والإسرائيلي؟ ولماذا يصر على البقاء فى أرض الكرامة والأولياء والأتقياء «والحيران» من المتصوفة رقيقى القلوب، شفافى المشاعر، مريدى العلم والخلوة التقية، وتل أبيب ونيويورك به أولى.


عندما تطالع صحافة إثيوبيا وأنباء إلقاء القبض على عدد من المهندسين الذين اعترضوا على بناء سد النهضة باعتبار تكلفته العالية وباعتبار الأضرار المحتملة منه على الجوار بما يشكل احتمالات رد الفعل، واعتراضا على قلة العائد مع ارتفاع التكلفة وباعتبار أن هناك بدائل أفضل منه لا يطرف للرجل جفن، وينام قرير العين.


وعلى الرغم من أن الرجل لم يوصف يوما بأنه يقدم وجهة نظر الحكومة السودانية إلا أنه يلقى من الترويج، ما يجعل من الممكن القول بأنه يروج لمرادها الذى لم تعلن عنه. والأمر الذى يدعو إلى الدهشة أن كبار المسئولين فى السودان يتحدثون بوضوح عن احتمالات انهيار السد ومع ذلك يستمرون فى تأييده ويأخذون موقف المتفرج من نزاع بين مصر وإثيوبيا اعتبروه لا يخصهم مع أن الخرطوم سوف تدفع فيه ثمنا فادحا من وجود شعبها ووجوده فى حالة الأخطاء الهندسية الكثيرة أو مشاكل التربة التى يبنى عليها السد أو ما قيل عن جيولوجيا البحيرة والشقوق التى تعج بها. ولن يتخيل هؤلاء المسئولون- الذين يتركون الساحة لسالمان- معنى أن يندفع صوب الخرطوم فور انهيار السد أربعة وسبعين مليار طن من الماء والطين تخترق شوارع العاصمة وتطرح أبراجها ومساكنها وتقتل من فيها.


وذلك وفقا لما قال به أحد المهندسين الألمان من أعضاء اللجنة الدولية التى اعترضت على التصميمات الإنشائية للسد وقال لديسيلين وقت أن كان وزيرا للموارد المائية فى أيام رئاسة زيناوى للوزارة: «إن هذه التصميمات كفيلة بإيداعك فى السجن لو كنت تصمم برجا فى هامبورج».


إن هؤلاء المسئولين الذين يستخفون بالأمر يفكرون، كما لو كان التاريخ لن يذكرهم، وكما لو أن الشعب السودانى حقل تجارب، وكما لو أن مصر شعبا وحكومة ملزمة بالقبول باختياراته. والشيء المذهل أيضا فى عدد من حوارات المسئولين أنهم يتحدثون بأريحية كبيرة وانبساط شديد، كما لو كانوا سوف يصطافون فى الفيضان القادم، وينتعشون بمائه المخلوط بالطين وكتل الخرسانة حال انهيار السد. ولما كان العلم غلابا وواضحا وجليا وفضاحا ولا يقبل هوس المرضى ولا أوهام السفهاء فقد انبرى عدد لا يحصى من الكتاب السودانيين من مهندسين وخبراء وأصحاب أقلام ومفكرين يناقشون الموقف ويتابعون الأدبيات المختلفة للسد ويوغل بعضهم فى الجوانب الفنية، والبعض الآخر فى تحليل الموقف الاستراتيجى ويتبحر غيرهم فى حسابات توازنات القوى الإقليمية والارتباطات الخارجية ليخرج علينا هذا النفر بما يمكن اعتباره مظاهرة علمية ضد السد وتحذيرا صريحا من أخطاره المحتملة.


وعلى صعيد الرأى العام كتب من تراوحت أفكارهم بين الرؤى والمقالات والاتهامات يطالبون برأى واضح من السد ويدعون إلى أن ينخرط السودان فنيا فى عملية التصميم وهندسة السد وأمانه وسعة بحيرته بحثا عن الفهم.


ونسمع بأن بعضهم بعد مقالة ما أو تغريدة غابوا مدة من الزمن ثم عادوا وقد امتنعوا عن الكتابة مرة أخرى وبعضهم ترك الخرطوم وصار من أبطال الفيسبوك، يعارض من الخارج، بينما استمر بعض كبار الشخصيات يكتبون ويتعرضون للضغوط، ولكنهم بإباء الشرفاء يواصلون التعبير عن آرائهم العلمية رغم أن بعضهم كان يوما وبعضهم لا يزال إلى الساعة جزءا من النظام.


خبير سودانى آخر يحمل ذات الاختصاص القانونى الذى يحمله سالمان أحمد على سالمان، وهو أحمد المفتى اعتبر أن الدولتين المصرية والسودانية قصرتا تقصيرا واضحا فى مفاوضات سد النهضة وتجاهلتا الموقف القانوني، وبصفة خاصة فيما يخص الحقوق المائية، وأن الدولتين تجاوزتا الموقف القانونى السليم بقبول التفاوض وفق مجموعات من الاتفاقات خارج إطار الموقف القانونى الذى تمثله القواعد المستقرة فى القانون الدولي، وأن هذا الأسلوب أدى إلى مهاترات حول المسائل الفنية تاركة مبدأ القانون الدولى حول عدم الضرر وعدم تنفيذ أية مشروعات إلا بالتشاور، وهو الأمر الذى يصب فى مصلحة إثيوبيا وليس فى مصلحة الدولتين.


وعلى ذلك طالب الدكتور أحمد المفتى بعودة مصر والسودان إلى اتفاقية ١٩٥٩ وأن تتبنيا موقفا مشتركا وموحدا فى التعامل مع سد النهضة باعتباره عملا هندسيا على مجرى النيل الأزرق يهدد سريان وتدفق مياه النيل، إلى الدولتين، ويغير مواعيد الورود وفقا لما نصت عليه اتفاقية ١٩٠٢، ويطالب الدولتين بإلزام إثيوبيا بالقانون الدولي.


وبهذا وقف أحمد المفتى فى الناحية الأخرى من سالمان أحمد سالمان لكى يؤكد لنا أن عقولا تتحدث فى ضوء المصلحة، ليس بشكل منحاز، ولكن فى إطار القانون الدولي. وهل يغضب أحد من القانون دوليا كان أو محليا إلا اللصوص؟


الدكتور أحمد المفتى أكد أيضا أن اتفاقية ١٩٠٢ تلزم السودان أكثر مما تلزم غيرها من الدول، لأنه بمقتضاها تسلمت إثيوبيا منطقة بنى شنقول السودانية التى نشأ عليها سد النهضة، مقابل التزامها بعد إقامة أى منشأة على النيل الأزرق إلا بعد موافقة السودان، مؤكدا أن أهالى بنى شنقول يطالبون بأن يتمتعوا بحق العودة إلى السودان بناء على خرق إثيوبيا لاتفاقية ١٩٠٢، ووجه أحمد المفتى إلى أن هؤلاء المواطنين السودانيين يقدمون مدخلا جديدا للتعامل مع مسألة سد النهضة على نحو سيجعل الحكومة الإثيوبية تعانى من حرج شديد. وقد وصف إجراءات إثيوبيا ببناء السد فى توقيت صعب وتضخيمها لسعته التخزينية من ١١ مليارا من الأمتار المكعبة وفقا للتصميم الأمريكى فى عام ١٩٦٤ إلى ٧٤ مليارا باعتبار ذلك خطأ قانونيا من الدولتين إذ إن مصر والسودان كان يجب أن تتفاوضا على مبادئ القانون الدولى وكيفية تنفيذها وليس على التصميم الإثيوبي، كما أن إثيوبيا كان يجب أن تلتزم بعدم البدء فى العمل إلا بعد التشاور. وألمح المفتى إلى أن المياه ملك للجميع ولا يجوز لأحد الأطراف أن يفرض رؤيته على الآخرين.


ومن ثم فإن العودة إلى القانون الدولى والذى ينص على احترام حق الحياة والمشاركة فى المورد الطبيعى لا يسمح لإثيوبيا ولا لغيرها أن تؤثر على دولتى المصب (مصر والسودان)، ومن ثم فإن أمور السد وقواعد الملء والتشغيل هى أمور ثانوية قياسا إلى مبدأ حق الحياة والحق فى المياه، وإن إثيوبيا يجب أن تضمن أمن ماء النيل للسودان ومصر باعتبارها دولة عضوا فى الأمم المتحدة ملتزمة بكافة مواثيقها الدولية، ومن ثم فإن الإصرار على الحقوق المائية لدولتى وادى النيل تسبق الحوار حول التنمية فى إثيوبيا وحول كمية الكهرباء التى سوف تنتجها من سد النهضة أو من غيره من السدود. وأن الدولتين المصرية والسودانية يجب أن تعودا إلى المربع رقم واحد وهو قضية الأمن القومى المائى وإلزام إثيوبيا بكافة المواثيق الدولية الخاصة بالمياه ومن بينها اتفاقية ١٩٠٢.


من ثم فإن لدينا خبيرا سودانيا يتكلم بعقلية القانونى الوطنى فى مقابل سالمان محمد أحمد سالمان الذى لا يرقب فى مصرى ولا سودانى إلا ولا ذمة. ويتحدث عن حقوق إثيوبيا كما لو كانت منزلة من السماء وعن حقوق السودان ومصر كما لو كانت هباء منثورا. والمدهش مجددا أن الدكتور المفتى يتحدث عن حرص بريطانيا الدولة الاستعمارية على رفض تخزين إثيوبيا للمياه إلا بمراعاة مصالح مصر والسودان، ورفضت أن تقوم إيطاليا المستعمرة بأى إجراء فى هذا الاتجاه، بينما أن سودانيا لا يأخذ نفس الموقف البريطاني. فممن تتعجبون معي؟ من بريطانيا التى تخشى على مصالح مصر والسودان، أم من هذا المواطن السودانى الذى لا يعبأ بمصالح مصر والسودان، وأجيبونى أسودانى هو حقاً؟


سودانى آخر هو المهندس الأغر والأشهر كمال على وزير الرى السودانى الأسبق تحدث فى سبتمبر ٢٠١٥ عن سد النهضة مجسدا مخاطره، التى يبدو أن حديثا سابقا له بشأنها مع المسئولين أدت إلى إقالته، ليتولى من بعده عدد من المسئولين الوزارة ويمضوا فى طريق العمل على مجاملة إثيوبيا وتجاهل المصالح المصرية، فوضح المهندس كمال أن للسد مخاطر أربعة، أولها متعلق بعدم السلامة الإنشائية، وثانيها متعلق بعدم اكتمال الدراسات الأساسية، للسد وذلك لأول مرة فى تاريخ المشاريع المائية، وأن التنفيذ بدأ قبل استكمالها، والخطر الثالث متمثل فى مشاكل الملء الأول لخزان وبحيرة السد، والذى قد يترتب عليه حرمان مصر والسودان من ورود المياه إليهما حتى تمتلئ البحيرة، وما يعقب ذلك من اختلافات محتملة مع إثيوبيا حول نظم تشغيل السد وصلة ذلك بالنظام الزراعى فى السودان ومصر واحتمالات تغير هذا النظام، ناهيكم عن تحكم إثيوبيا فى مياه البلدين، والمخاطر التى قد تنشأ فى حالة استخدام مياه النيل كسلاح.


أما الخطر الرابع فمتعلق بتدنى كفاءة إنتاج الكهرباء فى الدولتين إلى أقل من ٣٣٪ من الطاقة الحالية.. وأن الذين ذكروا هذا الكلام هم أعضاء اللجنة الثلاثية المدعومة بخبراء دوليين قدمت تقريرها فى مايو ٢٠١٣، لكن المفاجأة أن خبراء وزارة الكهرباء والموارد المائية فى السودان تمسكوا بأن سد النهضة ليس له آثار سلبية على السودان إلى أن أجبرهم الرأى العام السودانى والمصرى على القول بمخاطر لكنهم يقللون من شأنها. إلى أن جاء فيضان عام ٢٠١٥ شحيحا ليفضح كل الذين زعموا أن فى سد النهضة فوائد للسودان، وليبرهن للشعب السودانى أن سد النهضة سيكون كارثة عليه وعلى مصالحه.


المهندس كمال على هو واحد من خبراء مدرسة الرى فى وادى النيل وحوض النيل لم يعرف عنه يوما أنه أنكر على إثيوبيا حقها فى الاستفادة من مياه النيل، لكن طلب فقط عدم الإضرار بالشعب السوداني.


الرجل نصح زملاءه فى وزارة الكهرباء والموارد المائية بعدم التستر وراء المنظمات الفئوية التى تتباين آراء أعضائها حول المشروعات بعد أن اتضحت الحقائق بصدور تقرير لجنة الخبراء الدولية.


المهندس كمال على أيضا قال بأنه قدم للرئيس ونوابه وقيادات الدولة دراسات تجسد أضرار سد النهضة على السودان ونصحهم على مدار أكثر من عامين أن يوافقوا فقط على حجم تخزين فى حدود أحد عشر مليارا من الأمتار المكعبة من المياه، ولكن أحدا لم يستمع إليه.


الرجل ناقش ما ردده بعض خبراء الوزارة بأن السد سيحجز الفيضان والطمى وينقذ السدود السودانية من الإطماء ثم إنه سوف يسمح بتمرير ١٣٠ مليون متر مكعب من المياه فى اليوم بما يفيد الدولة السودانية، بل وأكد خطأ ذلك وضرره الكبير المتمثل فى استحالة ملء خزانى الروصيرص وسنار وبالتالى استحالة توفير المياه لمشروعات الرى على طول النيل الأزرق واستحالة توليد الكهرباء من السدين، ثم ذكر بأن هناك آثارا مدمرة على توازنات المياه الجوفية والرى الفيضى والحيضى والغابات والآبار والنخيل والبساتين، وأن السودان يجرب هذه الآثار فى هذه السنة بسبب الفيضان المنخفض، على الرغم من أن حجم هذا الفيضان يساوى أربعة أضعاف حجم المياه التى سيمررها سد النهضة عند اكتماله. ومن ثم سوف تتغير البيئة والحياة فى كل المنطقة.


وقد ملأ المهندس كمال على بأرقامه وحساباته جنبات قاعات البحث والدرس والحوار فى النقابات الهندسية وفى الجامعات وعلى صفحات الصحف، موضحا مخاطر سد النهضة على نحو يقطع بأن خبيرا مشهودا مثله كان يجب أن يستمع إليه ولم يجد آذانا صاغية لا يزال يؤدى دوره خارج العمل الوزارى بأمضى، مما يؤدى وزير الكهرباء والموارد عمله، ويستنفذ همم السودانيين للحفاظ على بلادهم مشفقا عليهم خدمة له وليس خدمة لمصر وحدها، ولا غرو فإن قامة سامقة مثل كمال على كان حريا أن يستمع إليه وأن يستجاب له، لكن البديل أن بعضا من صغار المهندسين تطاول عليه واتهمه بماد المائى المنتظر، لأليس فيه، ثم إن المدعو سالمان عقد بشأنه عددا كبيرا من أوراقه مهاجما ومتطاولا ومتهما، ومع ذلك فالرجل يمضى فى طريقه لا يلوى على شيء إلا أن يؤدى دوره كسودانى خبير يقدم الرأى بعد دراسة وتبصر.


الدكتور سيف الدين يوسف محمد سعيد، حاول أن يبدو متوازنًا فى تقديره لمخاطر سد النهضة، فتحدث عن الكهرباء الرخيصة، والإمدادالمائى المنتظم،لكنه لم يلبث إلا أن أوغل فى الآثاء السلبية والتى تتمثل فى حرمان السودان من مياه الفيضان التى تغذى الآبار والمياه الجوفية وتخصّب التربة ويحرم السودان من مخزونه المائى الاستراتيجى داخل السودان الذى يستخم وقت الجفاف على نحو ما حدث فى عام ١٩٤٨، وهو أمر سوف يتكرر قابل الأيام نتيجة للتغيرات المناخية التى تشير إلى نقص إيراد المياه من الهضبة الأثيوبية بحوالى ٢٠٪ من كميتها، وأن السودان وهو يعلم دورة النيل لمدة واحد عشرين عاما، تتضمن سبع سنوات سمان وسبع متوسطة الإيراد، وسبع جاف، سيفقد أى تزويد بالمياه الجوفية، وستتغير أنماط الحياة، وسيهجرون أراضيهم، ويبحثون عن أعمال أخرى.


يشير الدكتور سيف الدين أيضًا إلى أن امتناع الفيضان والطمى سيؤدى إلى زيادة عمق النهر، كما حدث فى سد هوفر فى أمريكا، وبالتالى سيتعذر الوصول إلى الماء إلا بالرفع. ويقدم هذا الخبير الفذ معادلة بسيطة فالسد فى تصميمه الأمريكى ببحيرة مخزونها ١١ مليار متر مكعب كان سيحرم مصر والسودان من ٥.٥ مليار متر مكعب من المياه، فكم يحجز سد النهضة والسدود الإضافية الثلاثة والتى ستبلغ سعتها التخزينية ١٥٠ مليار متر مكعب؟ والمعادلة بسيطة فمعنى ذلك أن الدولتين ستعانيان عجزا قد يصل إلى مجمل حصتهما. فماذا يقول سالمان محمد أحمد سالمان؟


يشير الدكتور سيف الدين أيضا إلى طبيعة الأرض التى يقع فيها السد من منطقة الخدود الإفريقى العظيم بفوالقه وصخوره البركانية ضعيفة البازلت وتشققاته الكبيرة، وذلك وسط حزام زلزالى غير نشط يمتد من قلب إفريقيا إلى الأناضول على جانبى البحر الأحمر، فيفترض أن السد سيحتاج بخلاف الـ ٧٤ مليارا إلى مثلها من المياه تملأ التشققات، ثم يتخيل لو استجابت الأرض لضغط الماء ماذا يمكن أن يحدث من نشاط زلزالي، وأى كمية من المياه سوف تنطلق إلى الخرطوم، ثم يعطى نتيجة أن التدمير سيقع فى الأرض السودانية وأن إثيوبيا ستكون آمنة، ويقدم أمثلة عملية للزلازل فى بحيرات سد أورفيل فى كاليفورنيا عام ١٩٧٥، وسد كونيا فى الهند عام ١٩٦٧، ثم سد هيسنج كيانج فى الصين عام ١٩٦٢.


الدكتور سيف الدين يدخل من بعد ذلك إلى مجال الأمن القومى ويقارن بين السد العالى فى نهاية مسار النهر وبين سد النهضة، ويتساءل: هل عندما تخزن إثيوبيا الماء وتحرم مصر والسودان يمكن لعاقل أن يقارن ذلك بالسد العالى الذى ينظم استخدام المياه فى مصر؟ هل هذه كتلك؟ ثم يؤكد على جانب خطير وهو أن أمن مصر والسودان لا يسمح بترك إثيوبيا تتحكم فى مائهما تصرفه إليهما متى رضيت وتمنعه عنهما متى غضبت. فاهم يا سالمان؟


الرجل يعود بعد ذلك إلى ظاهرة إقلاع الدول عن إقامة السدود الكبرى بسبب أضرارها البيئية وبسبب الخوف من التوظيف السياسى لمياه البحيرات فى الصراعات بين الدول، لكنه يلفت سالمان محمد أحمد سالمان قبل غيره إلى سعى إثيوبيا لفرض إسرائيل كدولة من دول حوض النيل تسعى لأن يكون لها فيه حصة ونصيب تحت مسميات مثل تسعير المياه، والنفط والماء موردان أساسيان فكيف يدفع فى أحدهما مليارات الدولارات ولا يدفع فى الآخر مثل ذلك مع أن بأولهما الحركة، وبثانيهما الحياة.


ونختم بالبروفيسور حسن مكي، وهو ليس غريبا عن الحزب الحاكم، بل إنه كان فى مرحلة من المراحل مفكر الحزب ولكنه ليس مفكرا من أولئك الدوجماتيين الأيديولوجيين الذين يجعلون الأيديولوجيا فوق الفكر ويجعلون رؤى الآباء الإسلاميين فوق العقل، ويجعلون قضايا الحياة مؤجلة لعالم الموت. حسن مكى السودانى الحق امتلك شجاعة مراجعة المشروع الإسلامى وكتب فيه ناقدا كما يكتب الشجعان، وطالب بالتغيير الذى لم يتحقق، وقد يكون خسر سياسيا، لكنه كسب نفسه أو كسب نفسيا. رئيس جامعة إفريقيا العالمية السابق أخذها من جامعة متريفة بدوية إلى منارة فى قلب الخرطوم، وضاعف كلياتها ومعاملها ومدرجاتها بتواضع جم موقنا بأن جامعة إفريقيا العالمية وقد فتحت لأبناء المسلمين فى القارة هى صنو الأزهر الشريف ونظيره تحتضن أبناء القارة من الشباب المسلم الساعى إلى المعرفة. كان أكثر السودانيين إيغالا فى الوصول إلى الحقائق الساطعة المجردة فسد النهضة خراب لمصر، وسيحرمها من الماء لخمس سنوات متصلة، وهو يضيف إضافة ذات مدلول استراتيجى فلولا التراجع المصرى ما كان هناك دور لقطر ولا تركيا ولا إسرائيل ولا إيران ولا حتى للصين، وإن هذه الأدوار وافدة ومصر أصيلة ولا ينبغى لها أن تتراجع وإن إثيوبيا حليف لإسرائيل وأن إسرائيل باتت مقيمة على بحيراتها وعلى بحيرة فيكتوريا، وأن حوض النيل بات يشكل جزءا من المشروع الصهيوني، ومن ثم فإن سد النهضة ليس الخطر الوحيد على مياه النيل، فإن سدودا أخرى على روافد الأنهار الصغيرة، التى تغذى النيل الأزرق سوف تأتى تباعا، وأن القضية ليست السد بل مجمل السياسة المائية الإثيوبية، وأن السيطرة الإثيوبية- الإسرائيلية على الأحباس العليا لنهر النيل لا تشكل ضغطا فكريا ولا نفسيا فقط على المصريين، بل إنها بداية لإدارة إثيوبيا للنهر بما يكفل السيطرة الإقليمية لها من الجنوب ولإسرائيل من الشمال.


هكذا إذا فإن بالسودان الشقيق من العقول الناهضة والقلوب النابضة من يشعر بوجع المصريين ويتألم لآلامهم ويحمل هم مستقبلهم باعتباره مستقبله أيضا، ولكن هل هؤلاء من يملكون القرار فى الخرطوم.. والكنانة لن تعطش ولن تضيع، ونحن فى مصر وهؤلاء الرجال الأفذاذ.